بعد أسبوع على رحيل “برنارد لويس”، وهو واحدًا من أكثر العلماء شهرة وإثارة للجدل في القرن العشرين في منطقة الشرق الأوسطـ، تكررت تلك الانقسامات السياسية والتي ظهرت أثناء حياته من خلال ردود فعل العامة، بسبب صفحات النعي والمقالات المنشورة بعد وفاته.
وبالنسبة لهؤلاء الذين يرون أن “برنارد” كان على بصيرة في تحليله “لصراح الحضارة” المتأصل بين الإسلام والغرب – وكان “برنارد لويس” هو من صاغ هذه العبارة ، وليس العالم السياسي “صمويل فيليبس هنتنجتون” والذي يُنسب إليه هذا القول عادة –كان “لويس” بالنسبة لهم عالمًا مثابرًا، ورجلاً توغل في أراشيف الإمبراطورية العثمانية وأبحر في التاريخ العربي وخرج علينا بفهم واضح “للخطر” الذي تمثله تلك الحضارات.
وكان “لويس” بالنسبة لغيرهم مجرد مشجع للقوة الغاشمة، يتسلح بعلمه الوفير لتحقيق أهدافه السياسية الضيقة وغالبًا ما تكون صدامية وعنيفة، فقد كان رجلاً باحثًا في قرون الإمبراطوريتين الإسلامية والمسيحية، ولم يرى سوى الصدامات وعدم التعاون مطلقًا.
ومما لا شك فيه أن “لويس” كان عالمًا جادًا، إذ يرى البعض أن خبرته الحياتية كانت ذات اُفق رحب، فالرجل لم يعاصر فقط العديد من التجارب المحورية التي شكلت الشرق الأوسط الحديث –ومنها الثورة المصرية في عام 1952، وقيامإسرائيل عام 1948، والثورة الإيرانية في عام 1979 –بل أنه درس تطور تلك التجارب ونموها. (كان “لويس” يفخر بقوله أنه قرأ “كتابات آية الله خوميني” قبل أن يعلم بها معظم الإيرانيين.)
غير أن السياسة غيرت مسار أولوياته وتفهمه للأمور. وبعد أن أصبح مشاركًا في سياسة القوة التي انتهجتها واشنطن في السبعينات “1970”، كان عمله الأكاديمي يعاني من الحاجة الملحة إلى نتائج سياسية تجسد الواقع وليس العكس.
يبدوا أنكل أكاديمي ترعرع في محيط القوى السياسية الغربية، ولاسيما القوة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، ينتهى به الأمر إلى تقليص دور الغرب في إنشاء انقسامات في الشرق الأوسط الحديث، وهناك حالة متعمدة من فقدان الذاكرة الجماعي وإحجام تام عن رؤية الحقائق. فهناك عقود من الحروب والعقوبات الاقتصادية والغزو والاستعمار والتدخل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المتواصل في شؤون الشرق الأوسط ومجتمعاته تم تجاهلها تأييدًا للقول المأثور البسيط: العرب هُم سبب ازماتهم
قدم “لويس”، كسالف أقرانه، الحجج الفكرية لإثبات أن ما يفعله الغرب و وكيلته إسرائيل في الشرق الأوسط كان أمرًا صائبًا، وألقى باللوم دومًا على العرب في أي نتائج سلبية . وأكثر ما يلفت النظر هو دوائر السلطة التي نال اعجابها واستحسانها نضير إدلائه بتك التعليقات.
وما يجعل قراءة أعمال “لويس” أكثر صعوبة، هي الحاجة الماسة إلى بذل جهدً كبير للفصل مابين ميوله السياسية و مؤلفاته وكتاباته. و غالبا ما ينقاد لويس وراء حدسه في المقارنة ما بين الشرق الأوسط والإسلام من جانب و المجتمعات الأوروبية والمسيحية من جانب اخر – ودومًا ما تكون تلك المقارانات منحازه لطرف ما. ويعتقد “لبرنارد” بوجود تسلسل هرمي واضح للثقافات والقيم، ومن حظ لويس أنه ولد على قمة ذلك الهرم.
وتعكس مؤلفات “برنارد” حالة من الغضب والحنق تجاه حضارات الشرق الأوسط، فيبدو أنه غاضباً على نجاحهم التاريخي، ولم يكن ليطيق أن يتعرف على مساهماتهم تجاه العالم الحديث، فالبنسبة له يعتبر العرب والمسلمون دومًا خارج تاريخ العالم ، لأن التاريخ دومًا ما يصنعه المجتمع الغربي.
ولهذا، ينتاب قارئ أعمال برنارد شعورًا جزئيًا بأن برنارد كما لو كان حذف أجزاء التاريخ التي لا تتوافق مع ميوله، ورغم ذلك، لم يؤثر ذلك سلباً على قيمة اعماله ، بل على العكس، ظل “برنارد” مؤلفًا لا غني عنه لمن يدرس المنطقة –غير أن هذه الاستنتاجات تبدو دومًا وكأنها ناقصة، ويشوبها التقرب إلى السلطة.
وهذا بالطبع سبب تبجيله في اوساط الدوائر السياسية اليمينية. لأن جميع السياسيين يحتاجون إلى المساعدة لإنشاء نظرة عالمية متماسكة ذات قيمة، فهم في حاجة إلى ما يسمونه أحيانًا “التدعيم الفكري” ويدل هذا على تجميع الأفكار والحقائق معًا لتحويل الرغبة السياسية إلى سياسات سياسية.
ظل “برنارد” لسنوات واحدًا من مقدمي، إن لم يكن المقدم الرئيسي “للتدعيم الفكري” لهؤلاء الذين تتملكهم نزعات عنصرية وعسكرية حول باقي أنحاء العالم ولاسيما منطقة الشرق الأوسط. ولم تكن هناك أي وجهات نظر غريبة تقول بأن “برنارد” لن يتمكن من البحث داخل أفكاره الواسعة عن الحقائق والأفكار التي قد يدعمها. إن وجهة النظر التي لاقت استحسانًا حتى الآن والتي تقول بأن مختلف شعوب الشرق الأوسط “لا تحترم إلا القوة”، كانت إحدى السلع التي يروج لها بالرغم من الحقيقة التي يجب أن يكون على علم بها وهي أن وجهة النظر تلك كانت منذ قديم الأزل ذريعة لمهاجمة الأعداء السياسيين.
كانت وجهات النظر تلك وغيرها من المفاهيم المتعلقة بالتفوق الثقافي الأسباب الرئيسية التي جعلته مهمشًا بوصفه رمزًا للسلطة في إدارات الجامعات الغربية بالشرق الأوسط. ورغم أنه ظل يُدرس، إلا أن عمله لم يعد يُنظر إليه كأعمال ممثلة لكافة التوجهات. وكان برنارد مولعًا بشدة باللغات والتاريخ عندماكان طالبًا، حيث كان يعتبر اللغات هي مفتاح شفرة التاريخ. غير أنه في آخر حياته أصبح أيضًا مفتونًا بالقوى السياسية، ورغب أيضًا في مداهنة رجال الساسة من خلال مؤلفاته.
و بالرغم من امتلاكه لاهتمامات فكرية واسعة، كانت استنتاجاته ضيقة بشكل يدعو للدهشة، غير أنها كانت ملائمة لاتباع الحزم اليميني في امريكا، والذي أصبح مع مرور فترة التسعينات وصولاً إلى القرن الجديد مناصر للسلطة بشكل متزايد.وبصفته مفكرًا عامًا، كان “برنارد” يفخر كثيرًا بالتأثير الذي يمارسه على رجال السلطة. ولكن بصفته أحد مؤرخ “السنوات الأخيرة المضطربة في عمر الإمبراطورية العثمانية”، كان من الواجب عليه أن يعلم مدى الفساد الذي يحل بالمرء جراء تقربه من السلطة، وكيف أن القرارات السياسية المناسبة في لحظتها قد تبدو شديدة الاختلاف من منظور حكم التاريخ عليها.
KERIM OKTEN / POOL / AFP