اكتسبت إستراتيجية الرئيس الأمريكي جو بايدن في الشرق الأوسط اسمًا مميزًا: وهو سياسة “وقف التصعيد”؛ حيث خرجت واشنطن خلال الأشهر الأخيرة عن مسارها المعهود، من خلال إبرام اتفاقيات مصغرة مع عدوها طهران، والقيام بدور الوساطة في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان الواقعة تحت حكم حزب الله. ولكن حينما يتعلق الأمر بالسلام بين دول الخليج وإسرائيل، لا تتوقع إدارة بايدن شيئًا أقل من “صفقة كبرى” شاملة.

بدت أولى علامات التطبيع السعودي الإسرائيلي الذي يتزعمه بايدن في يناير، من خلال تسريب خبر سعودي على خلفية الأحداث، والذي كان بمنزلة بالون الاختبار، عبر مصدر أمريكي موثوق. فقد صرح المصدر بأن المسؤولين السعوديين يخططون أولوياتهم الوطنية على النحو الآتي: عقد تحالف عسكري واضح المعالم بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وعدم تسييس صفقات بيع الأسلحة الأمريكية إلى السعودية، وتنفيذ برنامج نووي يشمل تخصيب اليورانيوم.

ومقابل التنازلات التي ستقدمها واشنطن، ستوقع الرياض صفقة مع إسرائيل تشترط ألا تكون العلاقة بينهما رهن الوضع القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وبنظرة من كثب يتضح لنا أن السعودية كانت في الواقع تسعى إلى تعديل سياسة الحزب الديموقراطي الأمريكي بشأن إيران؛ إذ إن مطلب السعودية النووي سيعيد موضوع منع انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط إلى طاولة الحوار. فمن خلال طلب المملكة تخصيب اليورانيوم الخاص بها محليًا، فإنها تتحدى بكل صراحة الترخيص المعطى لطهران بتخصيب اليورانيوم بموجب الاتفاق النووي الإيراني؛ حيث يُسمح لإيران -مثل غيرها من الدول- بتشغيل برنامجها النووي السلمي عبر استيراد اليورانيوم المخصب، وليس معالجته محليًا. أما تخصيب اليورانيوم على أرضها فقد يجعل من اليسير عليها في النهاية صنع السلاح النووي.

كان المقترح السعودي مخالفًا لإستراتيجية بايدن في الشرق الأوسط وهي “التكامل الإقليمي” الذي يرتكز حجر الأساس فيه على ترضية طهران، بزعم أن البدائل الوحيدة هي إما التسلح النووي الإيراني وإما الحرب. وبناءً على ذلك، وسَّعت الإدارة تعريفها للتكامل الإقليمي ليشمل التطبيع السعودي الإسرائيلي.

لم يسعد الديموقراطيون الذين يصيغون سياسة بايدن الخارجية بعقد اتفاقيات أبراهام بشأن السلام بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. بل في الواقع لقد استغرق الأمر من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ثمانية أشهر في منصبه حتى يذكر الصفقة، وعندما فعلها أخيرًا في 17 سبتمبر 2021 -كما أفادت رويترز- قال إن “الإدارة ليست واثقة حتى الآن بشأن فكرة الاحتفال بالذكرى السنوية للاتفاقات التي عُقدت بوساطة من الولايات المتحدة”.

وبينما يتخبط دبلوماسيو بايدن يمينًا ويسارًا، حدثت سلسلة من التطورات غير المسبوقة خلال الأسابيع الأخيرة. فقد شارك وزير السياحة الإسرائيلي حاييم كاتس في أواخر سبتمبر 2023 في مؤتمر سياحي للأمم المتحدة في الرياض، بينما زار نايف السديري -السفير السعودي غير المقيم لدى فلسطين- مدينة رام الله ضمن أول زيارة لوفد سعودي إلى الضفة الغربية منذ عام 1967. وقد أعلنت المملكة العربية السعودية أيضًا موافقتها على الضمانات المشروطة حسب معايير الولايات المتحدة لبرنامجها النووي الناشئ، ما يجعل عقد “صفقة كبرى” أسهل بكثير.

حتى ولى العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد صرح لقناة فوكس نيوز الإخبارية بأن بلاده تسير نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل بخطى ثابتة. وبعد ذلك بساعات، تنبأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن العالم “على مشارف … نقلة نوعية كبيرة؛ وهي السلام التاريخي بين إسرائيل والمملكة العرية السعودية“.

لكن مستشار الأمن القومي للولايات المتحدة جيك سوليفان قد أفاد لمراسلين عدم توقع “أي طفرة أو إجراء وشيك الحدوث [بشأن] التطبيع”. وفي السياق نفسه حذر الرئيس الفلسطيني محمد عباس لاحقًا بأنه “لا يمكن أن يعم السلام في الشرق الأوسط دون أن يتمتع الشعب الفلسطيني بكامل حقوقه الشرعية والوطنية”.

يُذكر أن إحجام العرب عن السلام كان بقصد تقويض إسرائيل عام 1948، ومنح الشعب الفلسطيني الفرصة لإقامة دولته على حدود 1967 بدءًا من ديسمبر 1973. ولكن مهما كان قدر المساعدة العربية فليس من الممكن أن يحل محل الإرادة الفلسطينية والقدرة على بناء الدولة.

من الدروس المستفادة من حرب العراق وثورات الربيع العربي أنه من السهل تفكيك الدول، لكن من الصعب استبدالها. إلا أن عدم قدرة الفلسطينيين على حكم أنفسهم كان جليًا بعد الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005. ولم يمض طويلاً من الزمن حتى انغمس الفلسطينيون في حرب أهلية، ما أسفر عن وقوع الشقاق بين السلطة الفلسطينية التي تدعم حل الدولتين، وحركة حماس الإسلامية التي ترفض أي نوع من أنواع الاعتراف بإسرائيل.

لقد أخفق الفلسطينيون في اختبار الحكم عام 2005؛ لذلك لا تثق إسرائيل بهم على أمنها، ولا تعتزم تسليمهم أي جزء من الأراضي المتبقية المتنازع عليها، وهي المنطقة “ج” في الضفة الغربية.

تجدر الإشادة بإدارة بايدن على عكسها المواقف السابقة من المملكة العربية السعودية والمشاركة في علاقة دبلوماسية متبادلة للتطبيع السعودي مع إسرائيل. لكن الإدارة لا تبدي تقديرها لمدى العبء الذي يجب أن يتحمله الفلسطينيون حتى يعم السلام مع إسرائيل.

يجب ألا تسعى واشنطن إلى إقرار السلام الشامل على حساب المكتسبات المحلية. ربما تعزز اتفاقيات السلام المصغرة من إبرام صفقة كبرى تشمل الفلسطينيين، تمامًا كما يعتقد فريق بايدن أن اتفاقيات وقف التصعيد في المنطقة أفضل من الانتظار حتي يعم السلام جميع أنحاء الشرق الأوسط.

 

حسين عبد الحسين هو زميل بحثي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، وهي مؤسسة بحثية حيادية كائنة في واشنطن العاصمة، وتركز على شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية. يمكنكم متابعة حساب حسين على تويتر ‎@hahussain

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: