عاد مبدعو مسلسل “نتفلكس” الناجح “فوضى” بعمل جديد، حيث أصدر آفي يسسخاروف وليئور راز مسلسل “أشباح بيروت” في شهر مايو، وهو مسلسل قصير من شوتايم يروي حياة ومقتل القائد العسكري السابق لحزب الله عماد مغنية، الذي قتل عدد كبير من الأميركيين أكثر من أي جهة أخرى غير حكومية إلى تاريخ هجمات 11 سبتمبر.

وفي حين أن المسلسل الذي يشبه الفيلم الوثائقي مسلي بطبيعته، وربما يحمل شيء من الأثارة لأولئك الذين لا يعرفون قصة مغنية، لكنه لا يعكس الحقائق حول علاقات مغنية بكل من آية الله اللبناني الراحل، محمد حسين فضل الله، وفيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني.

حيث يبدأ العرض بمشهد يقترب فيه ضباط الحرس الثوري الإيراني من مغنية، والذي كان يعمل حينها كميكانيكي سيارات، ليخرجه من الحياة العادية البسيطة إلى دائرة الضوء. وهذا غير صحيح لأن مغنية هو من ساعد في تأسيس الحرس الثوري الإيراني.

بعد أن هزمت إسرائيل مصر في حرب عام 1967، شجع الرئيس المصري جمال عبد الناصر الحرب غير المتكافئة ضد الدولة اليهودية، وازدهرت الميليشيات الفلسطينية في الأردن ولبنان، وشنت هجمات عبر الحدود على إسرائيل، والتي مهدت الطريق للثأر من الجانب الإسرائيلي، وهددت سيادة كلا البلدين.

وطرد الأردن الميليشيات الفلسطينية في عام 1970، التي كانت آنذاك تحت قيادة ياسر عرفات، والذين انتقلوا إلى لبنان، حيث دفع عبد الناصر بيروت لقبول اتفاقية القاهرة لعام 1969، التي سمحت للفصائل الفلسطينية المسلحة بالتجول في البلاد بحرية، وهكذا أصبح عرفات رجل الميليشيا القوي في لبنان والحاكم الفعلي، تماما مثل زعيم حزب الله حسن نصر الله اليوم.

وفي خضم صراعه مع الدولة اللبنانية، أصدر عرفات تعليماته إلى الرجل الثاني في القيادة خليل الوزير، المعروف باسمه الحركي أبو جهاد، بتشكيل وحدة نخبة، القوة 17، المصممة لمواجهة قوة الشرطة اللبنانية 16.

وانضم علي ديب، وهو شيعي من جنوب لبنان، إلى القوة 17 وصعد في الرتب، وأصبح موثوقا به لدرجة أنه عندما قتلت إسرائيل القائد الأعلى لعرفات علي حسن سلامة (أبو حسن) في عام 1979، حل محله واتخذ لنفسه نفس الاسم الحركي. ولتجنب مصير خليفته، جند أبو حسن الجديد حراسا شخصيين شيعة يمكنه الوثوق بهم، وكان أحدهم ” عماد مغنية” البالغ من العمر 17 عاما.

ولم يُشر مسلسل “أشباح بيروت” لـ أبو جهاد أو القوة 17 ويعرض المسلسل عماد مغنية كحارس شخصي لعرفات.

ووقعت مصر وإسرائيل اتفاقية كامب ديفيد للسلام في عام 1979، وفي العام نفسه، أطاحت ثورة في إيران بمحمد رضا شاه بهلوي، وظهر نظام إسلامي على القمة.

ولأن الشاه كان حليفا لإسرائيل، قام عرفات برعاية وتدريب المعارضة الإيرانية التي استولت على السلطة بعد الثورة، وكان من بينهم الفيزيائي الإيراني مصطفى شمران، الذي أصبح أول وزير دفاع في حكومة إيران الإسلامية. وأثناء وجوده في لبنان، صادق شمران ديب وعماد مغنية وأنيس نقاش، والذي كان الرجل الثاني في القيادة خلال عملية عام 1975 التي احتجز فيها كارلوس وزراء نفط أوبك كرهائن في اجتماع في فيينا.

وكان من المقرر أن يصبح أنيس نقاش، وهو سني، رجل الحرس الثوري الإيراني في لبنان. لكن كان عليه أولا مساعدة الإيرانيين في تصفية الحسابات مع آخر رئيس وزراء للشاه ” شابور بختيار” الذي لجأ إلى باريس. وفشلت خطة أنيس نقاش لاغتيال ” شابور بختيار” واعتقلته الشرطة الفرنسية، وقضى 10 سنوات في السجن الفرنسي.

مع رحيل أنيس نقاش، برز ديب ومغنية كبديل، وفي الوقت نفسه، كان مغنية ينجذب نحو مجموعة من رجال الدين الشيعة الذين طردهم صدام حسين من المدرسة الدينية في النجف. ومن بين هؤلاء فضل الله، الذي كان أبناء عمومته جزءا من سلالة الحكيم الدينية العراقية البارزة. كان فضل الله منتميا إلى حزب الدعوة الإسلامية العراقي، الذي أعدم مؤسسه محمد باقر الصدر في عام 1980، وهو نفس العام الذي اندلعت فيه الحرب بين العراق وإيران.

وكان من بين رجال الدين الأصغر سنا الذين غادروا العراق عباس الموسوي وحسن نصر الله، الأمين العام الأول والثالث لحزب الله، وباستخدام علاقاته مع حركة فتح والحرس الثوري الإيراني، قام عماد مغنية بتوفير الحماية لتلك المجموعة من رجال الدين، ومطاردة ميليشيا البعث التابعة لصدام حسين في لبنان، وفي عام 1981، قصف السفارة العراقية في بيروت – وهو عمل شنيع لم يشير إليه مسلسل “أشباح بيروت”.

وفي حين نسب التفجير إلى حزب الدعوة، إلا أنه كان في الواقع أول تفجير لعماد مغنية من بين خمس تفجيرات شهيرة والتي تم فيها تفجير شاحنة محملة بالقنابل من قبل مسلح انتحاري. وخلال مشوار حياته، شن مغنية هجمات انتحارية بشاحنات في لبنان، مستهدفا السفارة الأمريكية في بيروت (مما أسفر عن مقتل 17 أمريكيا)،وهاجم قوة مشاة البحرية الأمريكية لحفظ السلام (مما أسفر عن مقتل 241 جنديا أمريكيا)، ومقر قوات حفظ السلام الفرنسية. كل تلك التفجيرات حدثت في عام 1983.

وقتلت آخر تفجيرات الشاحنات المفخخة التي نفذها مغنية رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في عام 2005، ولم يكن اسم مغنية من بين مقاتلي حزب الله الستة الذين أدانتهم محكمة تابعة للأمم المتحدة، ولكن كان من بينهم مصطفى بدر الدين شريك عماد مغنية منذ فترة طويلة، وابن عمه، وشقيق زوجته.

وخارج لبنان، ضربت هجمات عماد مغنية المتفجرة السفارة الأمريكية في الكويت عام 1983، وأبراج الخبر في المملكة العربية السعودية عام 1996، مما أسفر عن مقتل 19 من أفراد القوات الجوية الأمريكية.

وبعد أن خاضت أمريكا الحرب في العراق في عام 2003 ، خطط عماد مغنية لهجمات قتلت القوات الأمريكية، وفي حين غطى فيلم “أشباح بيروت” تلك الهجمات بشكل جيد، إلا أنه أشار بشكل غير صحيح إلى أن بعضها أمر به عماد مغنية دون علم «الحرس الثوري».

ربما كانت محاولة وكالة المخابرات المركزية عام 1985 لقتل فضل الله هي التي أفقدت “أشباح بيروت” توازنها، ولأن واشنطن ألقت باللوم بشكل غير صحيح على فضل الله في هجمات عماد مغنية، صورت سلسلة شوتايم عماد مغنية على أنه تدرب على يد فضل الله، وبالتالي مستقل عن طهران وهي معلومة غير صحيحة.

وفي عام 2005، أخبر أنيس نقاش قناة الجزيرة أنه، مع مسؤول إيراني كبير، التقى مع أحد كبار مساعدي الحريري قبل وقت قصير من مقتل الزعيم اللبناني. وقال نقاش إنهم حاولوا نقل وجهة نظر طهران حول الأحداث الإقليمية للحريري. وعندما فشل ذلك، تم قصف مكتب قناة العربية السعودية في بغدد، والذي كان جزءا من انقسام أكبر بفضل حرب أمريكا في العراق.

وعارض السعوديون في البداية حرب العراق، ولكنهم وقفوا إلى جانب أميركا بسبب خوفهم من سيطرة إيران على عراق بعد صدام، وساعدوا في تجنيد القبائل السنية في العراق التي تمكنت جنبا إلى جنب مع القوات الأميركية من طرد تنظيم القاعدة من البلاد. لكن تعاون الرياض مع واشنطن لم يكن موضع ترحيب في طهران. وهذا ما دفع إيران إلى تدبير تفجير قناة العربية في بغداد. كما قضت إيران على حليف الرياض في بيروت عمر الحريري. وضغط عماد مغنية بشكل أساسي على الزناد في تلك الهجمات وغيرها، مما ساعد إيران على قتل 603 من أصل 4,431 أمريكيا لقوا حتفهم في العراق.

إن تصوير عماد مغنية على أنه أي شيء آخر غير بيدق على رقعة الشطرنج تعلب به طهران يتعارض مع كل ما هو معروف عن قادة «الحرس الثوري الإسلامي». لا ينبغي لمسلسل أفلام قصيرة من هذا الطراز ارتكاب خطأ مثل هذا.

حسين عبد الحسين: زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي معهد أبحاث غير حزبي مقره واشنطن العاصمة وتركز أعماله على الأمن القومي والسياسة الخارجية.
تويتر: @hahussain

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: