اقتصاد تكنولوجي آخر فعال في الشرق الأوسط

جوزيف دانا

AFP Photo: Giuseppe Cacace

يرتبط الاقتصاد الإسرائيلي ارتباط وثيقًا بالتكنولوجيا لدرجة أنه يمكن بسهولة إغفال التطورات التي تحدث في البلدان الأخرى في منطقة الشرق الأوسط. وفي الواقع، لا ترى الدول خارج منطقة الشرق الأوسط أن هناك دولة في الشرق الأوسط تتمتع بالتطور التكنولوجي مثل إسرائيل، إذ تمتلك تلك الدولة الصغيرة قطاعًا تقنيًا عملاقًا ذو نجاحات عظمية في إنشاء منتجات ومنصات تم بيعها بنجاح إلى الدول الغربية والأسيوية، بيد أن الحقيقة هي أن إسرائيل ليست المكان الحصري للابتكار في الشرق الأوسط.

وجاء التذكير بهذا في الشهر الماضي، وذلك بعدما اشترت شركة “أوبر العملاقة والمتخصصة في خدمات النقل الجماعي، قبل إدراج أسهمها في نيويورك، منافستها شركة “كريم” والتي تتخذ من دبي مقرًا لها مقابل “3,1” مليار دولار أمريكي، وكانت هذه أكبر صفقة في مجال التكنولوجيا في الشرق الأوسط منذ أن استحوذت شركة أمازون في العام 2017 على شركة “سوق كوم” لتجارة التجزئة عبر الإنترنت والتي تتخذ من دبي مقرًا لها، وكان ذلك مقابل 580 مليون دولار. وفي الواقع، كانت تلك الصفقات أكبر عمليات الاستحواذ على التكنولوجيا في تاريخ المنطقة؛ بل أن عمليات الاستحواذ على الشركات الناشئة الإسرائيلية لا تضاهي تلك العمليات من حيث الحجم أو النطاق.

وتبين صفقة أوبر مع “كريم”، على وجه الخصوص، كيف أن النظام البيئي للشركة الناشئة والتي استثمرت فيها دبيموارد كبيرة وجهودًا مضنية بدأت في تحقيق المرجو منها. والرسالة إذا هي: إذا كنت رائد أعمال حريصًا على بناء شركة إقليمية، أو تعمل في الأسواق الناشئة في إفريقيا أو جنوب آسيا، فإن دبي هي المكان الطبيعي لإقامة متجر. وبفضل بنيتها التحتية المتطورة، وقربها الشديد من المراكز السكانية الرئيسية في أنحاء الأسواق الناشئة الرئيسية، أصبحت دبي سريعًا مدينة ذات نفوذ على خريطة التكنولوجيا العالمية.

ومن الصعوبة بمكان المبالغة في مدى أهمية أن تصل دبي إلى مراكز بيع في الأسواق الناشئة، وأن تحافظ على ذلك. إن نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي يتحول الآن من الغرب إلى الأسواق الناشئة في إفريقيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط، وتأتي دبي في قلب تلك الأسواق.

وفي الوقت نفسه، أصبح ملايين الأشخاص في هذه الأسواق عملاء جدد لمنتجات جديدة، وهذا بفضل الإنترنت والهواتف الذكية. ويشكل زيادة المدفوعات غير النقدية في الهند والعديد من البلدان الأفريقية مثالاً من العديد من الأمثلة على الطريقة التي توفر بها الهواتف الذكية جيل جديد من المستهلكين والمقيدين حتى الآن بنظام تجاري قديم. وتتمتع الهواتف الذكية بقدرة شرائية غير مستغلة مما جعلها تتخطى أي تطور طبيعي وممكن للنماذج التجارية التقليدية. ومن الناحية التكنولوجية، تمثل دبي مركز هذا التطور، وذلك بعد أن جذبت إليها الشركات التي تقدم الخدمات التقنية.ومع وجود بنية تحتية متطورة ونظام ضريبي مريح، تمثل دبي عامل جذب للشركات الناشئة لتكوين مجموعة متنوعة من المواهب الموجودة في البلاد والاستفادة منها. ويدعم القطاع العام أيضًا تطوير مستقبل التكنولوجيا. وفي الواقع، تؤكد آخر الأخبار الواردة في الأسبوع الماضي على نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال التكنولوجيا.وفي ملتقى الاستثمار السنوي في دبي، كشفت بيانات حديثة حول الاستثمار في التكنولوجيا عن المكانة العالمية والرائدة التي تتبوأها مدينة دبي. وخلال الفترة ما بين 2015 و2018، جذبت دبي أكثر من 21 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر في مجال الذكاء الاصطناعي (AI) والروبوتات، مما جعلها في مصاف الدول الجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر للاستثمار في مثل تلك المشروعات.والأكثر من ذلك، هو أن حكومة الإمارات العربية المتحدة كانت سباقة في دمج تقنيات مثل الذكاء الاصطناعى و”البلوك تشين” في العمليات اليومية لمجموعة من المجالات مثل إدارة المياه والتعليم. وكإستراتيجية الاقتصاديات الصغيرة مثل سنغافورة وإستونيا والتي ترتكز أيضًا على التكنولوجيا الذكية، ومن ثم فإن نهج الإمارات العربية المتحدة هو أن تتبوأ الريادة بأن تكون نموذجًا يحتذى به على المستوى الحكومي، من أجل تشجيع القطاع الخاص، وتعمل دبي على ذلك.ولكن هناك محاذير وتحذيرات ضرورية إذا كان من المفترض ألا يؤدي نمو قطاع التكنولوجيا الخاص إلى الاكتئاب. فمن أطلق تلك التحذيرات؟، إنهم المسؤولون شديدو الحماسة من المدرسة القديمة، وهم الساسة المؤيدون لسياسة الحمائية (حماية المنتج الوطني من المنافسة الأجنبية).وفي دبي وأبو ظبي، لا يزال العديد من المشرعين الحكوميين متمسكين بمفاهيم المنافسة التي عفا عليها الزمن، أو بالأحرى، ليس لديهم مفاهيم. وهذا واضح من خلال استمرار الهيئات المنظمة للاتصالات في كلتا المدينتين بحظر بروتوكولات نقل الصوت عبر الإنترنت مثل سكايب وواتس اب. وبدلاً من تعزيز بيئة تنافسية جديدة، حاول البيروقراطيون القضاء على التقنيات المثيرة للاضطراب. ورغم ذلك، يجب، في نهاية المطاف، أن تسود العقول الأكثر انفتاحًا، وأن يقتنع العامة بأن عرقلة تقدم التكنولوجيا سيضر فقط باقتصاد المعرفة في البلاد؛ ومع بلوغ هذا المستوى من عرقلة التقدم التكنولوجي، لا ضمان باستمرار النجاح إلا بإزالة العوائق الهيكلية.ويمثل السقوط الأخير لشركة “أبراج” ومقرها دبي، والتي كانت أكبر صندوق تحوط للأسهم الخاصة في المنطقة، دليلاً آخر على أن البيئة التنظيمية في الإمارات العربية المتحدة تحتاج إلى النضج. ولا شك في أن شركة أبراج قد استغلت مكانة دبي في عالم الأسواق الناشئة للترويج لشكل جديد من الاستثمار المؤثر، لكنها واجهت عقبات في الحصول على مشاريع الرعاية الصحية الهامة في إفريقيا وباكستان لتحقيق أرباح. ولا تزال الأسواق الناشئة أماكن صعبة لممارسة الأعمال رغم كل الوعود التي قطعتها تلك الأسواق الناشئة.وتوضح عمليات الاستحواذ الأخيرة على شركتي “كريم” و”سوق كوم”، وبيانات الاستثمار الأجنبي المباشر، أن التكنولوجيا ما زالت حية وجيدة ومزدهرة في الإمارات. وفي الوقت الراهن، تحتاج التكنولوجيا إلى الحرية التنظيمية لاستكشاف حدود الخيارات الخارجية الحقيقية والمتاحة لهذه التكنولوجيا. وبالعمل على ذلك، فإنه من المتصور أن تصبح دبي مركزاً للابتكار التكنولوجي، بدلاً من تل أبيب.