لمنع تغير المناخ، هناك حاجة إلى الإقلال من الرحلات الجوية

جوناثان جرونال

AFP Photo: Ozan Kose

في 17 أبريل، سجل موقع متخصص في تتبع رحلات الطيران، وهو موقع “FlightRadar.com”، إقلاع أكثر من “200,000” رحلة طيران، وهناك حوالى “18,000” طائرة تطير جميعها في الوقت ذاته. وبافتراض ان متوسط الركاب يعادل 200 راكب في كل رحلة على مدار الأربع وعشرين ساعة، فان هذا يعني أن هناك أربعين “40” مليون شخص – وهي تعداد سكان العراق – ليسوا على البسيطة مؤقتًا. وعلى الرغم من أهمية الإحصائيات الا انها تصيب العقل بالذهول والدهشة. ففي السنوات السابقة، لم تكن أعداد الرحلات الجوية بهذا القدر لولا بلوغ الصيف نصف الأرض الشمالي، وهو ما دفع نصف العالم إلى السفر لقضاء العطلات.

وإن ما تشير إليه تلك الإحصائيات وغيرها من الإحصائيات الأخرى المتعلقة بنشاط شركات الطيران هو أنه في ظل سعي العالم للتعامل مع تغير المناخ، فإن معدل السفر عبر وسائل النقل الجوي التي تستخدم الوقود الحفري في اطراد لدرجة أن الجهود المبذولة للحد من الضرر الناتج عن هذه الرحلات أصبحت إلى حد كبير دون جدوى. ويعزو “3%” فقط من الانبعاثات الحرارية الحالية إلى السفر جوًا، وتصل هذه النسبة إلى “90%” تقريبًا منذ العام 1990، وتزداد بوتير اسرع. إن استقلال الطائرة أمر كارثي على المستوى البيئي. فعند استقلال رحلة من دبي إلى نيويورك ذهابًا وإيابًا فهذه مشاركة في إنتاج “3,26” طن من ثاني أكسيد الكربون –  أي أكثر من تكلفة تكييف منزلك بالهواء لمدة عام.

ونستعد بشكل متزايد لإعادة تدوير القمامة الخاصة بنا، وتجنب استخدام الأكياس المصنوعة من البلاستيك، والتفكير فيما إذا كانت سيارتنا القادمة يجب أن تكون حقًا سيارة هجينة أم لا. ولكن عندما يتعلق الأمر بالسفر جواً، فنحن غير مدركين لأهمية الأمر. وقد تم إلقاء الضوء على هذا التناقض أثناء الاحتجاجات التي شهدتها لندن الشهر الماضي ونظمتها إحدى الحركات المناهضة لتغير المناخ وتسمى “ثورة الانقراض”، وذلك عندما اُتهمت الممثلة “ايما تومسون”، والتي سافرت من أمريكا لمساندة تلك الاحتجاجات، بالنفاق. وقالت “ايما”: “لسوء الحظ، اضطر أحيانًا إلى السفر جوا”، و”لكنني زرعت الكثير من الأشجار”. وأضافت، “من الخطأ إلقاء اللوم على الأفراد: “فالجميع يطلب استخدام الطاقة النظيفة منذ عقود”.

غير أن ما نطلبه، في الواقع، هو السفر جوًا بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما وفرته صناعة الطيران بسعادة بالغة. ولأنه لا يوجد بيننا من على استعداد للاحتجاج عن طريق التضحية “بحقه” في السفر جوًا، فإن صناعة الطيران راضية عن مداهنة الابتكارات الصديقة للبيئة، كما أن “ايما تومسون” من الأشخاص الذين يحالون إرضاء ضمائرهم في هذا العالم من خلال زراعة بعض الأشجار، رغم أن معدلات السفر جوًا في ازدياد مستمر بشكل ينذر بالخطر.

وفي عام 1974، استخدم “420” مليون شخص وسيلة النقل الجوي. وفي عام 2017، تجاوز عدد المسافرين جوًا حول العالم، والذي بلغ “7,3%” في السنة، أربعة مليارات لأول مرة. وتشعر الهيئة التجارية الخاصة بصناعة الطيران، وهي اتحاد النقل الجوي الدولي، بالفخر مع إصدار أرقام الرحلات الجوية في شهر سبتمبر، قائلة “بأن السفر جوًا لم يكن بالأمر اليسير قبل ذلك”. ويبدو أن صناعة الطيران تتجاهل المشكلة مثل زبائنها.وتقول منظمة الطيران المدني الدولي، وهي إحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة ، إن أهدافها الإستراتيجية “ترتبط ارتباطًا وثيقًا” بالأهداف الخمسة عشر “15” الواردة في أهداف التنمية المستدامة الـ 17 الخاصة بالأمم المتحدة، وما يجعل تقبل التأثير الواضح لصناعة الطيران على تغير المناخ أمرًا صعبًا هو التأكيد على أن منظمة الطيران المدني الدولي تساند “النمو الاقتصادي الشامل والمستدام”، وتتخذ” إجراءات عاجلة لمكافحة تغير المناخ”.وتكمن المشكلة جزئياً في مفهوم “التنمية المستدامة”. إن الهدفين المزدوجين للأمم المتحدة – وهما إخراج العالم المتخلف ومكافحة التغير المناخي في الوقت ذاته – يتعارضان مع بعضهما بكل بساطة. وحتى الآن، لم يستقل الطائرات سوى أقل من “20%” من سكان العالم. ولكن في ظل تزايد أعداد الأثرياء في الدول النامية الذين يسافرون جوًا، فإن هذا الوضع سيتغير.في عام 2017، شهدت كل منطقة في العالم نمواً ملحوظاً في عدد المسافرين جوًا، وجاءت منطقة الشرق الأوسط في المركز الخامس وفقًا لتصنيف اتحاد النقل الجوي الدولي، حيث بلغت حصة الشرق الأوسط من السوق العالمية “5,3%” (216.1 مليون مسافر، بزيادة قدرها “4,6%” في السنة).ومع ذلك، لا يمثل هذا التوسع المذهل في منطقة الشرق الأوسط شيئًا مقارنةً بالتوسع الذي تشهده منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والتي تمثل أكبر حصة من المسافرين حول العالم (36,3%). ويمثل الـ”1,5″ مليار شخص ممن سافروا جوًا في العام 2017 زيادة قدرها “10,6%” كل عام، وهناك المزيد من الملايين سينضمون إليهم.ويصر اتحاد النقل الجوي الدولي على أن صناعة الطيران “تدرك أهمية معالجة آثار صناعة الطيران على الصعيدين المحلي والعالمي، [و] واعتمد اتحاد النقل الجوي مجموعة من الأهداف الطموحة لتخفيف انبعاثات [ثاني أكسيد الكربون]. و”لسوء الحظ، حتى وإن كانت تلك الأهداف قابلة للتحقيق، فإنها تبدو غير كافية، بشكل يبعث على اليأس، لمواجهة النمو الجامح في السفر جوًا.وهناك أمرًا لم يحرص اتحاد النقل الجوي الدولي وأعضاؤه على التفكير فيه وهو الضريبة البيئية. ومع أن الهدف من هذه الضريبة كان محل “استحسان”، كما قيل في العام الماضي، إلا أن “تأثيرها السلبي على الوظائف والاقتصاد يجعلها خيارًا سياسيًا غير فعالاً.” فالضرائب الفعالة تعني ارتفاع أسعار التذاكر، مما يقلل من عدد القادرين على السفر جوًا. وهذا من شأنه، في الحقيقة، أن يعصف بالفئة الأشد فقرًا. ولكن عندما يصبح السفر الجوي أرخص من أي وقت مضى، فسنتحمل جميعًا تكلفته الحقيقية.هل نتذكر “برتران بيكارد” والطائرة “سولار إمبلس 2” والتي انطلقت من أبو ظبي؟ نعم، لقد كانت “الرحلة الأولى من نوعها في تاريخ الطيران”. ولكن إذا كان لتلك الرحلة الشاقة، والتي استغرقت “23” يومًا في العام 2016 للسفر حول العالم أي فائدة، فإن الرحلة الشمسية التجارية تظل حلمًا غريبًا لا يستطيع كوكب الأرض انتظاره. وبالتالي لن يكون أمام البشرية سوى حل وحيد – – لإيقاف التصاعد في السفر جوًا وتغيير الأمور – وهي خطوة لا تحظى بشعبية وتتطلب إعادة التفكير بشكل كبير في الطريقة التي يطبقها بها العالم، وفي جوهر الاستحقاق الذي دفع الكثير منا إلى النظر في ترف السفر جوًا على أنه حق من حقوق الإنسان.إن السفر جوًا ليس التهديد الوحيد الأشد خطرًا على البيئة، ولكن مع كتابة آلاف الطائرات رسائل تحذيرية في أجواء السماء كل ساعة من كل يوم، فهذا هو الخطر الأكثر وضوحًا. وعلى هذا النحو، يشكل السفر جوًا رمزًا لفشل السباق البشري على تنحية مصالحه الشخصية جانبًا من أجل الوصول إلى منفعة أكبر، والتوقف عن الاستغراق في أحلام اليقظة، وإنقاذ نفسه من الخطر الذي يصنعه بنفسه.