الثوار السوريون بانتظار هجوم الأسد

فيصل اليافعي

على امتداد محافظة إدلب التي تقع في الشمال السوري تجري هناك جهود دبلوماسية وعسكرية مُكثّفة، حيث يستعد الثوار لهجوم محتوم لقوات بشار الأسد على آخر معاقلهم، والواقع أن الوضع الحالي لا يعُد بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة، وعلى مدار الأيام القليلة الماضية عانى سكان محافظة إدلب التي تقع غربي حلب من الهجمات الجوية والقنابل المزروعة على جانب الطريق وإطلاق النار العشوائي والاغتيالات، وقد بات سكان محافظة إدلب يشعرون بالقلق، حيث يترقّبون الأحداث ويشعرون بالخوف من اندلاع القتال في أي لحظة، وإلى أين من الممكن لهم أن يذهبون في تلك الحالة.

وتعُد إدلب آخر المناطق التي يسيطر عليها الثوار، والمعروف أن هيئة تحرير الشام (التي كانت تتبع تنظيم القاعدة) هي من أبرز فصائل الثوار التي تتواجد عناصرها في إدلب، كما أن هناك عناصر من الجيش السوري الحر (المدعوم من تركيا) موجودة بذات المنطقة، والواقع أن نصف سكان إدلب باتوا لاجئين في مناطق سورية أخرى، كما أن هناك الكثير ممن هربوا إلى إدلب من مناطق أخرى كان القتال فيها ضارياً.

وخلال الأيام القليلة الماضية وصل المئات من عناصر الثوار وعائلاتهم إلى إدلب قادمين من درعا، وهي المدينة التي تقع في الجنوب السوري والتي سيطرت عليها قوات النظام منذ أسبوعين، حيث تم توطين مقاتلي المعارضة وعائلاتهم في إدلب.

في ذات الوقت فقد غادر الآلاف مدينتي “الفوعة” و”كفريا” بمحافظة إدلب، وتم توطينهم في مناطق تابعة لسيطرة النظام السوري، وقد تم التوصُل إلى اتفاق بهذا الخصوص الأسبوع الماضي بعد سنوات من المحاولات، مما جعل هناك شعوراً عاماً بأن تطوراً ما على وشك الحدوث.

ويرى البعض أن هذا التطور من الممكن أن يأتي في أفضل الأحوال في شكل اتفاق لخفض التصعيد، اما أسوأ الاحتمالات فتتمثل في أن يفعل النظام ما فعله من قبل في الغوطة ودرعا؛ وأن يتجاهل الاتفاق ويقوم بالهجوم على إدلب، وهو الهجوم المُتوقّع أن يبدأ هذا الأسبوع.

وقد باتت إدلب منطقة غير عادية، فقوات النظام تحتشد في الشرق والجنوب، وإلى الغرب توجد الحدود التركية، وإلى الشمال توجد منطقة حدودية تابعة لسوريا لكن تركيا تسيطر عليها، وهذا يضفي الأهمية الاستراتيجية على إدلب بالنسبة لأنقرة والنظام السوري على حد سواء، والواقع أن هناك حضور لتركيا وإيران وروسيا في تلك المنطقة، وتركيا تحديداً قامت بإنشاء مواقع عسكرية في تلك المنطقة، حيث حذّرت أنقرة الأسبوع الماضي من أنها لن تترك تلك المواقع، والمسألة تكمن في تحديد طبيعة المدافعين عن إدلب إذا ما تعرّضت لهجوم.

وهناك احتمالية أن يعمل الثوار على تجميد الوضع في إدلب حتى الوصول لاتفاق حولها، فهي تعُد آخر المناطق التي يتم توطين الثوار فيها، والواقع أن أنقرة تدعم تلك الفرضية، باعتبارها ستسمح باستمرار تواجُد عناصر الجيش السوري الحر في المنطقة، لكن تلك الاحتمالية باتت صعبة المنال، لأن إدلب تُمثِل بالنسبة للنظام السوري مسألة هامة للغاية، لكنها لا تُمثِل نفس الأهمية بالنسبة لأنقرة.

والواقع أن اهتمام أنقرة الأساسي يتركّز حول منع الجماعات الكردية من تأسيس دولة على الحدود التركية، وقد قام الجيش التركي بعملية عسكرية في مدينة عفرين التي تقع في الشمال السوري في وقت مبكر من هذا العام، حيث تأتي تلك العملية في سياق الهدف التركي بمنع إقامة دولة كردية على حدود تركيا.

لكن إدلب لا تُمثِل ذات الأهمية بالنسبة لأنقرة، حيث أن منطقة إدلب تقع داخل العمق السوري، ومن ثم سيكون من الصعب على الجيش التركي القيام بعمليات عسكرية هناك بسبب ابتعاد تلك المنطقة عن الحدود التركية السورية.

وبالنسبة للنظام السوري، فإن إدلب تملك ميزة دعائية هائلة، فنجاح الأسد في الاستيلاء على إدلب بعد فترة قصيرة من سقوط درعا سيعطي انطباعاً بأن الثورة السورية قد انتهت داخل الحدود السورية، وأن الكرة باتت في ملعب أنقرة.

وإدلب لا تعُد مجرد مدينة وقعت في يد الثوار، لكنها منطقة ضخمة تمتد حتى ضواحي حلب، ومن غير المعقول أن يترك الأسد تلك المنطقة التي تتحكّم في ضواحي حلب في أيدي الثوار، حيث أن حلب تعُد أكبر المدن السورية.

وهؤلاء القابعون داخل مدينة إدلب لا ينتظرون من أجل الحصول على الإجابة، هُم فقط يعلمون بقرب هجوم الأسد ويعملون على الاستعداد لهذا الهجوم، الا ان فصائل الثورة بدأت تقاتل بعضها بعضا.

فقد بدأ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في استهداف عناصر الجيش السوري الحر، وذلك عبر إطلاق النار عليهم من سيارات متحركة أو زرع العبوات الناسفة في طريقهم، والمعروف أن تنظيم داعش يتواجد بمنطقة إدلب منذ فترة طويلة، وقد قام تنظيم داعش مؤخراً بنشر مقطع فيديو على شبكة الإنترنت يثبت أن التنظيم لا زال يملك حضوراً في إدلب، وكذا يثبت أن التنظيم لم يتخلّص من الدعاية الدموية التي برع فيها، كما أن هيئة تحرير الشام وهي أكبر فصائل الثورة في إدلب قامت باستهداف عناصر داعش، وبات الثوار يقاتلون بعضهم بعضا.

وباتت المسألة تتعلّق بتطهير مدينة إدلب من المقاومة عشية هجوم محتمل، فلو قامت تركيا بالهجوم على إدلب فإن على تنظيم داعش الاستعداد للمواجهة، ولو قام نظام الأسد بالهجوم على إدلب فإن هيئة تحرير الشام ستشعر بالقلق جرّاء استفادة داعش من مثل هذا الهجوم.

والحقيقة أن الموقف بات في غاية التعقيد، وبات غير معروفاً الصديق من العدو، وتلك البيئة صالحة لنمو تنظيم داعش، وبما أن الثوار يدافعون عن آخر معاقلهم، فإن القتال سيكون ضارياً، مما يعني مزيد من الخسائر في صفوف المدنيين.

ومأساة إدلب تتلخّص في أن الهجوم المحتوم لقوات الأسد سينتج عنه شلال من الدماء، وقد أجبرت الجماعات الجهادية المدنيين على البقاء في إدلب، وفي درعا تفاوضت فصائل الثورة على خروجها إلى إدلب، لكن بعد إدلب لا توجد خيارات أخرى أمام فصائل الثورة، وسوف يقوم النظام باستخدام الأسلوب المعروف عنه خلال قصف إدلب، حيث يقوم بهجمات جوية عشوائية، حيث يدفع المدنيين الثمن الأكبر خلال تلك الهجمات.

وقد حذّرت هيئة الأمم المتحدة لشهور من أن منطقة إدلب التي يبلُغ تعدادها مليوني نسمة ستتعرّض لكارثة إنسانية محققة حال قيام قوات النظام السوري بالهجوم عليها، وأن مأساة إدلب في تلك الحالة لن تقل عن المأساة التي شهدتها مدينة حلب، لكن سكان إدلب لا يملكون سوى انتظار القنابل التي ستسقط عليهم، حيث أن تلك المنطقة لا تعُد محط اهتمام على المستوى الدولي.

AFP PHOTO/OMAR HAJ KADOUR