أزمة مياه الخليج تختبر الجيل الجديد من القادة الأوروبيين

فيصل اليافعي

AFP photo via Mizan News Agency: Hasan Shirvani

أزمة مياه الخليج تثير اضطرابات بالقارة الأوربية. وذلك على خلفية الهجمات على الناقلات في الخليج العربي، حيث كان استيلاء إيران على باخرة تحمل العلم البريطاني قبالة سواحلها هو ما أثار الجدل حول الطريقة المثلي للتعامل مع الأزمة التي لاتزال متصاعدة. وبينما اختارت إدارة ترامب الحل العسكري عبر تكثيف تواجد القوات الأمريكية في المنطقة، ومن خلال ممارسة ما أطلقت عليه “حالة الضغط القصوى” على الجانب الإيراني فإن الرأي الأوربي لا يزال منقسما ما بين الخيارات العسكرية والحلول الدبلوماسية.

والحديث هنا ليس عن مجرد خيارات تكتيكية للتعامل مع أزمة بعينها، فقد فتحت تلك الأزمة الباب لجدل أوسع حول مسألة الدفاع سواء داخل الدول الأوروبية أو فيما بينها. وحيث تستعد أوربا لتغيير في القيادة في المرحلة القادمة فإن طريقة تعامل الجيل الجديد من القادة الأوربيين مع أزمة الشحن المفاجئة هذه يمكن أن يتحدد على إثرها الوضع العسكري المقبل لدول بعينها وربما للاتحاد الأوربي بأكمله.

وكان وزير خارجية بريطانيا السابق (جيرمي هنت) قد اقترح في الأسبوع الماضي أن تقوم الدول الأوروبية بمهمة بحرية في الخليج بشكل منفصل عن (عملية الحارس) الأمريكية. حيث أن هنالك قلق أوربي – وبخاصة لدي ألمانيا – من أن مبدأ القيادة العسكرية الأمريكية قد يورط الدول الأوروبية في حرب من صناعة واشنطن. ولكن القوات الأوروبية مستقلة قد تستخدم تكتيكات مختلفة تتفادي بها المخاوف من النتائج المحتملة.

أما هذا الأسبوع فقد رفض خليفة (هنت) وهو السيد (دومونيك راب) مبدأ الانفصال الأوروبي بحجة أنه حل غير عملي من وجهة نظره. وفي ظل هذا التغير يتضح لنا الاختلاف الكبير في نهج المملكة المتحدة في مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي بين نهج (هنت) في الحفاظ على تقارب الدول الأوروبية ومذهب(راب) الذي يري في إتباع الركب الأمريكي خيارا أفضل.

وفي ألمانيا انقسم رأي الحكومة في الثلاثاء الماضي عندما تم الكشف عن طلب الولايات المتحدة رسميا من ألمانيا الانضمام إلى مهمتها البحرية. وتتوقف موافقة ألمانيا من عدمها على (أنيجريت كرامب-كارنباور) وزيرة الدفاع الجديدة وخليفة أنجيلا ميركل في قيادة الحزب الاتحادي الديمقراطي المسيحي (CDU)والتي لم تستبعد ذلك.

ويكون الإتحاد الديمقراطي المسيحي تحالفا مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)والذي أبدي حماسا أقل تجاه هذا الاقتراح، فقد أعلن وزير الخارجية الألماني، الذي ينتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، علنا أن ألمانيا لن تشارك أمريكا في ممارستها سياسة “الضغط القصوى”.

فمرة أخري يسلط هذا الخلاف الضوء على خلاف أكبر حول الدور الذي ستلعبه القوات الألمانية في المستقبل. فقد تعهدت (كرامب كارينباور) باتخاذ موقف عسكري أكثر قوة من سالفتها (أنجيلا ميركل) وذلك فور توليها زمام الأمور خلفا لها وزيادة الميزانية المخصصة للتسليح لحوالي 2 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي بزيادة كبيرة عن ميزانية السنة الماضية والتي بلغت 1.23 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي. في الوقت الذي صرح فيه (هيكو ماس) وزير الخارجية بأنه سيزيد من الميزانية خلال خمسة سنوات ابتداء من 2024 وليس إلى حد 2 بالمائة.

وتعزو أهمية تلك الاختلافات إلى أن أوروبا تتجهز لتحول في القيادة بمجرد انعقاد البرلمان الأوربي الجديد، فالمملكة البريطانية تحضر لمغادرة الإتحاد الأوروبي بالإضافة إلى مغادرة أنجيلا ميركل، والتي كانت مهيمنة على السياسة الأوروبية عبر العقد والنصف الماضي.

وقد قضي راب بالكاد أسبوعا في منصبه وكرامب-كارينباور قضي يومين فقط، إلا أن أفعال كل منهما سيتم التدقيق فيها بحثا عن أية إشارات تخص دولة كل منهم ومستقبلها السياسي. فراب يمثل حزب المحافظين المتشدد ويعتقد أنه بعد الانتخابات سيحكم بريطانيا لنصف عقد من الزمان، وكرامب-كارينباور عادة ما تتحدث كمستشارة ألمانيا القادمة.

ويحتاج القادة الأوروبيون إلى تغيير منهجهم في التعامل في منطقة الخليج العربي. ولكن ليس على النحو الذي يريده راب والذي من شأنه ببساطة أن يجعل القوة العسكرية الأوروبية جزءا من التكتيك الأمريكي. وكذلك لن يكون في صالح دول الشرق الأوسط. فمنهج “الضغط الأقصى” الأمريكي إن لم يدعم بحلول دبلوماسية لإنهاء الأزمة، فسوف يتسبب بدلا عن ذلك في زعزعة استقرار الدول العربية وبخاصة العراق، حيث تسعي إيران لاستغلال نفوذها في تلك الدول للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

ويجدر بأوروبا عوضا عن ذلك الخلاف أن تنظر نحو مياهها الشمالية لتدرك كيف تتصدي للتهديدات في الخليج العربي. فعندما شعرت ألمانيا بالقلق تجاه التهديد الروسي في بحر البلطيق، بدأت في العام الماضي بتكثيف تواجدها في المنطقة فأدت قواتها مناورات قوية وأقامت مراكز قيادة دائمة في ميناء مدينة روستوك الألمانية.

ثم بعد ذلك وفي مايو من نفس لعام افتتحت المملكة المتحدة منظومة دفاعية جديدة أسمتها قوات الاستطلاع المشتركة (JEF)وشملت ثمانية دول أوروبية مطلة علي بحر البلطيق للقيام بدوريات في المنطقة. وهي منفصلة عن قوات الناتو والولايات المتحدة الأمريكية، ويقول مسئول البحرية البريطانية ” ان هدف المنظومة هو سد الفراغ الموجود بالهيكل الأمني بشمال أوروبا والموجود في المنطقة التي تقع بين القوات الوطنية البريطانية وقوات الناتو “.

ويمكن القيام بشيء مماثل في الخليج من خلال وجود قوات بحرية أوروبية تكمل القوات الأمريكية مع الاحتفاظ بالهيمنة الأوربية على تلك القوات وقيادتها وتكتيكاتها. والمغزى من تلك السياسة هو أنه يجب أن يكون هنالك فصل ما بين الضغط السياسي والضغط العسكري. فالفصل بين القوات الأوروبية والأمريكية سيحافظ على الضغط العسكري علي إيران بالإضافة إلى أنه سيفتح خيار الحوار السياسي إلي جانب تأكيده على أن السياسة الأوروبية لم تكن مجرد تابع للصراع الأمريكي.

هذه السياسة يجب أن تكون في صالح كل من لندن وبرلين حيث أن كرامب-كارينباور متحمسة لصياغة دور عسكري ألماني جديد وقوات الاستطلاع المشتركة هي من خلق حزب المحافظين البريطاني. وربما يكون الأمر أيضا في صالح بروكسل، فقد كانت مفوضة الإتحاد الأوروبي الجديدة (أورسيلا فون دير ليين) هي وزيرة الدفاع الألمانية التي غيرت من سياسة التعامل العسكري في الشمال وقامت بإرسال السفن الحربية إلي بحر البلطيق.

كما ان تقرير القادة الأوربيين الجدد كيفية التعامل مع أزمة الخليج هو فرصة لتوضيح رؤيتهم بخصوص الدور العسكري المستقبلي لأوروبا. ففكرة دمج السفن الحربية الأوروبية لتسير في أعقاب أسطول من صنع الولايات المتحدة هو أمر خاطئ. فإذا كانت أوروبا تريد الإبقاء على أولوياتها وسياساتها في الحسبان فإن عليها أن تحتفظ بقدرتها على رسم مسارها العسكري الخاص.

فيصل اليافعي هو الآن بصدد تأليف كتاب عن الشرق الأوسط وكثيرا ما يعلق على الشبكات التلفزيونية الإخبارية الدولية. عمل لدي العديد من وكالات أنباء مثل الجاريان وبي بي سي وأورد تقارير من الشرق الاوسط وشرق أوروبا وآسيا وأفريقيا.