انقسام الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية يجعلهما نموذجًا للوحدة الهشة

فيصل اليافعي

AFP photo/Mohamed El-Shahed

بعد افتتاحه القمة العربية الأوروبية في مصر، قال الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” إلى قادة أكثر من أربعين “40” دولة، “إن ما يجمع المنطقتان، العربية والأوروبية، يتخطى ما يقسمهم بمراحل كثيرة”. وهو محق بالطبع فيما يقول. فهناك توترات هائلة تجمع بينهما: فهناك المظاهرات التي اندلعت هذا الأسبوع فقط في شوارع فرنسا والسودان، ومخافة الكتلة العربية والأوروبية من تمدد النفوذ الروسي والصيني، والتوترات القائمة بين الدول الكبرى بعدما استدعت فرنسا هذا الشهر سفيرها لدى إيطاليا، واستمرار الخلاف مع قطر.

غير أن ما جمعهم في هذا التوقيت هو أمر اهم بكثير من هذا السبب، وربما أفضل وصفٍ له هو “الإحساس غير المؤكد بالمصير الذي ينتظرهم جميعًا.

ولا يعلم الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية حقيقة الطريق الذي يسلكونه. وهناك أسئلة صعبة لكلا الكتلتين، ولا يمكن فقط لقادة المنطقة عدم الاتفاق على إجابات تلك الأسئلة، بل لا يمكنهم أيضًا الاتفاق على سبيل الإجابة عنها.

وتمثل تلك الأيام – وفي الواقع تلك السنوات – للاتحاد الأوربي تدريب على الحد من الأضرار الى اقل حد.

وعندما صوتت المملكة المتحدة لأول مرة لمغادرة الاتحاد الأوروبي في عام 2016، كان هناك، في بعض الأوساط، شعور بالانفتاح، وهو اعتقاد بأن التحديات الهائلة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي بسبب شرعيته يمكن حلها عن طريق التكامل المتجدد. وبعد مرور عام على التصويت، حث رئيس المفوضية الأوروبية “جان كلود يونكر” – والذي حضر قمة شرم الشيخ هذا الأسبوع – الاتحاد الأوروبي على التحرك بسرعة أكبر نحو مزيد من التكامل، وقال: “دعونا نمضي في طريقنا ونواجه مصيرنا”

وهذا ما لم يحدث، فالريح قد سكنت، والجمود قد بدأ، حيث خلق رحيل المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوربي، وانتخاب دونالد ترامب، والذي لا يكن أي مشاعر حب لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن استعادة روسيا عافيتها، شعورًا بالانجراف، كما أن مسألة الهجرة مازالت بشكل لا يصدق مسألة مثيرة للانقسام والخلاف داخل كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي، وهناك صعود للقومية والأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة، كما أن فكرة تشكيل اتحاد أكثر تقاربًا هي في الوقت الحالي ضرب من الخيال، فبالكاد يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يبقى متماسكًا.

وبالنسبة للعالم العربي أيضا، هناك انقسامات عميقة: فهناك الحروب في سوريا واليمن وليبيا، والتوترات مع إيران وإسرائيل، والمقاطعة السعودية بقيادة قطر.

وتتضح تلك الانقسامات بشكل صارخ من خلال الجامعة العربية. وبسبب افتقارها إلى “مركز الثقل” ذو النفوذ، تميل جامعة الدول العربية إلى سلوك الطريق الأقل مقاومة. ومن أبرز المواقف السياسية الأخيرة التي اتخذتها الجامعة العربية هو طردها لسوريا – وفيما يبدو أن الجامعة خططت هذا الأسبوع لعودة دمشق إلى أحضان الجامعة العربية مرة أخرى.

وهذه مشكلة، لأن المنطقة تميل إلى حل مشاكلها على مراحل. ولم يكن هناك كتلة متماسكة، أو مركز ثقل محدد، مما جعل ألمانيا وفرنسا، على سبيل المثال، تسعى جاهدة للحفاظ على وحدة الاتحاد الأوروبي.

ويستمر النهج التدريجي من الجانب الأوروبي، حيث تركز أوروبا على مغازلة المنطقة، من خلال التركيز على مصر وليبيا وتركيا بسبب أزمة الهجرة ؛ ثم على الخليج بسبب إيران، ثم على سوريا بسبب الحرب.

ورغم ما قاله “دونالد توسك”، رئيس المجلس الأوروبي، أثناء القمة “بأنه ثمة أسباب موضوعية تحتم علينا التقارب معًا، وهو أن جوارنا شيء حقيقي”، وفي الواقع لا يشعر الأوروبيون بوجود شرق أوسط متماسك يتبادل المصالح المشتركة مع الاتحاد الأوروبي، كما أن فكرة إنشاء “منطقة واحدة” لم تلقى صداها في العواصم الأوروبية.

إذا لم يكن أي من الطرفين، كمجموعة، على يقين تام بالنهج الذي يسلكونه، فإنهم أيضا غير متأكدين ممن ينبغي التحالف معه. وصدر البيان الختامي للقمة والمكون من سبع عشرة “17” نقطة يوم الثلاثاء، وكان زاخرًا باللكمات الدافئة التي تتناول “التاريخ الثري بتبادل الثقافات”، ومختصرًا في تناول السياسات الجديدة. وإذا اتسم قادة القمة بالغموض، فهذا لأن الطرفان لا يعتقدان بقدرة الطرف الآخر على حمايته أو الوثوق به إلى هذا الحد.

ويدرك العرب جيداً أن الأوروبيين منقسمين، وأن الولايات المتحدة، رغم رئيسها متقلب المزاج، أكثر تماسكاً.

كما أن الأوروبيين أيضاً يتعاملون بحذر مع دول الشرق الأوسط، حيث هناك فقط ثلاث دول مجاورة (العراق وسوريا وإسرائيل) يمكنها عقد تحالفات مختلفة.

ولا ثمة استغراب في أن تكون أهم الاتفاقيات السياسية في السنوات الأخيرة مع البلدان الثلاثة الأكثر اكتظاظا بالسكان في الشرق الأوسط (مصر وتركيا وإيران) قد ركزت جميعها على قضايا الهجرة وانتشار الأسلحة النووية، وهي قضايا منفصلة نسبيًا ويمكن التحقق من صحتها. وماتزال الثقة بين الكتلتين منعدمة رغم الحاجة إليها لإبرام المزيد من الاتفاقيات – بشأن التجارة الحرة، على سبيل المثال، أو تبادل المعلومات الاستخبارية.

ومع ذلك، فإن كلا الجانبين منقسمان كما هما، كما أنهما يواجهان خصومًا شرسة وأكثر تماسكًا: وهي الصين وروسيا والولايات المتحدة، وجميعهم خصوم سياسيون، إن لم يكونوا عسكريين، من حيث أنهم يملكون أهدافهم الخاصة، ومستعدون لتحقيقها على حساب بعض الدول العربية والأوروبية. ومن المؤكد أنها الدول التي أشار إليها “توسك”، عندما قال في كلمته أمام القمة أن الكتلتين “في حاجة إلى التعاون وعدم ترك المنطقة لقوى عالمية بعيدة عنها”.

وتقدمان المنطقتان المعقدتان، حيث كلاهما عرضة للانقسام، نموذجًا مختصرًا للوحدة تحت شمس القاهرة. ويحاول العرب والأوروبيون التوحد مع بعضهم بعضًا لأنهم يخشون الانقسام بفعل الغرباء والدخلاء.