النهضة الاقتصادية اليونانية ربما تفيد العالم العربي على نطاق واسع

أفشين مولافي

AFP photo: Louisa Gouliamaki

قبل وقت قصير من الانتخابات اليونانية الأخيرة، قام الخطيب المفوّه ورئيس الوزراء أليكسي تسيبراس بإلقاء خطابًا حماسيًا وسط هتافات الحشود من مؤيديه، وفيما يتعلق بنقطة محددة قال تسيبراس إن خصمه الرئيسي لن يستطيع الوصول إلى ما وصل إليه هو الآن، ويقصد هناحشود المؤيدين لتسيبراس، وقال تسيبراس “إنهم لن ينجحوا في تنظيم حشد مثل الذي قمنا بتنظيمه اليوم، إنهم لن يستطيعون  الحصول على حب المواطنين البسطاء“.

وقد وضح أن اليونانيين ربما لم يعودوا يهتمون بالسياسي الذي يقوم بالتلويح بقبضته ويحمل حقيبة مليئة بالوعود، وبدلًا من ذلك، حينما ذهب الشعب اليوناني إلى صناديق الاقتراع خلال الأسبوع الماضي؛ فقد تخلّص من تسيبراس الذي يملك الكاريزما، وحزبه ائتلاف اليسار الراديكالي (سيريزا)، لشخص لا يملك ايكاريزما، وهو رئيس حزب “الديمقراطية الجديدة” الذي ينتمي لتيار يمين الوسط  كرياكوس ميتسوتاكيس، وميتسوتاكيس الذي تخرّج فيجامعة هارفارد وعمل مستشارًا بمؤسسة ماكينزي، وكان المتوقع لهأن يعمل من المنزل في صناعة عروض الباور بوينت، بدلًا من أن يلقي خُطبًا حماسية، لكن اليونانيين كانوا كمن وقع في مشكلة، فهم يريدون إيجاد حلول لمشكلاتهم المتعلقة بتقلُص الدخل، وتناقُص الوظائف وتخفيض الأجور وكذا تلاشي الأمل في وجود حل لتلك المشكلات، وربما ما يحتاجه هؤلاء في النهاية هو شخص “فنّي حديثه ممل”، وإلى جانب هذا، هناك الأثر القوي الناتج عن الاستثمارات الإضافية، التي ستأتي من الشركاء الجدد في منطقة الشرق الأوسط، خاصة هؤلاء الذين يملكون الخبرة في مجالي العقارات والتنمية السياحية، مثل الشركات التي تقع مقراتها في دبي وأبو ظبي.

وكانت اليونان قد مرّت بعشر سنوات مظلمة منذ الأزمة الاقتصادية العالمية التي حدثت في العام 2008 – 2009، مما أسفر بالتبعية عن دخول اليونان في أزمة ديون خاصة بها، حيث فقدت نحو 25% من إنتاجها في المجال الاقتصادي، وواجهت أزمة بطالة شديدة، وعملية هبوط وركود في الأجور وانهيار الخدمات العامة، وعملية هجرة جماعية لأفضل وألمع الكوادر، وفي ذات الوقت، فإن “حزمة الإنقاذ” التي تبلُغ نحو 300 مليار دولار، والتي قدمها الاتحاد الأوربي بالاشتراك مع صندوق النقد الدولي، جاءت مصحوبة بمطالب للتقشف وتخفيض الوظائف الحكومية، والواقع أن سلسلة الإجراءات التقشفية جعلت اليونان تغرق في دوامة الهبوط.

وحينما تقلّد تسيبراس منصب رئاسة الوزراء في العام 2015، كان أمامه خيارًا بغيضًا: إما التعاون مع الاتحاد الأوربي وصندوق النقد الدولي أو مواجهة الإفلاس، ولم يكن تسيبراس من هواة التصعيد، على الرغم من الانطباعات الأولية التي تشير لذلك، وقد اختار التعاون مُكرهًا، لكنه لم يكتسب الثقة في مجال العمل، وبدأت دوامة التقشف في الدوران، وكان رئيس الوزراء الجديد ميتسوتاكيس قد وعد بالقيام بإصلاحات جذرية، وتخفيض الضرائب وتوفير الوظائف وخصخصة الخدمات، وأيًا كان الأمر: فقد كان قدر كلمته، وحينما كان وزيرًا في العام 2012، أوكلت إليه مهمة صعبة وهي قيادة عملية خفض الوظائف التي تمت تحت إشراف الاتحاد الأوربي، والتي جاءت عقب التعهد المسبقللحكومة اليونانية بالقيام بتلك الخطوة، وعلى الرغم من قلة الدعم الذي تلقاه ميتسوتاكيس من حلفائه السياسيين، إلا أنه نجح في تخفيض الوظائف.

وبالنظر لجميع الاعتبارات، يجب ألا يكون مصير اليونان شأنًا تابعًا للاتحاد الأوربي فقط، والواقع أن اليونان المزدهرة من الممكن لها أن تساعد في تحسين اقتصادات الدول العربية المطلة على البحر المتوسط، من المغرب وحتى لبنان، وهنا يمكن للاقتصادات التي تملك فائضًا مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أن تلعب دورًا، ويجب النظر للاستثمارات في اليونان على أنها استثمارات في منطقة البحر المتوسط، والواقع أن الممر الاقتصادي الذي يمر عبر البحر المتوسط – البحر الأحمر – المحيط الهندي، يجب اعتباره أحد أهم الممرات التجارية الحيوية على مستوى العالم العربي، ويمر هذا الطريق بدول من شمال أفريقيا إلى شرق أفريقيا إلى الجزيرة العربية. علاوة على ذلك، بمكن لليونان أن تكون منصة انطلاق هامة، اعتمادًا على درايتها المحلية بإقليم البلقان، وسوف يستفيد من ذلك المستثمرين بمنطقة الشرق الأوسط، الذين يخططون لاستثمارات أكثر قوة في تلك المنطقة، التي تشمل وسط وشرق أوربا.

وإلى الآن، فإن مذكرة التفاهم وقيمتها 500 مليون دولار، التي تم توقيعها بين شركة “مبادلة” ومقرها أبو ظبي، وهي ثاني أكبر صندوق للثروة السيادية في الإمارات، وبين الصندوق اليوناني الجديد للتنمية الاقتصادية، من أجل الاستثمار في مجالات تتسم بالمخاطرة برأس المال، والمتخصصة في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتجارة الإلكترونية والتكنولوجيا الحيوية، تعُد بداية جيدة، لكنها مجرد بداية.

ولننظر لما فعلته شركة تشاينا أوشن للشحن (كوسكو) في ميناء بيرايوس، وكانت المؤسسة الصينية قد حصلت على عقد إيجار لتشغيل الميناء منذ 10 سنوات، وقد كان الميناء يحتاج إلى تجديد، ونجحت شركة كوسكو في تحويل الميناء بشكل درامي، حيث جعلت منه ثاني أكبر مرفأ للحاويات في البحر المتوسط، وتلك قصة ناجحة بجميع المقاييس، وقد أثبتت الاستثمارات التي قامت بها شركة كوسكو أن هناك فرص لاستثمارات ناجحة في اليونان، حتى خلال أصعب الأوقات.

وإلى جانب خطوط النقل، ربما يجب على أثينا الأخذ بعين الاعتبار أن تقوم بتوسعة شاملة للترتيبات التي قامت بها فعلًا مع الخطوط الجوية الإماراتية، وتنطلق الرحلات الجوية من دبي إلى أثينا، حيث تحمل المزيد من الركاب، وتواصل طريقها إلى مطار  نيوارك الذي يقع في منطقة نيويورك بمدينة نيوجيرسي، ثم العودة عبر ذات المسار، والتوسع في رحلات “الحرية الخامسة” (الطيران بين أكثر من دولتين)، مع جذب المزيد من الركاب من منطقة الشرق الأوسط، لن يؤدي فقط إلى جذب مزيد من السياح إلى اليونان، بل سيسمح لها أن توفر للسياح القادمين من أمريكا الشمالية هذا النوع من الخدمات، الذي تشتهر به الخطوط الجوية على مستوى الشرق الأوسط، وسيكون ذلك بمثابة مكسب للطرفين، لكنه مكسب أكبر لليونان.

والآن، وبعد أن عاد الاقتصاد اليوناني للحياة، وأصبح هناك رئيس وزراء يشجع الاقتصاد، باتت هناك فرص جديدة لمشروعات في البنية التحتية والخدمات وبالطبع السياحة (فاليونان تحتاج لإنشاء المزيد من فنادق الخمس نجوم على سبيل المثال)، وسوف يستمر الاتحاد الأوربي في لعب دور حيوي لدعم اليونان، باعتبارها السوق الرئيسية، لكن دول العالم الواعدة مثل الصين والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية يجب عليها أيضًا أن تلعب دورًا في مجاليّ الشراكة التجارية والاستثمار.

وفي أول خطاب له كرئيس للوزراء قال ميتسوتاكيس: “اليونانيين يستحقون أفضل من هذا، وقد حان الوقت كي نبرهن على ذلك“. ومن أجل أن يحقق ميتسوتاكيس هدفه وتزدهر اليونان؛ سيكون بحاجة إلى جلب استثمارات أجنبية من مناطق تبعد كثيرًا عن دول الاتحاد الأوربي. وبصفتها محورًا حيويًا في منطقة البحر المتوسط؛ فإن ازدهار الاقتصاد اليوناني سيفيد مجموعة واسعة من اقتصادات العالم العربي، لذا يجب على الساسة العرب ألا ينظروا إلى اليونان على أنها “مشكلة الاتحاد الأوربي فحسب”، بل يجب النظر إليها على أنها فرصة في منطقة البحر المتوسط.

أفشين مولافي هو أحد كبار الزملاء في معهد السياسة الخارجية بكُلِيّة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، كما أنه رئيس تحرير ومؤسِس مؤسسة نيو سيلك رود مونيتور.