ناتو الشرق الأوسط ليس مرغوباً فيه، ولن يُكتب له النجاح

حسن الحسن

خلال العام الماضي ألمحت إدارة ترامب إلى احتمال إنشاء تحالُف أمني (ناتو) بمنطقة الشرق الأوسط، وبعد مضي عام كامل فقد باتت هناك مؤشرات على إمكانية إحياء تلك الفكرة، ومن الواضح أن تلك الخطوة تأتي في إطار مجهودات واشنطن لإيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي فضلاً عن رغبتها في احتواء النفوذ الإيراني، وقد تم التأكيد مجدداً على أهمية تلك المسالة بالنسبة للولايات المتحدة على لسان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، حيث قام الرجُل خلال زيارته للمنطقة بالحديث عن ضرورة تشكيل جبهة “معارضة موحدة” ضد إيران، والواقع أن فكرة إقامة تحالُف أمني (ناتو) بمنطقة الشرق الأوسط لا تعُد فكرة جديدة، بل أن تلك الفكرة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، ورغم المحاولات المتكررة، إلا أن منطقة الشرق الأوسط لم تحتمل إقامة تحالُفاً أمنياً يتمتّع بالثقة، ومن الصعب علينا أن نتصور أن الحلف الجديد سيواجه مصيراً مختلفاً.

والواقع أن تفاصيل التحالُف الأمني الشرق أوسطي الذي اقترحه ترامب تتسم بالغموض والتناقُض، وخلال شهر مايو من العام الماضي كتب الصحفي “جوش روجين” بجريدة واشنطن بوست مقالاً أكّد فيه على أن إدارة ترامب تحاول استكشاف إمكانية إقامة ناتو عربي يشمل كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر، وأن تلك الفكرة تبلورت عشية زيارة ترامب للرياض، ويهدف الحلف إلى تنسيق جهود مكافحة الإرهاب وكذا مواجهة الأنشطة الإيرانية في المنطقة، وأشار الصحفي “جوش روجين” إلى اعتراف البيت الأبيض بأن “العمل لا يزال مستمراً من أجل تحديد العديد من التفاصيل الخاصة بطبيعة عمل الحلف الجديد”، وتلك كانت محاولة لتجاهُل الاختلافات بين كل دولة وأخرى فيما يتعلّق بالسياسة الخارجية مما يعُد بمثابة حجراً عثرة أمام إقامة الحلف.

وفي ذات الوقت، فإن بعض وسائل الإعلام العربية ألمحت إلى أن التحالُف الأمني ربما يشمل إسرائيل أيضاً، كما ادعت تلك الوسائل أن الهدف من إقامة الحلف هو تشجيع الدول العربية على الوصول إلى قرار حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يشمل تقديم العرب تنازلات سياسية وأخرى اقليمية، وادعت تلك الوسائل أن العرب سيحصلون في المقابل على دعم الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.

لكن هذا الحلف، تماماً مثل سابقه الذي أقيم إبان الحرب الباردة، بات عُرضة للفشل، فخلال العام 1955 أعلنت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا عن حلف أمني جديد في منطقة الشرق الأوسط، وسُمِيّ “حلف بغداد”، وضمّ الحلف حينها كل من تركيا والعراق وإيران وباكستان، وقد أرادت واشنطن عبر تشكيل الحلف محاصرة الجبهة الجنوبية للاتحاد السوفيتي السابق عبر السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وبسبب تضارُب المصالح بين الدول الأعضاء؛ فإن الحلف قد فشل في منع النزاعات أو معاونة الدول الأعضاء، وهو ما شعرت به باكستان خلال صراعها مع الهند خلال عاميّ 1965 و1971، وأخيراً فقد تم حل الحلف في العام 1979، حيث شهدت حينها كل من العراق وإيران اضطرابات داخلية وتغيير في أنظمة الحُكم أسفر عن ظهور سياسات جديدة مُعادية لواشنطن.

ولسوء الحظ، فإن الاضطرابات الداخلية وصراعات المصالح باتت من السمات المُميِزّة للدول العربية، وفضلاً عما حدث في سوريا والعراق واليمن؛ فإن مصر شهدت انتقال السُلطة بين حسني مبارك وجماعة الإخوان المسلمين والجيش منذ العام 2011، وقد تخلّل هذا مظاهرات حاشدة ومذابح جرت في كل مرة تنتقل فيها السلطة إلى طرف ما، وفي الأردن فإن الأوضاع المعيشية الصعبة ازدادت سوءاً بسبب تدفُق اللاجئين السوريين على البلاد، مما أسفر بالتبعية إلى خروج الأردنيين إلى الشوارع في يونيو الماضي، حيث طالب المتظاهرون الملك بوقف قرار رفع الضرائب، وأجبرت تلك المظاهرات الحكومة الأردنية على الاستقالة.

وعلى الرغم من أن الدول الأربع تشترك سوياً في مسألة عدم الاستقرار السياسي؛ فإن هناك خلافات جوهرية بين كل منها في السياسات المتبعة تجاه الصراعات الكبرى في المنطقة، وبالنسبة لسوريا؛ فقد وقف نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جوار بشار الأسد،  بينما وقفت المملكة العربية السعودية إلى جوار الثوار السوريين بمعاونة واشنطن منذ العام 2012، وفيما يخُص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عارضت الأردن المجهودات التي قادتها واشنطن والتي وافقت عليها كل من الرياض وأبو ظبيّ لأجل الوصول لتسوية، وفي يناير أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني معارضته لقرار الرئيس دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وقال الملك عبد الله أيضاً أن خطة واشنطن التي ترمي إلى  إقامة دولة فلسطينية ضعيفة لن تكون مقبولة من الملك ذاته أو من الشعب الأردني.

وهناك سبب آخر لاحتمال فشل الحلف المُزمع، ألا وهو مشاركة إسرائيل في الحلف، وذلك بسبب الإجراءات الصارمة وسياسة الاستيطان بالمخالفة للقانون التي دأبت تل أبيب على ممارستها، وقد أدّت سياسات حكومة اليمين الإسرائيلية إلى تعقيد الجهود الخاصة بالوصول لاتفاق سلام، وبناء على ذلك؛ فإن مُعظم الشعوب العربية لا زالت تتعامل مع الدولة الصهيونية على أنها عدو، وما لم يتم التوصُل إلى تسوية تُرضي للفلسطينيين، فإن الشعوب العربية لن تقبل بحلف جديد مع إسرائيل خاصة في ظل وجود بنيامين نتنياهو في الحُكم، ومن الممكن للحكومات العربية أن تتجاهل رد فعل الشارع العربي وتمضي في تنفيذ الخطة، لكن ذلك سيكون بمثابة خطر على تلك الحكومات، وهنا ستكون تلك الحكومات عُرضة لانتشار النفوذ الإيراني بدعوى الدفاع عن القضية الفلسطينية.

لكن ماذا لو ظهر ناتو الشرق الأوسط إلى النور رغم العقبات؛ وبحيث يتألف من السعودية والإمارات والأردن ومصر وربما إسرائيل؟، ومن وجهة نظري فإن النتائج الغير مقصودة لتشكيل مثل هذا الحلف من الممكن أن تكون كارثية، وعلى أي حال فإن التحالفات الأمنية التي تقوم بها دول معينة من الممكن أن تسفر عن فوضى سياسية داخل الدول التي يستهدفها الحلف، وكذا من الممكن أن يسفر تشكيل مثل هذا الحلف عن تشكيل تحالفات مناوئة في منطقة الشرق الأوسط، وفي ذات الوقت، فإن الحلف الجديد قد يشجع الدول الأعضاء على الدخول في مغامرات عسكرية، مما يعني توريط أعضاء آخرين داخل الحلف في تلك المواجهات العسكرية، وفي منطقة تشهد سباقاً محموماً من أجل التسلُح؛ فإن التحالفات الأمنية من الممكن أن تزيد من الصراعات داخل الدول الأعضاء.

وأخيراً، فإن فكرة إدارة ترامب بتكوين ناتو شرق أوسطي ربما تظل مجرد كلمات، وفي أفضل الأحوال فإن تلك الخطوة ستؤدي إلى طمأنة حلفاء واشنطن في منطقة الخليج، وتوجيه رسالة إلى الناخب الأمريكي مفادها أن دول الشرق الأوسط سوف تحمل جزءاً كبيراً من العبء الخاص بأمن المنطقة، لكن بالنسبة لترامب، وكي ينجح في تحويل فكرته إلى واقع ملموس، يجب على واشنطن مواجهة تحديات خطيرة، وإذا ما نظرنا إلى حال الشرق الأوسط خلال الفترة الحالية سنجد أن فكرة تشكيل ناتو شرق أوسطي لن تلقى رواجاً ولن يُكتب لها النجاح.

AFP PHOTO/JANEK SKARZYNSKI