مأساة أوكرانيا تصبح أزمة إسكان في تركيا

Image courtesy of Ozan Kose / AFP

مع الزيادة المذهلة في الإيجارات وأسعار المنازل التي ارتفعت بشكل كبير وسط تهافت من المشترين من خارج البلاد لا سيما أولئك الذين فروا من الحرب في أوكرانيا، فإن تركيا على حافة أزمة إسكان للمساكن منخفض التكلفة، وما لم يتم وضع ضوابط حكومية، فإن العواقب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ستكون كبيرة.

وتُظهر الأرقام والبيانات أن سلسلة التوريد العقارية في تركيا تواجه خلل كبير، فوفقًا لمؤشر أسعار المساكن الذي أعده البنك المركزي التركي، ارتفع سعر شراء منزل في تركيا بنسبة 96٪ منذ شهر فبراير 2021، وفي إسطنبول ارتفع بنسبة 106٪.

وقد رسمت دراسات أخرى صورة رهيبة بنفس القدر، حيث قدر بحث سوق الإسكان الصادر في أبريل من قبل مركز جامعة “باهجيشهر” للبحوث الاقتصادية والاجتماعية أن الزيادة السنوية بلغت 134 في المئة، بينما قدّر أحدث مؤشر لأسعار المساكن “لليوروستات” أن الزيادة السنوية في أسعار المنازل ارتفعت بنسبة 60 في المائة في تركيا، وهو ما يعادل ستة أضعاف المتوسط ​​الأوروبي.

ولم تتمكن الليرة التركية من التعافي منذ خسارتها 40 في المئة من قيمتها في عام 2021 نتيجة وجود معدل تضخم سنوي بلغ 142 في المئة، واكتساح المستثمرين الأجانب للسوق، وعليه فمن غير المرجح أن يجد المواطنون الأتراك مساكن بأسعار معقولة في بلدهم، ونتيجة لذلك، انتقل العديد منهم بعيدا عن مراكز المدن، أو اضطروا لتحمل المزيد من الديون.

وقد جعل إغراء الحصول على الجنسية والقوانين السهلة من العقارات التركية ” القائمة على سعر الليرة” جذابة أكثر من أي وقت مضى، حيث أن شراء عقار بقيمة 250 ألف دولار يؤهل المشتري تلقائيًا للحصول على جواز السفر التركي، وبين عامي 2017 و 2019، تضاعفت مشتريات المنازل من قبل الأجانب إلى ما يقرب من 46000 وحدة سكنية، وكان الإيرانيون والعراقيون هم المشترين الأكثر إقبالاً على الشراء.

لكن قفزت المبيعات للأجانب بنحو 50 في المئة في شهر ديسمبر الماضي، وكان العديد من المشترين الجدد من الروس والأوكرانيين الفارين من الصراع، ونظرت الحكومة التركية إلى هذا الاتجاه باعتباره فرصة وليس تأثيرًا مأسويًا للحرب، وعليه زادت في أبريل من حد الحصول على الجنسية إلى 400 ألف دولار.

وتوقف البناء أو تباطئ وتيرته بفضل الجائحة مما تسبب في ندرة العقارات المعروضة للبيع، وأدت الأزمة الاقتصادية إلى زيادة أسعار مواد البناء، مثل الأسمنت، مما أسفر عن زيادة تباطؤ بناء المنازل الجديدة، وبينما تقدم البنوك الخاصة والعامة قروضًا سكنية لمدة تتراوح بين 120 و 240 شهرًا بسعر فائدة يتراوح بين 1.2 و 1.8 في المائة، فقد ارتفعت أسعار المنازل بسبب زيادة الطلب ونقص العرض، ويبلغ متوسط ​​الراتب التركي الشهري 7،830 ليرة تركية أي (حوالي 530 دولارًا)، وهو ما لا يكفي للحصول على قرض سكني وبالكاد يكفي للإيجار.

وقد أصبح شراء منزل أمرا غير وارد بالنسبة لمعظم الأتراك، لكن حتى الإيجار مثل مشكلة أيضًا، حيث بلغ متوسط ​​زيادة الإيجار حتى الآن في عام 2022 نسبة 19.6 في المئة، وللمقاربة ارتفعت الإيجارات بنسبة 1.3 في المئة فقط في الاتحاد الأوروبي في نهاية الربع الرابع من عام 2021، ومع وجود القوانين التي تميل لصالح أصحاب العقارات، أصبح المستأجرين الأتراك في مأزق حقيقي.

واستفاد أصحاب العقارات والشركات من القوانين المتساهلة في جميع أنحاء البلاد، وزادوا الإيجارات على النحو الذي يرونه مناسبًا، ويفعل الكثيرون منهم ذلك وسط تدفق مشترين جدد من روسيا وأوكرانيا، كما  يبحث الملاك عن تأجير ممتلكاتهم للأجانب، حيث نص إعلان حديث عن عقار مستأجر في “إسنيورت” في إسطنبول صراحةً على أن “ممتلكاتهم ليست مناسبة لاستئجار من قبل الأتراك”، وفي عام 2021، كان متوسط ​​تكلفة الشقة المكونة من غرفتي نوم في منطقة “أتاشهير” في إسطنبول نحو 3500 ليرة شهريًا أي (حوالي 240 دولارًا) واليوم يكلف 9000، وبالمثل كانت الإيجارات في أنطاليا ” بلدة ساحلية يرتادها الروس” قبل الحرب حوالي 2500 ليرة في الشهر، والآن وصل إلى حول 10000، ومع ذلك، فبقدر ما كانت هذه الزيادات مخجلة، وبقدر غضب المواطنين الأتراك، فإن قوانين العقارات في تركيا فشلت في الحد من هذه الارتفاعات الضخمة.

ويطرد الملاك المستأجرين الحاليين لإفساح المجال لأولئك الذين يمكنهم دفع المزيد من الإيجار، فبموجب القانون، يستطيع الملاك إبقاء الزيادات السنوية في الإيجار بما يتماشى مع معدل مؤشر أسعار المستهلك، والذي كان أكثر من 15 في المئة في عام 2021، ولكن بعد مضي خمس سنوات، يستطيع الملاك زيادة الإيجار إلى ما بعد هذا الحد الأقصى، كما يستطيعون إخلاء العقار بعد 10 سنوات بدون أي توضيح. والمستأجرون الذين لا يستطيعون دفع الإيجار عليهم إخلاء السكن، وليس من المستغرب أن يؤدي التقاضي بشأن الإسكان إلى الضغط على المحاكم التركية، حيث إن حوالي 20 في المئة من جميع القضايا الجديدة في تركيا مرتبطة بنزاعات الإسكان.

ومن المؤكد أن الحرب ليست السبب الوحيد لأزمة الإسكان في تركيا، فمع اقتراب الوباء من نهايته وكون تركيا وجهة رخيصة التكلفة، يتدفق السياح إلى البلاد ويختار الملاك عقود إيجار قصيرة الأجل من خلال منصات مثل “إير بي إن بي” حيث يقع نصف هذه الإيجارات في مدينة إسطنبول، وعلى عكس أجزاء كثيرة من أوروبا، التي فرضت قيودًا على “إير بي إن بي” لحماية المعروض من المساكن، فيمكن للمالكين الانتهازيين في تركيا فعل ما يحلو لهم، ولكن مع عدم وجود لوائح أو ضرائب أو قيود على هذه الإيجارات اليومية، فإن غياب الرقابة الحكومية يضر بالمواطن العادي.

وتقوم تركيا بشكل منهجي بتهميش شعبها ليصبح خارج سوق الإسكان، ومع وجود حوالي 52 في المائة من الأتراك تحت طائلة الديون وأربعة من كل عشرة حصلوا على قرض من أحد أفراد الأسرة في الأشهر الثلاثة الماضية فقط، أصبح أحد الاحتياجات الأساسية للحياة، وهي السكن، عبئًا شبه مستحيل، وللحد ممن هذا الاتجاه وحماية المواطنين الأتراك، يجب على الحكومة التدخل.

قد لا يمكن تجنب بعض الزيادات في أسعار المساكن والإيجارات، ولكن يمكن تخفيف الألم التي تسببه، ففي حين أن الفارين من الصراع في أوكرانيا يحتاجون إلى ملاذ، لكن على القادة أيضًا التفكير فيمن هم المهجرون فعلاً أثناء توفير ذلك الملاذ.

 

ألكسندرا دي كرامر صحفية مقيمة في إسطنبول عملت مراسلةً لصحيفة ملليت عن الربيع العربي من بيروت، وتتنوع أعمالها ما بين الأحداث الحالية والثقافة، وقد ظهرت أعمالها في مجلات «مونوكل»، و«كورير»، و«ميزون فرانسيز» و«إسطنبول آرت نيوز».