إفريقيا هي الشريك التجاري الطبيعي لدول الخليج

جوزيف دانا

يبدأ الرئيس الصيني “شي جين بينغ” زيارته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة هذا الاسبوع بغرض تعزيز العلاقات بين بلاده ودول الخليج العربي، ويأتي هذا في إطار المشروع الصيني الطموح “مبادرة الحزام والطريق”، وهو المشروع الذي يهدف إلى إنشاء شبكة تجارية عالمية بحيث تكون مدينة بكين مقرّاً لها، وستلعب منطقة الخليج دوراً هاماً في إطار هذا المشروع باعتبارها جسراً بين الشرق والغرب، فضلاً عما تملكه منطقة الخليج من مصادر الطاقة، ودول الخليج من الممكن أن تكون شريكاً للصين، خاصة لما تمتلكه تلك الدول من اقتصادات قوية ومن مصادر لرأس المال، لكن تاريخ استثمارات بكين خاصة في المنطقة التي تقع إلى الجنوب من شبه الجزيرة العربية هو تاريخ مثير للجدل، وقد بدأت دول الخليج في استعراض قوتها الاقتصادية عبر الإعلان عن استثمارات في قارة إفريقيا، والواقع أن دول الخليج من الممكن أن تجد فُرصاً للاستثمار في الأماكن التي تتعثّر فيها بكين، ووفقاً لمبدأ التنوع، فإن الأسواق الإفريقية باتت تُمثِل فُرصاً واعدة بالنسبة لدول الخليج العربي من أجل قيام تلك الدول بتقديم الاستثمارات والخبرات وكذا التعاون مع دول القارة الإفريقية.

وكانت الصين قد قامت بعدة مشروعات في دول إفريقية حتى ظهرت مخاوف من فقدان تلك الدول سيادتها بسبب الديون المستحقة للصينيين، وهناك مشروع خط السكك الحديدية الذي يبلُغ طوله 757 كم ليربط بين أديس آبابا وجيبوتي بتكلفة 3.4 مليار دولار، وهو ما يساوي حوالي 25% من ميزانية دولة إثيوبيا، وسيقوم بنك الاستيراد والتصدير الصيني بتمويل المشروع، وهناك مشروع خط السكك الحديدية مومباسا-نيروبي بطول 472 كم، ويعُد أكبر مشروع للبنية التحتية يتم إنشائه على الأراضي الكينية منذ استقلال البلاد، وسيتم المشروع بتكلفة تبلُغ 3.8 مليار دولار، وقد تم تمويل 90% من قيمة المشروع عبر قرض قدّمهُ بنك الاستيراد والتصدير الصيني، والخطر الحقيقي يكمن في أن تلك الدول إذا ما تخلّفت عن سداد تلك الديون سيكون الباب مفتوحاً أمام بكين للسيادة على البنية التحتية الخاصة بتلك الدول الإفريقية، وفي ذات الوقت هناك اتهامات لشركات صينية وأفراد صينيين بالاستيلاء على الموارد خاصة في منطقة غرب إفريقيا.

والحقيقة أن هناك ارتباط تاريخي بين دول الخليج وقارة إفريقيا، والواقع أن هذا الارتباط لم يكن على خير ما يرام للكثير من أبناء القارة السمراء، لكن؛ وفي الأعوام العشر الماضية على أقل تقدير؛ باتت هناك مصلحة مشتركة لتبادل العمالة ورأس المال، وكان هذا نتاجاً للثقة التي باتت تُميِز العلاقة بين الطرفين، والواقع أن هذا الوضع يعُد بمثابة فرصة جديدة لكلا الطرفين.

ومن الممكن أن يبدأ التعاون بين دول الخليج العربي وجنوب إفريقيا، وهي الدولة الإفريقية الوحيدة العضو في “مجموعة العشرين”، وهي الدولة الوحيدة بمنطقة جنوب الصحراء الكبرى التي تمتلك اقتصاداً صناعياً واعداً، وعلى أي حال فإن سنوات من سوء الإدارة والفساد في جنوب إفريقيا كانت كفيلة بتدمير البنية التحتية للبلاد فضلاً عن التسبُب في مشكلات اقتصادية ضخمة، وطبقاً لإحصاءات الحكومة فإن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 2.2% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام مقارنة بذات الفترة من العام الماضي.

واليوم فقد تعهّدت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة باستثمار 10 مليارات دولار في قطاع الطاقة بدولة جنوب إفريقيا، والواقع أن جنوب إفريقيا بحاجة لضخ مزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقة الذي تأثّر كثيراً بالانتكاسة التي أصابت اقتصاد البلاد، حيث أصبح انقطاع الكهرباء بعدة مناطق على مستوى جنوب إفريقيا بمثابة روتين مُتكرِر، ومن المُتوقّع إيقاف العمل بالعديد من محطات الكهرباء على مدار الأعوام القادمة، والأهم هو عدم توافر الأموال اللازمة لبناء محطات جديدة، وتعُد حالة شركة كهرباء جنوب إفريقيا (ايسكوم) مثالاً على المشكلات التي نتجت عن الفساد الذي كانت تمارسه الطبقة العليا، مما نتج عنه بالتبعية ديوناً ضخمة باتت في رقبة جنوب إفريقيا، والواقع أن دعم جنوب إفريقيا يجب أن يأتي عبر ضخ المزيد من الاستثمارات لبناء محطات للكهرباء، حيث أنه من الصعب تمويل تلك المشروعات دون الاستعانة بالاستثمارات الأجنبية.

ومن ثم فإن هناك فرصة للمنفعة المشتركة بين دول الخليج العربي وجنوب إفريقيا عبر الاستثمار في قطاع الطاقة، وسوف تقوم الشركة السعودية للطاقة المتجددة “أكوا باور” بافتتاح محطة طاقة شمسية عملاقة في جنوب إفريقيا، وسوف تقوم تلك المحطة بتوفير الطاقة لما يقارب 210 ألف منزل، مما يعني تخفيف الأحمال عن المحطات التابعة لشركة كهرباء جنوب إفريقيا (ايسكوم).

وكي يتم إصلاح الاقتصاد الجنوب إفريقي فقد أعلن رئيس البلاد “سيريل رامافوزا” عن نيته لجذب 100 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية على مدار الأعوام الخمسة القادمة، والواقع أن هذا القرار منطقي إلى حد كبير، كما أن اختيار دول الخليج العربي للحصول منها على تلك الاستثمارات كان خطوة اتسمت بالذكاء، وهذا يعني أن هناك أطرافاً أخرى باتت تزاحم الصين التي اعتادت على الاستثمار بشكل كبير على الأراضي الإفريقية.

ووفقاً لبيانات صادرة عن صحيفة الاقتصاد الإفريقي التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD فإن الإمارات العربية المتحدة تعُد ثاني أكبر مستثمر في الأراضي الواعدة بقارة إفريقيا بعد الصين، وخلال العام 2015 – 2016 استثمرت الإمارات العربية المتحدة مبلغ 14.9 مليار دولار في قارة إفريقيا، بينما استثمرت الصين 38.4 مليار دولار في القارة الإفريقية خلال ذات الفترة، والحقيقة أن تلك الفجوة بين استثمارات الصين ودول الخليج في إفريقيا تعُد بمثابة إشارة على الفرصة السانحة أمام دول الخليج لإزاحة الصين من موقعها باعتبارها القوة الأكثر استثماراً في القارة السمراء.

والواقع أن مصالح دول الخليج العربي في القارة السمراء لا تقتصر فقط على دولة جنوب إفريقيا، وفي العام 2016 قامت شركة فانز جروب (Phanes Group) ،وهي شركة إماراتية متخصصة في الطاقة الشمسية، بتوقيع عقد مع الحكومة النيجيرية من أجل بناء ثلاث محطات للطاقة الشمسية، فضلاً عن أن قطاع الطيران المدني بدول الخليج يعمل جاهدا من أجل ربط أبناء القارة الإفريقية بباقي أنحاء العالم، وكذا فإن شركة موانئ دبي العالمية وهي إحدى أكبر شركات الموانئ على مستوى العالم نجحت في تأسيس 8 محطات بحرية في 5 دول إفريقية، والحقيقة أن كلا من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية قامت بشراء مساحات واسعة من الأراضي لاستغلالها في الإنتاج الغذائي بعدة دول منها السودان وإثيوبيا وغانا، وهناك أمثلة أخرى عديدة على الاستثمارات الخليجية بالقارة الإفريقية، والتي شملت مجالات البنية التحتية والطيران المدني والزراعة.

وترى الصين ان القارة الإفريقية تعد بمثابة منطقة حيوية لتوسيع مجال الاستثمارات الصينية، ولكنه نظرا للقرب الجغرافي وامتداد الروابط الثقافية بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، فمن الممكن للدولتين ان تقوما بمضاعفة الاستثمارات في القارة الإفريقية، والتأكيد على أن إفريقيا ستظل تمثل دوراً محورياً فيما يتعلّق بالاستراتيجيات الاستثمارية لدول الخليج العربي.

AFP PHOTO/ARIS MESSINIS