يجب على إفريقيا الاعتماد على نفسها في الصناعة والتجارة لتنمية الطبقة المتوسطة

جوزيف دانا

على الرغم من التراجُع الذي يشهده الاقتصاد العالمي؛ إلا أن هناك تحول مُرتقب غير مسبوق سيتم عبر ما يُسمّى ب”الابتعاد عن الغرب”. فاقتصادات جنوب شرق آسيا إلى أمريكا اللاتينية تشهد درجة كبيره من التحضُر وظهور طبقة متوسطة جديدة، وتبقى الصناعة هي السبب الرئيسي لظهور قوى اقتصادية جديدة بخلاف القوى الاقتصادية للغرب، وقد وفرت القطاعات الصناعية القوية الملايين من الوظائف في دول مثل الصين والهند، مما أدّى في المقابل إلى وضع تلك الاقتصادات على مسار التنمية، لكن تبقى إفريقيا بمثابة حالة شاذة فيما يخُص تلك العملية الانتقالية.

وكونها تعُد أكثر مناطق النمو السكاني على مستوى العالم، فإن نسبة التحضُر في إفريقيا أيضًا شهدت زيادة هائلة، فالاقتصادات في إفريقيا لم ترقى حتى الآن لإمكانات تلك القارة، وبينما استفادت إفريقيا من قوة الإنترنت في إيجاد صناعات جديدة؛ فإن القطاع الصناعي الإفريقي الذي بات في حالة يُرثى لها يقبع خلف باقي مناطق العالم، وتعد الحوكمة السيئة (السبب: عدم وجود التشريعات التي تشجع على التجارة)، وعدم وجود استثمارات في البنية التحتية بالمناطق المحلية والإقليمية (السبب: ندرة الموانئ التي تعمل بكفاءة)، والتكلفة العالية، من العوامل التي أدّت إلى أن أصبح القطاع الصناعي في إفريقيا سيئا للغاية.

وستجد الفرق هنا: فإذا ما أرادت الدول الإفريقية تحرير نفسها من بقايا الاستعمار وتأسيس اقتصادات قوية، يجب على القادة أخذ مسألة التصنيع على محمل الجد، ويحتاج الجيل الجديد من الأفارقة للتوظيف، والواقع أن وجود قطاع صناعي قوي يستوعب الأعداد الضخمة هو مسار جيد للاستقلالية تمت تجربته واختباره، ويوفر القطاع الصناعي أسبابا للانتقال من الطبقة العاملة إلى الطبقة المتوسطة، وحتى إلى الإدارة العليا وهي الميزة التي لا يمكن لقطاع آخر أن ينافسه فيها، وقد نجحت تلك الطريقة في الغرب، كما نجحت فيما يخُص اقتصادات النمور الآسيوية.

ووفقًا لتقرير أصدره معهد بروكينجز العام الحالي؛ فإن الإنفاق على القطاع الصناعي في إفريقيا من المتوقع له أن يصل إلى 666 مليار دولار بحلول العام 2030، وهذا الرقم الذي يزيد بمقدار 201 مليار دولار عن الرقم الذي تحقّق في العام 2015، وبالنظر إلى الإحصاءات التي تشير إلى ارتفاع تعداد القارة؛ فإن إفريقيا قادرة على إيجاد 100 مليون وظيفة في القطاع الصناعي لو تم تطبيق السياسات الصحيحة، والمشكلة تكمن في كلمة “لو”.

وفي البداية هناك سبب للتفاؤل، فقد أدرك الاتحاد الإفريقي التأثير الإيجابي المستقبلي للاستثمار في القطاع الصناعي، وبالتبعية الاستثمار في المجال التجاري، وما يمكن أن يعود على القارة من الاستثمار في هذين المجالين، وقد قامت الهيئة الإقليمية بالتركيز بشكل كبير على القطاع الصناعي خلال الأجندة الخاصة بالعام 2063، مع الوضع في الاعتبار أهداف تطوير البنية التحتية، واتفاقيات التجارة الإقليمية، وتأسيس عدد من المناطق الاقتصادية الخاصة في الدول الخارجة عن القواعد الصناعية الإفريقية التقليدية وهي جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر (تلك هي الدول التي تملك القواعد الصناعية)، وإحدى تلك المحاولات تمثّلت في تأسيس المنطقة القارية الإفريقية للتجارة الحرة (ACFTA)، وهي الخطوة التي شهدت الانطلاق في مارس من أجل إيجاد سوق موحد للبضائع والخدمات في إفريقيا، وعلى الرغم من أن الكشف عن “المنطقة القارية الإفريقية للتجارة الحرة” قد تأخّر بسبب بطء إنجاز الدول، فإن اتجاه هذا المسار يعُد إيجابيًا.

وهناك سبب آخر يدعو للتفاؤل، وهو أن التكنولوجيا المالية باتت من قطاعات الأعمال المزدهرة العابرة للحدود، وبات ظهور الهواتف الذكية في حالة صعود، والواقع أن الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية وضعت طرق جديدة أمام الأفارقة لممارسة الأعمال، وإرسال الأموال والتعامل مع البنوك، بغضّ النظر عن مكان هؤلاء على مستوى القارة، وهناك التطبيقات التي تستهدف جماعات الهجرة التي تقوم بتحويل الأموال إلى الوطن، وشركات التأمين التي تقدم الخدمات عبر شركات المحمول، حتى شركات التأمين على الوفاة تقوم ببيع منتجاتها عبر الهواتف الذكية، وقطاع التكنولوجيا المالية ليس كبيرًا بالقدر الكافي لتأهيل الدول لتأسيس برامج انطلاق للتنمية المستدامة، لكنها أثبتت أن الدول لديها ما يجعلها قادرة على العمل سويًا من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية، وهذا التعاون يعُد عنصرًا حاسمًا فيما يخُص إيجاد قطاع صناعي على مستوى القارة قابل للاستمرار.

علاوة على ذلك، فإن الدول الصغيرة بدأت تحتضن ثقافة التصنيع، وفي إثيوبيا على سبيل المثال؛ فإن شركات النسيج الصغيرة تحاول خلق قطاع صناعي من لا شيء يمكنه الاستمرار ، وهناك شركة سول ريبيلز للأحذية التي توسعّت على مستوى العالم، وهي شركة تصنع احذيتها يدويا في أثيوبيا، وتقول مؤسِسة الشركة “بيتليم تيلاهون أليمو” إن لا نية لديها للاستعانة بعماله خارجية بينما تشهد شركتها نموًا مستمرًا.

والآن، وبشكل عام، فإن الطريق سيكون طويلًا أمام القطاع الصناعي في قارة إفريقيا، ولا تزال عملية افتتاح مصنع تواجه مشكلات ارتفاع التكلفة والبيروقراطية، ووفقًا لتقرير أصدره مركز التنمية الدولية في العام 2017 فإن المصانع الإفريقية الصغيرة تتكلف ما يزيد على قريناتها في أي مكان بنسبة 39%، أما المصانع الكبيرة والمتوسطة فتزيد تكلفتها بنسبة 50%. وعلى الرغم من المستويات المرتفعة للبطالة؛ إلا أن هناك ارتفاعا في تكاليف تشغيل العمالة في دول مثل جنوب إفريقيا وتنزانيا، وهذا الأمر غير مفهوم، حيث تبقى إفريقيا من أفقر القارات على مستوى العالم، والسبب في كلمة واحدة الا وهي الفساد. فهو يستشري على نطاق واسع بسبب تقديم الكثير من الرشاوى الصغيرة والتي تشكل كسبا غير مشروع.

وبدون تواجُد الإرادة السياسية القوية في الدولة؛ فلن يكون هناك الكثير من التغيير. وفي الوقت الذي يريد فيه الكثير من البشر في العديد من الدول تحرير أنفسهم من اثار الاستعمار؛ فلابد لهؤلاء من تسهيل عملية الاستثمار في القطاع الصناعي باعتبارها وسيلة للاستقلال، ويجب على الساسة تشجيع الاستثمار عبر سن القوانين التي تشجع على الصناعة والتجارة، وعليهم البحث عن طريقة افضل لمنع موظفي الحكومة من السعي إلى تلقّي الرشاوى باي وسيلة، وعليهم ان يقوموا ببناء البنية التحتية حتى يمكن للأفارقة ممارسة التبادل التجاري فيما بينهم، اعتمادًا على الميزة النسبية التي يمتلكونها، فإفريقيا تحتاج إلى أن نهضة اقتصادية

AFP PHOTO/RODGER BOSCH