إمكانات الطاقة الخضراء في إفريقيا تنتظر من يستثمرها

جوزيف دانا

أثارت الاضطرابات المفاجئة في أسعار النفط العالمية مخاوف جديدة حول جهود إزالة الكربون في إفريقيا، ونظرًا لأن الدول الغربية تبنت أهدافًا للخلاص من الكربون من خلال الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة المتجددة وغيرها من المبادرات، إلا أن إفريقيا تخلفت عن الركب، وبينما تنعم القارة بالعديد من أشكال الطاقة المتجددة، لكن لا يوجد رأس مال أو بنية تحتية أو حتى إرادة سياسية في العديد من الدول الأفريقية لبدء التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري. فهل سيكون ارتفاع أسعار النفط والغاز هو الشرارة التي ستشعل ذلك التحول؟

والجواب المباشر هو لا، فلا يمكن التفكير في تحول قابل للتطبيق في مجال الطاقة المتجددة بالنسبة للعديد من بلدان القارة الكبرى بسبب التكلفة الباهظة للتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، فضلاً عن العوائق الحكومية التي تحافظ على ارتفاع التكاليف، وحتى مع الأسعار القياسية التي نشهدها، لا يزال استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري للزعماء الأفارقة أرخص من التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة.

وتعد جنوب إفريقيا، والتي هي الدولة الأكثر تصنيعًا في القارة، خير مثال على تحديات إزالة الكربون، حيث يأتي أكثر من 90 في المائة من طاقة جنوب إفريقيا من مصادر غير متجددة، ويشكل الفحم نصيب الأسد من مصادر تلك الطاقة، وتحصل البلدان في شمال إفريقيا أيضًا  على أكثر من 90 في المائة من طاقتها من الوقود الأحفوري، بينما تحصل البلدان الواقعة في وسط إفريقيا على أكثر من 80 في المائة من طاقتها من مصادر الطاقة المتجددة، وأسطول جنوب إفريقيا المتعثر من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم بحاجة ماسة إلى الإصلاحات، ولكن لا توجد أموال كافية لذلك، بفضل عقد من الفساد وسوء الإدارة الحكومية.

والنتيجة هي استمرار انقطاع التيار الكهربائي الذي من المتوقع أن يزداد سوءًا في السنوات القادمة، والوضع في القارة ملائم بالنظر إلى وفرة أشعة الشمس وطاقة الرياح التي تميز مناخ جنوب إفريقيا، وعلى الرغم من تلك الوفرة، ترددت حكومة جنوب إفريقيا في موضوع منح عطاءات جديدة خوفًا من أن عائدات الكهرباء الوطنية سوف تنضب سريعا، وهو وضع معقد بلا داع، ويعكس صورة قضية أعمق تؤثر على العديد من البلدان الأفريقية.

وفي رد منشور على مقال نُشر مؤخرًا في “الفايننشال تايمز” حول العوائق التي تحول دون تحقيق أهداف صافي الصفر في إفريقيا، أشار فاضل كابوب، وهو رئيس المعهد العالمي للازدهار المستدام، ومحمد أدو، وهو مؤسس ومدير “بور شفت أفريقيا” إلى أن إفريقيا لا تستطيع إزالة الكربون من دون إنهاء الاستعمار.

وكتبوا: “يجب على [إفريقيا] إعطاء الأولوية لبناء البنية التحتية للطاقة المتجددة، والمعدات الزراعية، ومعدات المياه والصرف الصحي، فضلاً عن الصحة العامة، والتعليم، والبنية التحتية للمواصلات، وهذه هي الظروف التي ستسمح لأفريقيا بإنهاء الاستعمار وإزالة الكربون من اقتصادها مع تجنب مصائد الديون الخارجية، وأوجه القصور الهيكلية، والأصول المتعثرة بسبب الوقود الأحفوري، و” التنمية “الاستعمارية الخضراء”.

وبينما شهدت القارة نموا معماريا هائلاً ومعدلات تاريخية للتواصل من خلال زيادة الوصول إلى الإنترنت، لكن لم يكن هناك ظهور للطبقة الوسطى بشكل مستدام أو نمو في قطاع التصنيع الأفريقي، وقد غذى قطاع الصناعة القوي النمو الغربي وكان مكونًا رئيسيًا في صعود القوى الاقتصادية غير الغربية، مثل الصين والهند وغيرهما مما يسمى بـ “النمور الآسيوية”.

وقد كتبت قبل خمس سنوات أنه إذا أرادت البلدان الأفريقية تحرير نفسها من بقايا الاستعمار وإنشاء اقتصادات قوية، فيجب على القادة أن يكونوا جادين بشأن التصنيع، وتلك الفكرة هي أكثر صحة الآن من أي وقت مضى، وحتى قبل جائحة كوفيد -19، كان الجيل القادم من الأفارقة بحاجة ماسة إلى وظائف، وبحلول عام 2050 ، سيتضاعف عدد سكان إفريقيا تقريبًا إلى 2.5 مليار نسمة، والطريق الذي تم تجريبه واختباره للوصول إلى الاستقلال هو قطاع تصنيع قوي يستوعب العديد من العمال، ويوفر الإنتاج الضخم للعمال طريق من الطبقة العاملة إلى الطبقة المتوسطة وحتى إلى الإدارة العليا، وهو طريق لا يمكن لأي قطاع آخر توفيره.

ولا يحتاج قطاع التصنيع إلى التركيز على الصناعات الثقيلة التي تتطلب كميات كبيرة من الوقود الأحفوري، فبينما كان يتم تطعيم معظم سكان الدول الغربية ضد فيروس كورونا، كان على العديد من الدول الأفريقية الانتظار، لأنه لم يكن هناك إنتاج كبير للقاحات في القارة، وقد بدأ التحول في هذا الجانب ببطء، ولكن يمكن إنجاز المزيد.

ولكن لن يكون هناك تغيير يذكر بدون التزامات سياسية داخل البلدان الأفريقية وفيما بينها، ومع رغبة الكثير من الناس في تحرير أنفسهم من إرث الاستعمار، يجب تسهيل الاستثمار في قطاع الصناعة باعتباره طريقًا إلى الاستقلال، ويحتاج السياسيون الأفارقة إلى فسح المجال، عن طريق سن قوانين التصنيع والتجارة الميسرة، وإنهاء الفساد الذي يحد من روح الابتكار، وبناء البنية التحتية اللازمة للتجارة مع الجيران.

إن تنشيط الاقتصادات المحلية من خلال الاستثمار في قطاع الصناعة سيضع الأساس لإزالة الكربون لأنه سيوفر رأس المال اللازم لإجراء ذلك التحول، وفي حين أن اسعار البنية التحتية للطاقة المتجددة آخذة في الانخفاض، إلا أنها لا تزال باهظة الثمن بالنسبة لدول الأسواق الناشئة التي لاتزال تكافح للبقاء على قدميها، إن ازدهار التصنيع مثل ما حدث في الصين أو الهند من شأنه أن يوفر الأموال لجعل مثل ذلك التحول ممكنًا، والجزء المثير للإعجاب في ذلك التحول هو الإمكانات الهائلة الموجودة في الأسواق الأفريقية.

وقبالة الساحل الجنوبي في مدينة كيب تاون، و بعد 10 كيلومترات فقط من جنوب المحيط الأطلسي، توجد فعليًا كمية غير محدودة من طاقة الرياح، وقد أخبرني العديد من محللي الطاقة أن موارد الرياح هائلة لدرجة أنه إذا تم تسخيرها وترجمتها إلى طاقة، فإن جنوب إفريقيا سيكون لديها من طاقة الريح ما تمتلكه المملكة العربية السعودية من طاقة النفط، ويعد بناء البنية التحتية البحرية لاستثمار تلك الرياح مهمة مكلفة تتطلب تعاونًا دوليًا، فضلا عن استعداد حكومة جنوب إفريقيا لتبني مصادر الطاقة المتجددة، وسوف يستغرق الأمر بعض الوقت قبل توفر كل تلك العناصر، لكن احتمال تحويل إفريقيا  إلى قارة تعتمد على الطاقة النظيفة هو احتمال قائم وليس بعيد عن شواطئها.

 

جوزيف دانا هو رئيس التحرير السابق لـ ” إكسبونانشال فيو”  وهي نشرة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع، كما شغل منصب رئيس تحرير “إميرج 85” ، وهو مركز يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.