بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وسوريا، حان للتحالف العربي ان يتولى مسئولية المنطقة

جوناثان جرونال

لقد مضى سبعة عشر “17” عامًا على الضربات الجوية الأمريكية ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان، وتأتي تلك الضربات كبداية للانتقام الامريكي على الهجمات الإرهابية التي وقعت على الأراضي الأمريكية في الحادي عشر “11” من سبتمبر. إن غضب الدولة الأكثر قوة على ظهر الأرض، وهي غضبة لا يمكن لأحد تحملها، سيكون لها عواقب مأساوية على منطقة الشرق الأوسط والتي مازالت تتجرع أصداء تلك الغضبة حتى يومنا هذا.

ورغم ذلك، سيتضح في نهاية المطاف، أن تلك الهجمات بلا طائل، وخاصة بعد الفوضى الدموية التي عمت أفغانستان والمنطقة بأكملها والهجمات الأمريكية الرهيبة بصواريخ الكروز وقاذفات القنابل “B-52” في السابع “7” من أكتوبر العام 2001. وفي هذا الشهر، اجتمع ممثلو حركة طالبان والحكومة الأمريكية في “أبو ظبي” لإجراء محادثات من أجل وضع جدول أعمال قمة السلامة المزمع عقدها في العام القادم، وعكس هذا الاجتماع حقيقتين.

الأولى، أن حركة طالبان وبالرغم من إقصائها من السلطة في العام 2001، ماتزال قوة فاعلة في أفغانستان وتحكم قبضتها على نصف البلاد.

والثانية أن كلا الجانبين أدركا بعد فوات الأوان أن الحوار هو السبيل الوحيد لتك البلد التي شهدت في أغلب فترات العقدين الماضيين مستنقعًا من إراقة الدماء والانقسام بسبب التدخلات الأجنبية.

وتزعم أمريكا إن وجودها في أفغانستان كان من أجل قتل “أسامة بن لادن” أو أسره، ولكن في ظل البقايا المشتعلة لبرجي التجارة، اتضح في واقع الأمر أن الشعب الأمريكي متعطش للثأر ويمكن القول بأنه محق في ذلك. وكانت حركة طالبان، والمعروف عنها أنها ملاذ تنظيم القاعدة، قد عرضت تسليم الرجل الأخطر في العالم إلى إحدى دول العالم الثالث لمحاكمته، غير أن تلك البادرة لم تكن كافية لاسترضاء الولايات المتحدة الأمريكية. وعوضًا عن ذلك، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية عملية “الحرية الدائمة” والتي استمرت لفترة ما كان لأحد أن يتوقعها.

وبعد مرور سبعة عشر “17” عامًا، يتضح جليًا أن الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة الشرق الأوسط والعالم بأكمله قد تكبد ثمنًا باهظًا وذلك وفقًا للحسابات التي نشرها الشهر الماضي معهد واتسون للعلاقات الدولية والعامة ومقره الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أودت هجمات الحادي عشر “11” من سبتمبر بحياة حوالى 2,977 أمريكي ومواطنين من دول أخرى وكان أغلب المتوفين من المدنيين. وما بين فترة أكتوبر 2001 وأكتوبر 2018، قضت الحرب الأمريكية في العراق وأفغانستان وعبر الحدود الباكستانية على قرابة 500,000 نسمة.

كما أودت آلة الحرب الأمريكية في أفغانستان، وهي المسرح الذي انطلقت منه جميع الحروب، بحياة 147,000 نسمة، بالإضافة إلى مقتل 6,344 جندي أمريكي، ومقاولين مدنيين، و1,141 جندي من قوات التحالف لعدة دول مثل بريطانيا وألمانيا والدنمارك. ورغم أن ضحايا تلك الحرب والذي بلغ “7,485” قتيل يفوق ضعف ضحايا الحادي عشر “11” من سبتمبر، يظل هذا الرقم أقل أهمية بالنظر إلى عدد القتلى على مدار السبعة عشر عامًا الماضية والذي بلغ “38,480” قتيل من المدنيين في أفغانستان، و”58,596″ قتيل من قوات الجيش والشرطة الوطنية.

وفي مطلع هذا الشهر، أعلن الرئيس دونالد ترمب، في توقيت سيئ للغاية، عن سحب نصف قواته الموجودة في أفغانستان والبالغ عددها “14,000” جندي، حيث كانت وظيفتهم تدريب القوات الحكومية ومساعدتها. وستسحب أمريكا قواتها أيضًا من سوريا، بل إن المهام الاستشارية التي تقوم بها أمريكا في العراق محل نظر هي الأخرى.

وكانت حركة طالبان قد اشترطت في مباحثاتها مع واشنطن بخصوص محادثات السلام انسحاب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان. وبعد قرار دونالد ترمب، قال المتحدث باسم حركة طالبان لوسائل الإعلام معلقًا على هذا القرار المفاجئ “لم نكن لنتوقع هذا التجاوب العاجل من الولايات المتحدة الأمريكية، إننا نشعر بسعادة غامرة.”

ويبقى أن ننتظر لمعرفة ما إذا كان الانسحاب سيؤدي إلى مفاوضات بشأن السلام وتكون حركة طالبان جزءًا من تلك العملية السياسية، أو من شأنه أن يقنع الطرفان بأنه لا مناص للعودة إلى السلطة إلا بالاستمرار في القتل. وفي كلتا الحالتين، لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن هزيمة طالبان رغم ما بذلته من جهود مضنية لتحقيق ذلك.

وبهذا يتضح أن الأهداف الإستراتيجية الرئيسية من هجمات الحادي عشر “11” من سبتمبر هي نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار واستدراج الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحرب وإذكاء التطرف العالمي. وبالنسبة لمن تبنى ومازال يتبنى وجهة نظر “بن لادن” عن هذا العالم، شهدت السبعة عشر “17” عامًا الماضية نجاحًا منقطع النظير، وتكبدت أمريكا وحلفاؤها خسائر فادحة. وماتزال الهجمات الإرهابية تضرب شوارع العواصم الأوروبية، ولكن الأسوأ منها هو تقويض الديمقراطيات الغربية بسبب أحزاب أقصى اليمين الشعبوية والتي تسعى لنشر سياسات الانقسام وعدم التسامح.

إن تحركات دونالد ترامب لتغيير السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية رأسًا على عقب، وإثارة القلق في أنحاء الوطن العربي، هي للاستهلاك المحلي وخدمة أهداف ترامب الشخصية. وفي تغريدة له بخصوص رفضه تمويل الدور الأمريكي والتي قال فيها “إن شرطي منطقة الشرق الأوسط لا يأخذ شيئًا بل يقدم أرواح غالية وملايين الملايين من الدولارات لحماية الآخرين ممن، في جميع الأحوال، لا يقدرون ما يفعله”، ربما يسدي ترامب معروفًا كبيرًا لمنطقة الشرق الأوسط.

وإذا استطاع العالم العربي التخلي عن القوة الأمريكية في حل – أو تعميق – مشاكله، فسيكون حينها قادرًا على الاعتماد على نفسه، ومن ثم سيكون التحالف الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، والمقترح تسميته “الناتو العربي”، بداية جيدة نحو الاعتماد على الذات، ولهذا من الواجب الإسراع في تكوينه، كما أن دولة الخليج تدعم بالفعل قدراتها الأمنية.

وابتداء من السم الذي ينفثه المتعصبون المتطرفون في العالم العربي وصولاً إلى الوباء المتمثل في تدخل إيران في شئونه، يجب على دول العالم العربي التكاتف فيما بينها لتحديد مستقبلها وتطوير وسائلها لمواجهة التحديات المعقدة في القرن الواحد والعشرين. إن الأمر ليس سهلا وسيكون مكلفًا ويتطلب خيارات قاسية، بيد أن الشهادة الصامتة لنصف مليون قتيل منذ العام 2001 تشير إلى أن هذا الخيار، ورغم تكلفته الباهظة، سيكون ثمنًا مستحق السداد.

AFP PHOTO/WAKIL KOHSAR