بعد الوباء: تتلاقى أزمتان ويزداد خطر التغير المناخي

جوناثان جرونال

AFP Photo: Frederic J. Brown

عندما يسترجع المؤرخون ذكريات فيروس “كورونا” وتداعياته، فهل ما يستحضرهم هو مجرد التحول المؤقت في وجهات السفر حول العالم، أو تلك اللحظة التي تغير فيها أسلوب الحياة تغيرًا جذريًا وإلى الأبد؟

وكانت صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية قد أوردت في أحد عناوينها الرئيسة خبرًا بعنوان، يتسابق أتباع المدرسة المستقبلية، كعادتهم، للإعلان عن أن “فيروسات كورونا سيغير العالم وإلى الأبد”. ولكن، هل يمتلك فيروس كورونا حقًا “القدرة على إخراج [العالم] من نمط الاستقطاب السياسي والثقافي المتصاعد الذي يتسم به العالم عل مدار خمسين “50” عامًا”، أو أنه إشارة إلى “نهاية علاقتنا الرومانسية مع التقارب الاجتماعي، والفردية المفرطة؟”

وبالطبع لا. لأن تلك التنبؤات الصادرة عن “30 مفكرًا ذكيًا،” كانت نوعًا من التفكير بالتمني.

ومع مقارنة أزمة فيروس كورونا بالأحداث الهامة التي شهدها القرن الماضي – بدءًا من الحرب العالمية الأولى، وجائحة الأنفلونزا الإسبانية وما أعقبها من وفيات كبيرة والكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية، ثم القنبلة الذرية…. حسنًا، يمكنك اختيار حدثُا من تلك الأحداث الكارثية.

فهل غير أحدها الطريقة التي نعيش بها تغيرًا جذريًا وإلى الأبد؟

إن هجمات الحادي عشر “11” من سبتمبر وتبعاتها، على سبيل المثال، قد أوجدت قطعًا عقدين من الصراع المكلف. ولكن، هل باتت العلاقات الدولية غير متلونة نتيجة الدروس التي كان يجب تعلمها منذ عام 2001؟. قد يطغى فيروس كورونا ولو مؤقتًا على مسألة العلاقات الدولية، ولكن حالة الجمود المستفحلة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران توحي بأن الدول متلهفة أكثر من أي وقت مضى لتفضيل الافتخار والعزة بالقومية على المخاوف البشرية الأوسع.

ولنا في التاريخ عبرة وعظة، وهي أنه مهما كانت نهاية فترة ما من التاريخ في نظر من يشهدها، وعدم إدراكهم لذلك إلا متأخرًا، فإن مسار التقدم البشري يظل واضحًا وسلسًا نسبيًا، وفي صعود مضطرد.

وهذا لا يعني أن الجائحة الحالية لا تخفي خطرًا يحتمل أن يكون له عواقب كارثية طويلة المدى على الجنس البشري – ولكنها خطرٌ ناتج عن التقاء حدثين، وكان من المفترض أن يشكل كل واحد منهما تحديًا، ولكنهما مجتمعان ربما يشكلان أخطر تهديد واجهه العالم على الإطلاق.

وقبل ظهور فيروس كورونا “كوفيد-19″، كان الشاغل الرئيسي للعالم هو التهديد الذي يمثله الاحتباس الحراري على العالم. ومن الأشياء التي أثارت استياء الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش”، والذي حذر من أنه “في ظل كل الاهتمام المطلوب لمكافحة هذا المرض [يجب] ألا ننصرف عن الحاجة إلى التغلب على تغير المناخ”، أن ثمة أمرًا في غاية الخطورة وهو أن تداعيات فيروس كورونا قد تؤجل حتمًا العمل المطلوب للتغلب على التغير المناخي.

ونعلم جميعًا أن الاعتماد الهائل والعالمي على الطاقة المتجددة أمرًا ضروريًا إذا أردنا أن يتفادى العالم حالة من التغير المناخي التي لا رجعة فيها، وهو تطور من شأنه أن يعطل المجتمع البشري إلى الأبد، ويحصد أرواح أكثر بكثير من أي فيروس.

وكان تركيز الجهود الدولية على تحقيق هذا الأمر هو الغرض من المؤتمر السادس والعشرون للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، والمقرر عقده في “غلاسكو”، اسكتلندا، في نوفمبر، ويحضره وفود من جميع أنحاء العالم للكشف عن خططهم لتحييد أثر الكربون بحلول عام 2050. ومع ذلك، بات المؤتمر مؤجلاً، شأنه في ذلك شأن أي تجمع جماهيري آخر بدءًا من أولمبياد طوكيو وصولاً إلى إكسبو دبي 2020.

ونتيجة لانخفاض الإنتاج الصناعي، وضعف النشاط الاقتصادي، وتأثير الأخير على الأول، وبالتالي انخفاض إنتاج المصانع وما نتج عن ذلك من زيادة نسبة البطالة،  انخفضت بشدة حاجتنا العالمية للطاقة. وبات النفط أرخص مما كان عليه منذ أكثر من عقد. وهناك نطاق جديد لتداول النفط، وهو أقل عما كان عليه في السنوات العشر الماضية.

ومن السهولة بمكان معرفة نتائج هذا الأمر. وما السبب في الاستثمار في محطات الطاقة المستدامة باهظة الثمن، وتوليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، أو الاستثمار في أبحاث الطاقة المتجددة الحيوية، بعدما أصبح النفط فجأة رخيصًا جدًا، وهناك توقعات بأن يظل كذلك لبعض الوقت في المستقبل؟. في الواقع، لقد وجد أنصار الوضع الراهن فرصتهم لتغيير سياسات الحكومة التي تدعم مكافحة تغير المناخ ولكنها تحمل الشركات جزءًا من المسؤولية. ومن المتوقع أن تحصل المزيد من الصناعات على حرية أكبر للتحكم في الانبعاثات، تحت غطاء التحفيز خارج الميزانية العمومية.

ومن وجهة نظر المستهلك، لماذا تشتري سيارة كهربائية باهظة الثمن بينما أسعار المضخات منخفضة جدًا؟. وفي ظل الانكماش الاقتصادي الحالي، هل تمتلك الحكومات والشركات الرغبة أو الأموال للاستثمار في الشبكات اللازمة لمحطات الشحن؟

وكما نعلم من التاريخ، كلُ شيء إلى زوال. وعند القضاء على الفيروس، كما هو الحال، سنستعيد ذكاءنا، ونستأنف أنشطة إنقاذ الكوكب. والمشكلة الوحيدة هي أنه بحلول ذلك الوقت قد يكون الوقت قد فات.

لم يسبق وأن شهد العالم سيناريو يوم القيامة كهذا الذي يواجهه اليوم. إن فيروس كورونا “كوفيد-19” لن يقضي علينا، أو حتى يغير طريقة حياتنا إلى الأبد. لأنه سينتهي أيضًا. وعند القضاء على هذا الفيروس، تكون حكوماتنا المشتتة قد التفت إلى حقيقة أننا قد أصبحنا على شفا تغير المناخ، وأنه لا طريق للعودة.

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.