تزول الجائحة، والعولمة باقية

هنري جي باركي

AFP photo

أشارت سلسلة من المقالات الصحفية المنشورة حديثًا إلى أن العولمة هي أولى ضحايا فيروس كورونا. ورثى البعض رحيل العولمة، بينما ابتهج آخرون بهذا الطرح. ولا شك في أن هذه الأزمة كبدت كل مؤسسة وكل فرد خسائر فادحة، ومازال الوضع مستمر. وتعرضت العلاقات التجارية لخسائر فادحة، وقد لا يتعافى بعضها. ومع ذلك، وبسبب الصدمة الكبيرة التي تلقاها العالم، بات من الأهمية والسرعة بمكان بث الحياة في الاقتصاد العالمي مرة أخرى، وبالأخص بعد القضاء على هذا الفيروس. وفي الوقت الراهن، لن يرغب أحد في أن يضيع وقته هباء. وبدلاً من ذلك، ستعود العلاقات إلى مجراها بشكل طبيعي. ويمكن إن شئنا تسمية الأسلوب المتبع لإعادة العلاقات الاقتصادية إلى مجراها بأسلوب “الذاكرة العضلية”، غير أن الشركات والمؤسسات ستتبع أفضل الطرق لديها. وبكل بساطة، لا يمكن للعالم بوضعه الحالي أن يتجاوز هذه الأزمة إلا من خلال العولمة، وذلك على الرغم من الاضطراب المفجع الذي تعرض له العالم بسبب تلك الجائحة، والتهديدات الانتهازية الصادرة عن الشعبويين السياسيين.

وترتبط العولمة، كما يقول “ريتشارد بالدوين” في كتابه، “التقارب العظيم”، بوجود ثلاثة تغييرات أساسية. التغير الأول، وهو الحركة السلسة للسلع والخدمات. وبفضل التقدم في صناعة الشحن، ولاسيما اختراع صندوق الحاوية، يمكن نقل البضائع عبر مسافات طويلة دون عناء.

وساعد هذا على ظهور سلاسل القيمة العالمية، حيث لم يعد إنتاج هواتف “الآيفون” أو السيارات أو غيرها من المنتجات المصنوعة مقصورًا على دولة بعينها. وطبقت شركتي “هوندا” و”أبل” سلاسل قيمة شاملة ومتطورة، ومن خلالها يتم تصنيع مكونات منتجات كلتا الشركتين أو تصميمها في مواقع مختلفة لا تعد ولا تحصى. فجهاز “الآيفون” ربما كان تصنيعه في كاليفورنيا، ولكن الأجزاء المكونة له (بما في ذلك الآلات اللازمة لتصنيع تلك الأجزاء) مصنوعة في عدة أماكن على مستوى العالم، وتم تجميعها في الصين.

وقد سهلت تلك الابتكارات، بالإضافة إلى ابتكارات أخرى، التصنيع منخفض التكلفة، وهو ما عاد بالنفع على المستهلكين في جميع أنحاء العالم من خلال توفير منتجات رخيصة وبأسعار معقولة. ولم يكن المستهلكون وحدهم المستفيدون من تلك الابتكارات، حيث تحسنت مستويات المعيشة بشكل كبير في بلدان متنوعة مثل فيتنام وشيلي وتركيا. لقد أتيحت الفرصة لمئات الملايين من الناس للخروج من عنق الزجاجة حتى وإن كان الطريق أماهم مازال طويلاً.

والتغير الثاني الأساسي هو سرعة تبادل الأفكار وتوصيلها. ومن المسلم به، أن هذا التغيير لا يعطي دومًا النتائج المرجوة، لأن ما يصل إلى جميع الأشخاص حول العالم هو أسوأ الآراء عادة. والأهم من ذلك، هو أن عصر الإنترنت خلق بيئة لتمكين جميع الأفكار، العلمية أو الفنية أو الثقافية أو الإدارية أو حتى المرتبطة بالذوق، من الانتشار في جميع أنحاء العالم في غضون ثوانٍ. وبالتالي، ليس من الممكن فقط لرجل هندي متخصص في علم الرياضيات أن يعدل صيغة طورها نظيره الفرنسي، بل تستطيع الدول أيضًا، كما رأينا في أزمة الجائحة تلك، التعلم من بعضها بعضًا بخصوص أفضل الممارسات، ومن المحاولات الفاشلة.

ويتعلق التغيير الثالث بحركة الناس. وفي تلك النقطة، شهد العالم لأسبابٍ مختلفة نموًا غير مسبوقٍ في عدد المسافرين. ومن المفارقات، أن هذا مجال لم يشهد تطورات كبيرة لدرجة أن الطائرات لا تزال تطير بنفس السرعة التي كانت عليها قبل 30 عامًا. وبعد زوال الأزمة، سيستغرق الأمر بعض الوقت لإعادة بناء صناعات الطيران والسياحة اللتان هما وقود آلة العولمة. ولا غرابة في إذا استغرق الأمر وقتًا قبل أن يشعر الناس بالراحة الكافية والمغامرة بالسفر خارج أوطانهم.

إن تلك الأزمة لن تؤثر على مجالي الاتصالات الدولية أو التجارة. ومن المؤكد أن الحكومات والشركات ستطبق بعض التعديلات. وكشفت تلك الأزمة عن ثلاثة أوجه قصور صارخة، وهي أن بعض البلدان، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، قد استعانت بمصادر خارجية لتوفير الاحتياجات الحرجة، مثل الأدوية وكذلك المضادات الحيوية، إلى بلدان أخرى. كانت الشركات قد صمت سلاسل القيمة العالمية الخاصة بها بدقة بحيث لم يحدث أي ركود في أنظمتها، ولم تعبأ بتوفير المخزون اللازم خلال الاضطرابات الكبيرة.

وأخيراً، وبالنسبة لجميع النقاشات التي تدور على الساحة الدولية، بات غياب الثقة، وخاصة على المستوى الحكومي، هو الأمر المقلق والمزعج. وحاول الصينيون التكتيم على أخبار الجائحة، وأثبت الأمريكيون أنهم راضون عن تقديرهم لحجم التهديد الذي تشكله الأزمة، بينما تقضي الجائحة على الدول الأخرى. وكانت الأزمة أكبر من أن تتعامل معها دولة واحدة، وهناك حاجة لمزيد من التعاون على المستوى العالمي وليس أقل من ذلك، ولا تزال الحاجة مستمرة.

ومع ذلك، سيظهر المنتقدون الذين يستغلون أزمة الفيروس التاجي لتطبيق سياسات حمائية، وبناء الجدران، جسديًا وعقليًا، على أمل العودة إلى الأيام الخوالي من القرن السابع عشر، عندما كانت الدولة في أوج مجدها. وكانت هذه نظرة صفرية للعالم، ويبدو أنها استعادت قدر كبير من مصداقيتها مع أمثال دونالد ترامب. وكان البعض في إدارة “ترامب”، أمثال وزير التجارة “ويلبر موس”، فرحًا في بداية الأزمة في الصين بعض الشيء عندما أشار بدون تقدير إلى أن الوظائف ستعود الآن إلى أمريكا. وهذا مرض شعبوي ويصيب الآخرين، بما في ذلك على الطرف المقابل في الإدارة أمثال “بيرني ساندرز”، وإن لم يكن بنفس الطريقة تحديدًا. ولا يختلف الاثنان عن “مارين لوبان” في فرنسا، أو “فيكتور أوربان” في المجر، أو “52%” من الشعب البريطاني الذين اختاروا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وعلى الأرجح، ستنظر القوى الشعبوية إلى ذلك باعتباره فرصة العمر التي لن تتكرر لإحداث تغيير مفاجئ للعولمة. ولن تنجح هذه المحاولة على الأرجح لأن المارد قد خرج من القمقم. إن تكلفة إلغاء مكاسب العولمة باهظة، وخاصة في الوقت الذي تكون فيه العودة السريعة إلى القدرات الإنتاجية ضرورية، ولا يمكن لأحد أن يضيع الوقت في تفكيك المبادئ القائمة.

ومع ذلك، تشير هذه الأزمة إلى ضرورة إجراء إصلاحات في النظام الاقتصادي، وهي إصلاحات لن تأتي إلا من جانب السلطات السياسية. والأهم من ذلك، إذا كنت تعتقد أن الفيروس التاجي كارثة، فانتظر حتى تطغى أزمة المناخ على العالم.

هنري ج. باركي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليهاي، وزميل أقدم مساعد لدراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية.