بعد الجائحة: هل بات وجود نظامًا عالميًا تقوده الصين أمرًا حتميًا؟

جريج سي برونو

AFP Photo: Nicolas Asfouri

عند مطالعة أي موقع أو صحيفة إخبارية، سنلاحظ وبسهولة مدى العداوة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بسبب جائحة فيروس كورونا. ولكن وراء تلك العناوين الصحفية هناك صراع آخر قد يثبت أنه أكثر أهمية: إنها معركة معارضة الأنظمة العالمية.

في الأسبوع الماضي، كان هذا الصراع على الملأ خلال الاجتماع السنوي لمنظمة الصحة العالمية. وفي اليوم نفسه والذي تعهد فيه الرئيس الصيني “شي جين بينغ” بتقديم ملياري دولار أمريكي على مدار عامين لمساعدة منظمة الصحة العالمية في مكافحة فيروس كوورنا المستجد “كوفيد-19″، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهدد بفعل العكس. وفي رسالة له على تويتر تحمل عنوان “بدون إصلاحات جوهرية”، كتب ترامب، إن التمويل الأمريكي – وحتى العضوية نفسها – قد تنتهي.

إن الاستبقاء الخطابي والمالي على حساب منظمة الصحة العالمية ضاربًا بجذوره في السياسات المحلية لكل بلد، هذا من ناحية. وفي ظل الاضطراب التي تواجهه حملة إعادة انتخاب ترامب بسبب تصاعد عدد القتلى جراء فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، ومراقبة الإجراءات التي يتخذها الرئيس الصيني بعد معالجته للأزمة في مهدها، يتخذ الزعيمان خطوات يرون أنها ضرورية لدعم المشروعية المنهكة في الداخل.

ومن ناحية أخرى، فإن الصراع على الزعامة داخل أروقة منظمة الصحة العالمية له علاقة أكبر بآراء الزعيمين المتعارضة بشأن النظام الدولي، وبالمؤسسات متعددة الأطراف المكونة لهذا النظام. وعلى مدار أكثر من سبعة عقود، ابتكر الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية العديد من الاختصارات التي ظهرت للسيطرة على العالم بعد الحرب العالمية الثانية – بدءًا من “Nato” وصولاً إلى “WTO”. وأثبت التعامل الفاشل مع أزمة فيروس كورونا المستجد أن هذا العصر قد ولى، وبات السؤال، ما هو العصر البديل؟

والجواب الأكثر صدقا هو أنه لا أحد يعلم يقينًا ما البديل. ولكن بالنظر إلى أنه لا توجد دولة إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لديها القدرة على إعادة تشكيل النظام العالمي تمامًا مثل الصين، فإن أفضل طريقة للتنبؤ هي النظر عن كثب فيما تريده بكين.

وبالنسبة للنخبة في الصين، فإن إحدى المشكلات الرئيسية للنظام الحالي هي أنه بني على المعايير والقيم – الليبرالية وحقوق الإنسان الأساسية – التي تمليها الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن لأن هذه القيم تشكل تهديدًا لحكم الحزب الواحد، فإن الصين لديها منظور مختلف تمامًا حول المسؤوليات الأساسية للقوة العظمى العالمية.

وفي شهادته أمام الكونجرس في مارس، كتب “نادجيه رولاند”، زميل متميز لدى المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الآسيوية، “وبينما يعتقد الغرب أن تعزيز الديمقراطية الليبرالية يمكن أن يساعد في تحقيق السلام والازدهار العالميين، فإن الحزب الشيوعي الصيني يلقي باللوم على الدعم العالمي لما يسمى “بالقيم العالمية ” للصراع والاضطراب في جميع أنحاء العالم. وإن البديل المفضل لدى الصين هو نظام عالمي متجذر فيما يسميه رولاند بـ “مناهضة الأيديولوجية” – وهو نظام من التكامل العالمي، وفيه تستطيع كل دولة أن تختار نماذجها السياسية والاقتصادية الخاصة بها.

وفي قلب هذه الرؤية، يوجد عالم من التواصل مركزه الصين، حيث تشكل المعايير التي وضعتها بكين أساس المشاركة. على عكس واشنطن، والتي تطبق الشروط السياسية والاجتماعية على شركائها، فإن نسخة بكين من الهيمنة محايدة. وشروطها بسيطة، وهي: احترام سلطة الصين ومصالحها، وجني الفوائد الاقتصادية والسياسية.

والرئيس الصيني “شي” ليس أول زعيم صيني يناصر مثل هذا النظام العالمي. وفي الواقع، إنه نظام يشبه الجزية والتي شكلت أساس القوة الإمبراطورية الصينية لقرون. ولكن على عكس أسلافه المعاصرين، فإن الرئيس الصيني “شي” يمتلك مقومات إنشاء هذا النظام العالمي. فعلى سبيل المثال، مبادرة الحزام والطريق، والتي تهدف إلى ربط الصين بأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط وما وراءها من خلال التجارة والبنية التحتية والتواصل بين الناس، هي من نواح عديدة تجديد للنهج الإمبراطوري للصين.

وبالإضافة إلى مبادرة الحزام والطريق، فإن الصين تنخرط في بناء المؤسسات التي تهدد بشدة ذلك النظام الليبرالي. وتنفذ بكين ذلك من خلال إعادة تشكيل المؤسسات المتعددة الأطراف من الداخل، وفي الوقت نفسه إنشاء بنية متنافسة يمكنها التأثير من البداية.

وعلى سبيل المثال، في عام 2018، عززت زيادة رأس مال البنك الدولي حقوق التصويت الخاصة بالصين، مما جعلها في المرتبة الثالثة من حيث الأعضاء الأكثر تأثيرًا. ولكن في الوقت نفسه، كانت بكين تجهز أدوات تطوير خاصة بها لنشر نفوذها، ومنها البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وصندوق طريق الحرير، وبنك التنمية الجديد، ومنصة 17 + 1 في وسط أوروبا وشرقها. وداخل تلك المؤسسات تنفذ صين خطتها.

وبالنسبة للبعض، وخاصة في جنوب الكرة الأرضية، فهناك جاذبية في هذا النظام الدولي الذي تقوده الصين. وفي الوقت الذي تتخلى فيه الولايات المتحدة الأمريكية عن دورها القيادي العالمي، تفعل الصين عكس ذلك.

لكن مؤيدي القيم والمعايير الليبرالية – وأي شخص يمقت انتهاك الصين لحقوق الإنسان الأساسية – يرون ان رؤية بكين هي رؤية محدودة ومخيفة أيضًا. ويقول “جود بلانشيت”، باحث صيني في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، إن طموح الصين يتزايد، وهذا يجب أن يقلق الغرب. ويقول بلانشيت: “لا يعني هذا أن الصين تريد السيطرة على العالم”. “لكنني أعتقد حقا أن الحزب يعيد التفاوض بشأن دوره في العالم، وأنا أشعر بالتوتر الشديد عندما أفكر في تلك الصورة.”

ولسوء الحظ، فإن خيارات إعادة صياغة النص محدودة، وخاصة أن إدارة ترامب ليس لديها إستراتيجية واضحة لتحدي الصين في الأماكن التي يزداد فيها نفوذ بكين. وبينما يدعى البعض بأن الإجراءات الصارمة – مثل تفكيك منظمة التجارة العالمية وعقد مؤتمر بريتون وودز 2.0 “مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي”- هي القادرة فقط على إنقاذ النظام الليبرالي، حتى التوصيات الدقيقة (مثل زيادة الدبلوماسية العامة، وتركيز المزيد من جهود البحث عن إستراتيجية الصين) تتطلب قيادة غير موجودة حاليًا.

وعلى عكس فترة الحرب الباردة، والتي قسمت الأمم إلى معسكرين متباينين، بات العالم اليوم مترابطًا أيضًا بقواعد ومعايير منفصلة. ولذلك، يجب على الدول التي تقدر الليبرالية وحقوق الإنسان كمبادئ تأسيسية أن تعمل بسرعة على صياغة سياسات واستجابات اقتصادية تتحدى بشكل مقنع سرد الصين. وإذا فشلت تلك الدول في ذلك، فإن حرب الكلمات التي يركز عليها ترامب بشدة ستكون بلا معنى مقارنة بالمعركة الإيديولوجية التي تبدو الصين مقتنعة بأنها قادرة على الفوز بها.

 

جريج سي برونو، مؤلف كتاب “بركات من بكين: داخل حرب القوة الناعمة للصين على التبت”. شغل “جريج” عضوًا في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، ومحررًا عمود رأي سابق لدى جريدة ذا ناشونال” في أبوظبي، و”بروجيكت سنديكيت” في براغ.