بعد الجائحة: ثمة أوهام بأن فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” سيُنقذ العالم من الكارثة البيئية

جوناثان جرونال

AFP Photo: Jung Yeon-je

عندما تشد الأزمات، فمن الطبيعي أن يبحث الإنسان عن مخرجٍ. ولا عيب في ذلك – لأنه تعزيزًا للروح المعنوية. وإنه لمن السذاجة والخطورة بمكان هذا الاعتقاد المتزايد بأن جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، وبسبب تأثيرها على الاقتصاد العالمي، ستكون الحل لظاهرة الاحتباس الحراري.

وباتت الوكالة الدولية للطاقة آخر من يسعى للترويج لتلك الأمنية، والتي تستند بحسب الظاهر إلى ملاحظة السماوات الصافية فوق المناطق الصناعية المتوقفة، ومشاهدة الأسماك لأول مرة في القنوات المائية في البندقية والتي باتت الآن خالية من السياح.

وتأسست الوكالة الدولية للطاقة بعد اندلاع أزمة النفط عام 1973 من أجل تأمين وصول الوقود الأحفوري للدول الصناعية المتعطشة للطاقة. وتوقعت الوكالة الدولية للطاقة في تقريرها عن الطاقة العالمية لعام 2020، بأنه بفضل فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، فإن انخفاض الطلب على الطاقة هذا العام سيقلص من تأثير الأزمة المالية لعام 2008، وسنشهد انخفاضًا قياسيًا في انبعاثات الكربون بنسبة 8 بالمائة تقريبًا في عام 2020. ويقول المدير التنفيذي للوكالة، فاتح بيرول، “لم تؤثر فترة الركود السابقة على استخدام الطاقة المتجددة كما تأثرت الكهرباء “.

وأقر “فاتح” بأنه كان ومازال من السابق لأوانه تحديد التأثيرات بعيدة المدى لانخفاض الطلب على الطاقة، غير أن صناعة الطاقة الخارجة من عباءة هذه الأزمة ستختلف اختلافًا كبيرًا عن سابقتها” – وهو تنبؤ جرى المبالغة فيه في أحد العناوين الصحفية المعتادة تحت عنوان “الوكالة الدولية للطاقة تقول بأن أزمة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” ستنهي الطلب على الوقود الأحفوري.

والأمر الحقيقي هو أن استخدام مصادر الطاقة المتجددة ينمو بشكل مطرد دون أي مساعدة من فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”. ورغم ذلك، مازالت الطاقة المتجددة مجرد جزءًا صغيرًا من أنواع الطاقة على كوكب الأرض. ووفقًا لأحدث التقارير الإحصائية عن الطاقة العالمية والصادر عن شركة “بريتيش بتروليوم- وهي الجهة المعترف والموثوق بها عالميًا كمصدر لبيانات الطاقة الدقيقة – في عام 2018، نمت الطاقة الناتجة من مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 14.5 في المائة، لكنها لا تزال مجرد جزءًا صغيرًا من الطاقة في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، الموطن لكثيرٍ من احتياطيات النفط العالمية.

وفي عام 2018، أنتج العالم “26,614,8” تيراواط/ساعة من الكهرباء. وشكلت الطاقة المتجددة “2,480” تيراواط/ساعة فقط، أو “9,3%” من الإنتاج العالمي. وسجلت الصين والولايات المتحدة الأمريكية نسبة مئوية مماثلة. وفي العام 2018، شكلت الطاقة المتجددة في أوروبا “18,6%” من مزيج الطاقة.

وضعت كلا من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة خططًا للتنويع بعيدًا عن الاعتماد على الوقود الأحفوري، ولكنه من المبكر جدًا تحقيق ذلك. وفي عام 2018، أنتجت الدولتان “383,8” و”136,9″ تيراواط/ساعة على التوالي؛ ولم تشكل الطاقة المتجددة سوى “0,2” و”1,0″ تيراواط/ساعة. وفي منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ساهمت الطاقة المتجددة بنسبة “0,64%” فقط من إنتاج الكهرباء.

وتوضح هذه الحقائق الدامغة أن مصادر الطاقة المتجددة في وضعٍ لا يمكنها معه التخلص من الوقود الأحفوري. ويجب أن نذكر واقعيين اقتصاديين آخرين يقضيان عل أوهام بأن هذا الوباء سيجعل العالم مكانًا أكثر خضرة.

الواقع الاقتصادي الأول، وهو اليقين بأنه عند القضاء عل الوباء نهائيًا، فإن الشركات والاقتصادات حول العالم ستبذل قصار جهدها لتعويض الوقت الضائع والأرباح. ويتضح هذا فعليًا في الدعوات المبكرة غير المسؤولة في جميع أنحاء العالم لرفع الإغلاق.

وفي ظل التعجيل بالعودة بالحياة إلى طبيعتها، لن يتمكن سوى الوقود الأحفوري – المتاح بكثرة وعند الطب – من تلبية الطلب الهائل المفاجئ على الطاقة. ولن يستثمر أحد في مشاريع الطاقة متجددة طويلة الأجل. ونتيجة لذلك، فإن المكاسب البيئية التي حققها الفيروس ستكون قصيرة الأجل. وستختفي الأسماك من قنوات البندقية.

والواقع الاقتصادي الثاني هو مخزونات النفط الضخمة التي تراكمت. وهي حقيقة اقتصادية تتراكم وأشبه بالفيضان خلف سد ضعيف. ومع هبوط أسعار النفط، وصهاريج التخزين الممتلئة عن آخرها، هناك الآن تقارير عن ناقلات عملاقة خاملة تحمل نفطًا كافيًا لتلبية الطلب اليومي العالمي بأكمله زيادة عن المطلوب مرتين.

وسواء شئنا أم أبينا، فإننا مقبلون على موجة عارمة من الطلب على النفط، وبأسعار لن يتحملها الا القليل من الاقتصادات، لخلق انتعاش اقتصادي من الممكن ان يقودنا نحو حافة الهاوية من الاحتباس الحراري.

وفي الشهر الماضي، قال “أنطونيو غوتيريش”، الأمين العام للأمم المتحدة، في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، بقدر الضرر الذي يشكله فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، فإن اختلال المناخ يقترب من نقطة اللاعودة، والأزمة البيئية للكوكب هي “أزمة طارئة أشد وطأة”. وحث “أنطونيو” الحكومات أن تتخلى، بعد قضائها على الجائحة، عن دعم الوقود الأحفوري، و”الاستثمار في المستقبل، وليس في الماضي”.

فهل ستفعل الحكومات ذلك؟ أم ستستغل الوقود الأحفوري لتحفز الاقتصادات التي توقفت عند مستويات منخفضة تاريخياً؟

وفي عام 2018، زاد مستوى استهلاك الطاقة على مستوى العالم بنسبة “2,9%”، وهو أسرع معدل للنمو منذ عام 2010. كما زادت انبعاثات الكربون بنسبة “2%” – وهي أسرع زيادة منذ سبع سنوات. وزاد استهلاك جميع أنواع الوقود باستثناء مصادر الطاقة المتجددة بشكل أسرع من متوسط استهلاك عشر سنوات.

وخلص “سبنسر ديل”، كبير الاقتصاديين في شركة بريتيش بتروليوم، إلى نتيجة قاتمة من كل هذا وأوردها في تحليله للتقرير الإحصائي للطاقة العالمية لعام 2019. وكتب، “بينما يلح المجتمع على الانتقال المتسارع إلى نظام منخفض الكربون للطاقة”، “فإن بيانات الطاقة لعام 2018 تقدم صورة مقلقة”. والحقيقة هي أن وتيرة التقدم “لا ترقى إلى حد كبير للانتقال المتسارع الذي تتوخاه أهداف اتفاق باريس للمناخ، والعالم يسلك طريقًا غير مستدام”.

وللأسف، إن جُل ما نتمناه فقط هو أن نتيقن، بعد أن يخرج العالم من كنف فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، بأن تسمع الاقتصادات العالمية لمطالبات العلماء والأمم المتحدة، بشان استخدام الطاقة المتجددة بشكل كامل كبديل عن الوقود الأحفوري، الأمر الذي سينقذ العالم في الوقت المناسب من الاحتباس الحراري العالمي المحتوم.

 

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.