بعد ظهور الوباء: اسعار النفط قد هبطت، لكن العالم لا يزال يحتاج للنفط لعقود قادمة

أفشين مولافي

AFP photo: Joe Klamar

 هل تتذكّر حين وصل سعر النفط إلى 165 دولارًا؟، ربما يكون هناك ما هو أكثر من الحنين لتلك المسألة بالنسبة لرواد صناعة النفط والمنتجين بمنطقة الشرق الأوسط بعد هذا الانهيار الدراماتيكي لأسعار النفط الخام، وذلك بعد فشل المحادثات التي جرت الشهر الحالي بين المملكة العربية السعودية ومجموعة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وروسيا، وكذا انخفاض الطلب على النفط عالميًا بسبب انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19).

ومن الصعب أن نتصور أن سعر خام برنت – الذي يعُد السعر القياسي العالمي للنفط – سيصل إلى 165دولارًا في يونيو من العام 2008، وذلك قبل انتشار الأزمة المالية من الولايات المتحدة إلى خارجها لتصبح أزمة مالية عالمية، مما تسبّب في انهيار الأسواق على مستوى العالم، وتلك الأيام ولّت منذ وقت طويل. والواقع أن مُعظم منتجي النفط سيشعرون بالسعادة إذا ما وصل سعر النفط مجددًا إلى 65 دولارًا، ناهيك عن 165 دولارًا، وسعر خام برنت يبلُغ حاليًا 30 دولار تقريبًا.

والأهم هو أن النفط لا زال يمثل أهمية بالغة للاقتصاد العالمي، وهذا الوضع في الغالب لن يتغيّر على مدار الأعوام العشرة القادمة وما وراءها، وعلى الرغم من القلق المتصاعد بسبب الوقود الحفري والتغير المناخي، والحديث المتزايد حول مستقبل العالم بعد انتهاء مرحلة الكربون، فإن تلك المرحلة سوف تأتي لكن ربما بعد زمن طويل بحيث لن يشهدها أحد من قراء هذا المقال.

وحتى بعد الطفرة في مجال السيارات الكهربائية (التي لم تصبح واقعًا ملموسًا حتى الآن)، فإن الغالبية العظمى من تلك السيارات سوف تحتاج للشحن بالكهرباء التي يتم الحصول عليها عبر احتراق الوقود الحفري، لذا سيبقى النفط عنصرًا يتمتع بالأهمية، والواقع أن 40% من برميل النفط تقريبًا يذهب إلى إنتاج وقود السيارات، وباقي برميل النفط يُستخدم في أغراض مثل تموين الطائرات وصناعة البلاستيك والبتروكيماويات، وتلك الأخيرة تعُد عنصرًا حيويًا في صناعة الأسمدة التي نحتاجها لإنتاج المحاصيل وإطعام سكان كوكب الأرض البالغ عددهم 7.7 مليار نسمة.

ويستهلك العالم يوميًا حوالي 97 مليون برميل من النفط، ووفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية فإن استهلاك العالم من النفط سوف يصل إلى 105 ملايين برميل يوميًا بحلول العام 2030، وحتى لو توقفت عملية الزيادة على طلب النفط بحلول العام 2030 وما بعده كما تشير التوقعات؛ فإن النفط سيظل يلعب دورًا محوريًا بالنسبة للاقتصاد الدولي خلال حقبة ما بعد العام 2040.

 وجميع تلك الأنباء تعُد أنباء سارة على (المدى الطويل) بالنسبة لمنتجي النفط في الشرق الأوسط وروسيا والولايات المتحدة، وذلك على الرغم من صعوبة تخيُل أن هناك شعاع من الضوء وسط السحب القاتمة المنتشرة خلال الحقبة الحالية، وبعد كل هذا فإن ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي لا زالت تعتمد بشكل أساسي على صادرات النفط، مثلهم مثل دول إقليمية أخرى منتجة للنفط والغاز، لذلك فإن آفاق المشهد على المدى القصير لا تأت بأخبار سارة.

ولكن إلى أين نحن ذاهبون؟، هناك 3 مؤسسات رئيسية تتحكّم في توقعات إنتاج النفط، وهي وكالة الطاقة الدولية و”إدراة معلومات الطاقة” ومقرها الولايات المتحدة ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)،  وتلك المؤسسات تتوقّع أنه سيكون هناك فائض هائل من النفط تشهده الأسواق العالمية في العام 2020، وأحد أسباب هذا الفائض هو زيادة الإنتاج التي قامت بها كل من المملكة العربية السعودية وروسيا، وهما من ضمن أكبر 3 دول منتجة للنفط على مستوى العالم، وهناك سبب آخر أكثر أهمية لمسألة وجود الفائض، وهو انهيار الطلب على النفط بسبب انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19).

وعملية نمو الطلب على النفط في العام 2020 ستنهار بشكل سريع، ووفقًا لتحليل صادر عن مؤسسة “رابيدان للطاقة” المتخصصة في الاستشارات النفطية عالميًا، فإن نمو إمدادات النفط القادمة من دول بخلاف أعضاء منظمة (أوبك) من المتوقّع أن تتجاوز نمو الطلب بقيمة 1.7 – 2.2 مليون برميل من النفط يوميًا، وهنا يبرز مبدأ اقتصادي هام: الكثير من فائض إمدادات النفط مع تهاوي الطلب على النفط يؤدي إلى انخفاض الأسعار.

وقد أخبرني روبن ميلز وهو محلل بارز في مجال النفط يقيم في دبي، كما أنه كاتب عمود في مجلة سنديكيشن بيورو أن “الأسعار من المتوقع أن تشهد المزيد من الانخفاض كما أنها ستتعافى ببطئ بعد ذلك”، وميلز؛ شأنه في ذلك شأن باقي المحللين الذين عزو مسألة هبوط الأسعار إلى “الانهيار التام لعملية الطلب مع استمرار إنتاج وتخزين النفط”، وهو يعتقد أن تلك المسألة ستؤثر بشكل هائل على أسواق النفط حتى لو لم تندلع حرب الأسعار بين المملكة العربية السعودية وروسيا، “ومن المتوقّع أن تمر فترة من الزمن قبل عودة سعر النفط ليتراوح بين 60 – 80 دولارًا للبرميل”.

وتمثلت معضلة النفط الأهم على مدار الأعوام العشرة الماضية في ارتفاع إنتاج الولايات المتحدة، مما جعلها أكبر مُنتِج للنفط على مستوى العالم. لكن فريد محمدي وهو خبير بارز في صناعة النفط يقيم في واشنطن يرى أن هناك مشكلات في المستقبل ستواجه منتجي النفط الصخري الأمريكي، وقد أخبرني بأن “الكثير من منتجي النفط الصخري سيتعرضون للانهيار”.

وبينما تعُد تلك هي الحقيقة إلى حد ما؛ إلا أن صناعة النفط في الولايات المتحدة ستظل قوية، وعلى الرغم من انخفاض التكاليف عامًا بعد عام فإن صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة تعُد أغلى بكثير من العديد من دول الشرق الأوسط أو روسيا، وانخفاض الأسعار سيؤثر بشكل أكبر على الأفراد من منتجي النفط الصخري الأمريكي، لذا فإن الكثير منهم سيتعرض للانهيار.

ويقول محمدي :”علاوة على ذلك فإن العلاقة بين وول ستريت وبين منتجي النفط الصخري قد ولّت، والكثير من مصادر التمويل ذهبت وستظل الأمور في طريق الهاوية”. وبينما يمكن لشركات الطاقة العملاقة تمويل العمليات من خارج الميزانية العامة لتلك الشركات وأن تحصل على قروض بفوائد بسيطة، فإن منتجي النفط الصخري لن يستطيعون القيام بذلك، وبدون وجود مصادر تمويل فإن هؤلاء سيتعرضون للفناء.

وفي النهاية فإن أسواق النفط غالبًا ستعود للاستقرار، وهذا كان عهدها دائمًا، وسيتم السيطرة على فيروس كورونا وسيعود الطلب على النفط إلى الارتفاع مجددًا، وسواء حدث هذا الأمر في العام 2020 أو 2021 فإن القليل يمكنهم إدراك هذا الأمر، وبينما يميل أصحاب النظريات والمحللين إلى تبنّي مبدأ “انتهاء حقبة النفط” فإن سوق النفط مستمر في طريقه بثبات، وهو لا يعبأ بالضجيج الذي يثيره المنتقدون ومستمر في دورته لا يوقفه عائق، وسيظل داعمًا للاقتصاد المعاصر على الأقل خلال العقدين القادمين.

أفشين مولافي هو أحد كبار الزملاء في معهد السياسة الخارجية بكُلِيّة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، كما أنه رئيس تحرير ومؤسِس مؤسسة نيو سيلك رود مونيتور.