كيف يمكن مساعدة أفغانستان؟ لا خيار سوى مساعدتها

مايكل جينينغز

AFP photo: Hoshang Hashimi

كيف يمكن مساعدة الشعب الأفغاني من دون مساعدة طالبان؟ هذا هو السؤال الذي يؤرق الدول المانحة ومنظمات الإغاثة منذ سقوط كابول، فمن المؤكد وجود حلول وتجارب مماثلة يمكن استقائها من الماضي؛ ولكن لا شيء يبدو مثاليًا، وقد تصل بنا جميع الخيارات إلى طريق واحد، وهو ما يمثل معضلة أخلاقية خطيرة حول أزمة إنسانية تلوح في الأفق.

ومع تقدم طالبان الأخير والسريع في كابول، تراجع المانحون عن مساعدتهم، وعلقت ألمانيا والسويد مساعدات التنمية، كما فعل الاتحاد الأوروبي ذات الشيء، بالرغم من إعلانه عن تقديم 200 مليون يورو كمساعدات إنسانية، وفي غضون ذلك، علق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تدفقات المساعدات التي ستخضع مباشرة لسيطرة النظام الجديد، بينما ألتزمت المملكة المتحدة بتقديم المساعدة الإنسانية (وأوقفت تجميد المساعدات الكبيرة الممنوحة لأفغانستان، و التي تم إيقافها في وقت سابق من العام)، وستقدم تلك المساعدات من خلال جهات فاعلة غير حكومية؛ كما ذكرت إنها قد تستخدم المزيد من المدفوعات كأداة لمحاسبة حكومة طالبان.

ومنذ عام 2001 وبعد سقوط نظام طالبان الأول أمام الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، قدم المانحون 65 مليار دولار من المساعدات، واستخدموا تلك المساعدات في المطالبة بإصلاحات في الحكم والالتزام بحقوق الإنسان، وتضمنت المحادثات الأمريكية مع طالبان التي بدأت في عام 2018 موضوع التزام الحركة بالسماح ودعم تعليم الفتيات، وحماية حقوق الأقليات العرقية وغيرها من قضايا حقوق الإنسان. و يستمر استخدام المساعدة كعنصر “ترغيب وترهيب” لضمان الامتثال، (بالرغم من إنه تم إحراز تقدم ضئيل، لا يتجاوز الالتزامات الغامضة قبل انهيار إدارة أشرف غني وخروج القوات الغربية).

وبالطبع هذه ليست معضلة جديدة، فقد واجهت الجهات المانحة تحديات مماثلة مع الظهور الأول لحكم طالبان، فعزف المانحون عن العمل مع حكومة استبعدت الفتيات والنساء من الحياة المدنية والخدمات الحيوية، فضلاً عن اعتبارها دولة راعية للإرهاب، وبالتالي قاموا بتوجيه المساعدات من خلال المنظمات الدولية وغير الحكومية.

وحديثاً، ذكرت المنظمات الدولية كبرنامج الغذاء العالمي واليونيسيف وبعض المنظمات الدولية غير الحكومية كالمجلس النرويجي للاجئين ومنظمة أطباء بلا حدود والمنظمة غير الحكومية لإزالة الألغام، ذا هالو تراست، إنها ستواصل عملياتها في البلاد، ويُعد هذا حلاً محتملاً للتحدي المتمثل في ضمان استمرار دعم الفئات الأكثر ضعفًا.

ولا يُعد تجاهل النظام السياسي القائم حلاً مثالياً، ففي التسعينيات، أُجبرت وكالات مثل اليونيسف وصندوق إنقاذ الطفولة على تعليق عملياتها عندما تعرض عمالها للتهديد، كما أوقفوا أنشطتهم في الأماكن التي منع فيها مسؤولو طالبان الفتيات من الذهاب إلى المدارس، وخلال الأسبوع الماضي، رأينا بالفعل تقارير تظهر عن هجمات موجهة على موظفي الأمم المتحدة المحليين، على الرغم من تأكيدات قادة طالبان بأنهم يستطيعون البقاء والعمل؛ فضلا عن التراجع عن الالتزامات بالسماح للمرأة بالمشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ونخلص من ذلك إلى إن الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية لا يمكن أن يكون إلا حلاً جزئيًا وغير مستقر لتحدي تلبية الاحتياجات الإنسانية والتنموية المتعددة لأفغانستان.

وفي سياقات أخرى، سعت الجهات المانحة إلى العمل مع أطراف من الحكومة أكثر جدارة بالثقة، أو العمل في مناطق أقل إثارة للجدل من الناحية السياسية، مثل الوزارات الفردية أو السلطات المحلية. لكن ما مدى احتمالية نجاح تلك المحاولات؟ فالقطاعات التي يرجح أن يرغب المانحون في دعمها – التعليم والصحة وسبل العيش – هي على وجه التحديد المجالات التي تكون فيها سياسة طالبان تجاه المرأة في أسوء حالاتها. وقلة من الجهات المانحة ستكون على استعداد للعمل مع وزارة التربية والتعليم التي تحث الفتيات على عدم الذهاب إلى المدرسة الإعدادية، أو وزارة الصحة التي تساهم سياساتها في تدهور صحة النساء والفتيات.

وتكمن المعضلة في أن التنمية المستدامة وتقليل الاعتماد على المساعدات، يتطلبان بناء قدرات الدولة، وهو أمر لا يمكن تحقيقه من دون التعاون مع الدولة نفسها. فمنذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، بدأت الجهات المانحة في إدراك أهمية الدولة والمؤسسات الحكومية والحوكمة في توفير حجر أساس قوي لبناء تنمية مستدامة على المدى الطويل. وتقدم آليات مثل دعم الميزانية ومنحًا للحكومات، مما يمنحها مسؤولية تخصيصها، وقد شُجعت الدول على التخطيط وتحديد الأولويات والاضطلاع بمسؤولية تحقيق التنمية.

وهذا الأمر قد يصعب تحقيقه داخل الدول الضعيفة، ولكن تُظهر دروس الإخفاقات الماضية نتائج تجاهل الجهات المانحة بالكامل لحكومة بلد ما. ففي أعقاب زلزال عام 2010 في هايتي، تولى المجتمع الدولي المسؤولية الكاملة لمساعدة الشعب المنكوب، وذلك هو جزئياً سبب الضعف الحالي للحكومة الحالية. والوكالات الدولية ليست مسؤولة أمام المجتمعات التي تعمل معها مثل مسؤولية الحكومات أمام مجتمعاتها (أو كما ينبغي أن يكون عليه الحال مع طالبان).

وهناك العديد من الأسباب الوجيهة التي تجعل الجهات المانحة راغبة في الابتعاد والنأي بنفسها بعيداً عن النظام الجديد في أفغانستان، ولكن النتيجة الحتمية ستكون تقليل قدرة أي حكومة على تحمل المسؤولية عن سياسة التنمية وتقديم الخدمات على المدى الطويل.

والأهم من ذلك، من وجهة نظر المانحين، شكلت المعونة أداة ضعيفة لتشجيع الامتثال لقيم المانحين ومطالبهم مع الحكومات العنيدة، فلم يؤد التوقف المتكرر للمساعدات المقدمة إلى كينيا إلى الحد من الفساد أو الحد من العنف المرتبط بالحملات السياسية، وهناك القليل من المؤشرات التي تشير إلى إن تجاوز الدولة اللبنانية من خلال ضخ المليارات على إعادة الإعمار بعد انفجار الميناء عام 2020 سيؤدي إلى تحسين الحوكمة. ومع رفض روسيا والصين اتباع نهج المانحين الغربيين، فإن محاولة عزل طالبان لن تكون كاملة على الإطلاق.

ويُعد جميع ما تم ذكره حتى الآن بمثابة معضلة أمام الجهات المانحة. فكيف يمكنهم دعم الملايين الذين هم في أمس الحاجة إلى الدعم والمساعدة من دون خطر دعم (مهما كانت ضمنية) السياسات التي يختلفون معها بشدة؟ وما هي أفضل طريقة لدعم التنمية مع تردد الجهات المانحة في قبول شرعية طالبان؟ وإذا حدث تدهور في جانب قمع حقوق النساء والفتيات والأقليات مع قمع وحشي لكل المعارضين، فهل من الممكن حتى دعم المواطنين الأفغان دون تعزيز حكم طالبان بطريقة ما؟.

والآن، بل وأكثر من أي وقت مضى، يتم تذكيرنا بالتحديات الأخلاقية القوية والعصية على الحل التي تواجهها الجاهات المانحة في تلبية احتياجات الفئات الأكثر ضعفًا في الحالات التي لا توجد بها دولة، أو عندما تكون الدولة هي المشكلة. ولا يُعد هذا مجرد تنظير، فسيفقد البعض حياته إذا توقفت تلك المساعدات، ولهذا السبب، من المرجح أن يستمر صرف قدر من تلك المساعدات الإنسانية، لا خيار أمام الجهات المانحة.

مايكل جينينغز هو قارئ في التنمية الدولية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، حيث يعمل على القضايا المتعلقة بالصحة العالمية و سياسة وتاريخ التنمية العالمية.