فشل المساعدات في انتشال أفريقيا من الفقر، لكن التكنولوجيا يمكنها أن تفعل ذلك

جوزيف دانا

AFP photo: Tony Karumba

يوجد بأفريقيا أقل نسبة على مستوى العالم من الأشخاص الذين يستخدمون شبكة الإنترنت، ويعود هذا إلى ضعف البنية التحتية، والطبيعة الريفية التي تميز العديد من المجتمعات، وغالبًا ما تستشهد وكالات المساعدات الغربية بتلك الإحصائية القاسية لتبرير الاستثمارات في المجتمعات الريفية، وتُعد المشكلة التي تواجه أفريقيا والتي يكثر التفكير فيها، مشكلة ريفية من الأساس ، وربما يكون ذلك صحيحًا في الوقت الحاضر، لكن التحديات التي تواجه أفريقيا باتت على وشك التحول إلى تحديات حضرية بشكل كامل، فالمستقبل ليس ريفيًا بل حضريًا.

يتمحور الإدراك الغربي لأفريقيا حول مسار التنمية في مناطق أخرى من العالم، وذلك على افتراض أن  منحنى التطور في شمال أفريقيا وأوربا وآسيا يجب أن يتكرر في أفريقيا وسوف يتكرر. واليوم، وحتى مع الفشل الذريع لما أطلق عليه الجميع الخطة الاقتصادية الناجحة بالنسبة للقارة، فإن الغرب مُصِرّ على رفضه لمبدأ أن النماذج التي تأتي من المناطق الأخرى لن تنجح بالضرورة في أفريقيا، على سبيل المثال؛ فقد نجحت أفريقيا في تغيير المفهوم الخاص بأنه لا يمكن اعتبار الاستهلاك دافعًا رئيسيًا وراء الناتج المحلي الإجمالي إلا إذا امتلكت نسبة معينة من السكان حسابات بنكية، ولكن كيف؟: لأن التكنولوجيا متاحة في هذه النقطة المُحددة  من تنمية أفريقيا، ولا تتوافر لمناطق أخرى على مستوى العالم تشهد نفس مرحلة التحول، فقد “قضت أفريقيا على” النموذج القديم.

وعلى الرغم من أن الكثيرين يعتقدون  أن أفريقيا منطقة فقيرة في التكنولوجيا؛ لكن الواقع يقول أن التكنولوجيا ساهمت في زيادة حصيلة ثروة القارة خلال السنوات العشرة الماضية، كما أن تلك التكنولوجيا ستساهم في تنمية الطبقة المتوسطة خلال الجيل القادم، ولكنها ستحتاج بالطبع  لبعض الدعم- لكنه دعم من النوع الصحيح،  وليس المعونة.

والواقع أن هنا، تُعد الإحصاءات الخاصة بمدى انتشار الإنترنت والهواتف الذكية من العناصر الأساسية للتخطيط لمستقبل القارة،  ورغم أن نصيب أفريقيا من الإنترنت قليل  في الوقت الراهن؛ إلا أن القارة باتت من أسرع أسواق الإنترنت  نموًا مستوى العالم، خاصة مع وجود عدد كبير من الشباب بين السكان، والذين من المُتوقع أن يزداد عددهم، وتوشك المدن الأفريقية على أن تكتظ بهم.

ويقول البنك الدولي إن التوسع الحضري التمدن يُعد من أهم التحولات التي تشهدها أفريقيا، حيث من المتوقع أن يصل عدد السكان الجدد للمدن إلى 450 مليونًا بحلول عام 2040، وتشير تقديرات مؤسسة بلومبرج إلى أن أفريقيا ستكون موطنًا لأكثر من تسع مدن ضخمة يبلغ تعداد كل منها أكثر من عشرة ملايين نسمة بحلول عام 2050، وستتفوق تلك المدن على المدن التي تأسست سلفًا مثل القاهرة ولاجوس وجوهانسبرج، وتعد كل من مدينة نجامينا في تشاد و”أنتاناناريفو” عاصمة مدغشقر، مجرد مثالين على شكل المدن الأفريقية الكبرى في المستقبل القريب.

يوفر هذا التحول فرصة ذهبية للقارة والمستثمرين الأجانب، حيث أن النمو الحضري الأفريقي المثير للإعجاب، قد فتح الباب أمام مجموعة من الاحتمالات، ينطوي أولها على التصدي لمشكلة التفاوت في تنمية الاختراعات التكنولوجية، وتحتل الهواتف الذكية مجددًا مركزًا حيويًا  هنا،  حيث تبيع الشركات القائمة على الاتصالات المحلية مثل مجموعة MTNفي جنوب أفريقيا وأورانج الفرنسية الهواتف الذكية الآن بسعر رخيص يصل إلى 20 دولارًا، حيث تستخدم نظام تشغيل خفيف يُسمّى KaiOS،  والمصنوع من خامة بلاستيكية رخيصة الثمن ويستخدم نظام تشغيل  مصمم لشبكات 3Gالأكثر بطئًا والتي تغطي أجزاء واسعة من القارة، وقد سمحت تلك الهواتف لسكان القارة بالدخول مباشرة  في مجال  الاقتصاد  الرقمي

وبالعودة إلى مسألة الحسابات البنكية فقد أدى استخدام التعاملات النقدية بشكل مفرط، وعدم تنمية القطاع المالي في العديد من الدول إلى أن بات الملايين لا يستطيعون الحصول على الخدمات المصرفية.  ومع استخدام الهواتف الذكية بصورة هائلة  أصبح الناس  قادرين على التحول عن التعاملات النقدية، والاعتماد على الهواتف الذكية من أجل تداول العملات بصورة رقمية، وهناك شركات ناشئة مثل Mama Moneyفي جنوب أفريقيا أمكن من خلالها تحويل المدفوعات عبر شبكات الهواتف المحمولة، فمع شركة Mama Moneyاستطاع العمال المهاجرون من زيمبابوي أن يرسلوا الأموال إلى وطنهم، مقابل تسديد جزء بسيط من تكلفة خدمات التحويل العادية، كما يمكن لمستخدمي الهواتف الذكية الاحتفاظ بأموالهم بطريقة رقمية آمنة.

وتُعد الآثار الجانبية الناتجة عن  الخدمات المصرفية  عبر الهواتف الذكية آثارً بارزة، ومع ظهور العملات الرقمية بات بمقدور الكثير من الناس التسجيل في خدمات التأمين الصحي، وعمل خطط لإدارة المدخرات، وأنواع أخرى من المنتجات والخدمات، ومع تطور التنمية الحضرية بصورة هائلة وتحسين البنية التحتية في مجال الإنترنت، فسوف تتسارع تلك التطورات إلى حد كبير ، وعلى الرغم من أن التحولات التي طالت الهواتف الذكية لم تفلح في معالجة الفقر أو نقص المساكن، إلا أنها ستؤدي إلى ظهور طبقة جديدة من العملاء .

ولكن من الذي سيستفيد من تلك الإمكانيات؟، حققت الصين بالفعل دفعة قوية في العديد من الأسواق الأفريقية، عبر استخدامها لسياسة (نظام فخ الديون) -نجحت الصين في توسيع نطاق تلك الديون، وفي حالة تعثر المدين في السداد، تصبح هناك فرصة أمام الصين للحصول على أجزاء شاسعة من الأرض والموارد على مستوى القارة- كما تتمتع التكنولوجيا الصينية بالشعبية، فهناك على سبيل المثال؛ نظام  KaiOSالذي تمتلكه إحدى الشركات الصينية. لكن عندما يتعلق الأمر بالاستثمار في المدن الأفريقية الواعدة والاقتصاد المعرفي الواعد في القارة، يظهر عيب الاستراتيجية الصينية التي تقوم بالتركيز على البنية التحتية واستخلاص الموارد: فقد عجزت الصين عن الاستحواذ على قلوب وعقول الشباب الأفريقي.

وتعُد تلك بمثابة فرصة لدول مثل الإمارات العربية المتحدة وسنغافورة وإستونيا، والتي قد تكون دولًا صغيرة،  إلا إنها استثمرت في اقتصادات المعرفة الخاصة بهم بشكل ملموس. ، وبالنظر إلى إمكانيات تلك الدول فيما يخص شبكات الطيران التي تملكها واقتصاداتها القوية ، فينبغي أن تكون في طليعة العصر الحضري بالقارة الأفريقية ، وهناك بعض الشركات مثل شركة الإمارات للاتصالات، وشركة اتصالات التي وجدت لها موطئ قدم في الأسواق الأفريقية الهامة مثل مصر ونيجيريا. وتتمثل الخطوة القادمة في الاستثمار في الشركات الناشئة القائمة على المعرفة، والنظم البيئية التي تعمل على الاستفادة من قوة  الشباب الأفريقي في كيجالي ونيروبي وما ورائها.

وهناك سبيل وحيد أمام أفريقيا كي تثبت براعتها في الحلول الخاصة بها، وهو الشراكة مع الدول التي لا تحمل أجندات استعمارية جديدة، أو تلك التي تصر على استخدام الأساليب العتيقة في التفكير. والأسلوب القديم قابل للتطبيق هنا، وهو أهمية الإبداع عوضًا عن الاستغلال، وتحتاج أفريقيا إلى شركاء  متحمسين، يمكنهم الاستثمار في المستقبل عبر تدعيم الشباب، وإمدادهم بالوسائل التكنولوجية اللازمة للإبداع في الوقت الحاضر، وبينما يستمر زحف السكان إلى المدن؛ تصبح تلك الوسائل عنصرًا رئيسيًا لأجل إطلاق إمكانيات القارة الحقيقية، وتنظيم المشاريع الحرة.

 يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.