البشير سيتغلب على الاحتجاجات في السودان بترسيخ علاقته مع تركيا وقطر

دنيانيش كامات

سينجح الرئيس السوداني، عمر البشري، في وأد الاحتجاجات التي تشهدها السودان مؤخرًا، ورغم هذا النجاح، ستكون دولة السودان نفسها مدينة لتركيا وقطر.

إن دوافع الاحتجاجات كانت اقتصادية، حيث ألغت الحكومة الدعم عن الخبز، ومن ثم ارتفع سعره ثلاثة أضعاف. وجاء قرار رفع الدعم على خلفية التضخم المتزايد فعليًا (إذ بلغ ارتفاع الأسعار “72%” في شهر ديسمبر)، وفرضت الحكومة حدودًا على السحوبات المصرفية، وخفضت من قيمة الجنيه السوداني وهو ما أدى إلى نقص في الوقود والدواء.

واتخذ النظام السوداني تدابير قاسية لمواجهة الاحتجاجات، مما أدى إلى مقتل ثلاثين “30” شخصًا حتى الآن وفقًا للأرقام الرسمية (وتقول إحدى مجموعات حقوق الإنسان أن العدد وصل إلى “45” قتيل”)، واعتقال ما يربو على “800” شخصًا. وفي حادثة هي الأبشع من نوعها، اقتحمت قوات الأمن في “10” يناير أحد المستشفيات على مشارف الخرطوم، وأطلقت الأعيرة النارية الحية واستهدفت المرضى والعاملين بالمستشفى، كما شن النظام حملة اعتقالات ضد السياسيين والصحفيين، وحجب مواقع التواصل الاجتماعي، وألغى تأشيرات الصحفيين الأجانب.

واعتلى الرئيس السوداني “عمر البشير” ذو الخامسة والسبعين “75” عامًا السلطة في العام 1989، ورفض بشدة الدعوات التي تطالبه بالاستقالة. وبدلاً من ذلك، كشفت حكومته النقاب عن موازنة الدولة لهذا العام، وفيها يعد البشير شعبه بعدم المساس بالدعم مرة أخرى، وزيادة مرتبات موظفي الحكومة، وزيادة أعداد المستفيدين من نظام الرعاية الصحية. غير أن هذه الإجراءات فشلت في إنهاء التظاهرات، وانتهى التحالف بين حزب المؤتمر الوطني والأحزاب السياسية الموالية له، وطالبت تلك الأحزاب بتكوين مجلس انتقالي مؤقت لإدارة البلاد. وبالرغم من ذلك، احتفظ البشير بدعم الجيش السوداني وأجهزة المخابرات، ومن المحتمل في نهاية الأمر أن يقمع المتظاهرين من خلال سلسلة من الإجراءات الاقتصادية، غير أن البشير لن يتمكن من فعل هذا بدون مساعدة الدول الصديقة والذي يسعى جاهدًا لكسب ودها، حتى وإن كان زيفًا، منذ العام 2011.

وبعد انفصال جنوب السودان في العام 2011، وخسارة السودان “70%” من إيراداتها بسبب ضياع حقول النفط في الجنوب، سعى البشير إلى إعادة السودان إلى مكانتها الدولية – وبشكل أكثر تحديدًا في علاقتها مع أمريكا وحلفائها الإقليميين. وفي العام 2016، على سبيل المثال، قطعت السودان فجأة علاقتها مع إيران رغم التحالف الذي استمر بينهما لمدة “25” عامًا. وبعدها سعت السودان إلى تكوين علاقات أفضل مع المملكة العربية السعودية من خلال تقديم الدعم العسكري إلى التحالف الذي تقوده السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، ومقابل ذلك، أودعت المملكة العربية السعودية مليار دولار أمريكي لدى البنك المركزي السوداني، ووعدت السودان بإقامة استثمارات جديدة.

وفي العام 2017، رفعت الولايات المتحدة الأمريكية جزئيًا من العقوبات المفروضة على السودان. ورغم ذلك ظلت السودان على قوائم الدول الراعية للإرهاب، وهو ما جعل الطبقة السياسية في السودان، وفي بعض الأحيان البرلمان، ترى أن السودان لم تجني المزايا الاقتصادية المتوقعة من جراء تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الإقليميين.

وبناء على ذلك، وتأكيدًا لولعه التاريخي بالدخول في تحالفات ضد غيره، سعى البشير وبشدة إلى تكوين شراكة اقتصادية وعسكرية مع تركيا وقطر. وظل التحالف بين الثلاث دول في طور الإعداد حتى أوائل العام 2017، وذلك بعدما أعلنت الخرطوم استضافتها للاجتماع المشترك بين رؤساء دفاع الثلاث دول. وفي ديسمبر من العام 2017، وقعت السودان وتركيا على اتفاقية تمنح تركيا حق تأجير ميناء سواكن، وتخزين مراكبها البحرية هناك، وهو ما يوفر لتركيا قاعدة بحرية أخرى في البحر الأحمر بالإضافة إلى قاعدتها البحرية القائمة بالفعل في دولة الصومال.

وفي مارس من العام الماضي، وقعت قطر اتفاقية مع السودان بقيمة “4” مليار دولار أمريكي لتطوير ميناء “سواكن”، وهو ما يشير إلى امتداد التحالف بين قطر وتركيا ليصل إلى البحر الأحمر. كما أعلنت كلٌ من قطر وتركيا عن خطط استثمارية ضخمة داخل السودان في قطاعات الزراعة والبنية التحتية والدفاع. واشترت قطر وتركيا الأراضي الزراعية في السودان لتأمين أمنها الغذائي. وفي شهر سبتمبر، وقعت تركيا أيضًا مع السودان اتفاقية بقيمة “100” مليون دولار أمريكي للتنقيب عن النفط.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الأنظمة الحاكمة في قطر والسودان وتركيا تتعاطف مع جماعة الإخوان المسلمين. وفي الحالة السودانية، تعود جذور حزب المؤتمر الوطني الحاكم إلى فرع جماعة الإخوان المسلمين في السودان. وفي الواقع، يتبنى بيان حزب المؤتمر الوطني نفس مبادئ جماعة الإخوان المسلمين. وفي السنوات الأخيرة، اتهمت مصر السودان مرارًا وتكرارًا بدعم جماعة الإخوان المسلمين في مصر ضمنًا وتوفير الملاذ لهم.

ومن المفيد للرئيس السوداني “عمر البشير” أن أولى جولاته الخارجية منذ اندلاع الاحتجاجات هي زيارته إلى قطر مطلع هذا الشهر. وفي أول رد فعل لها على اندلاع الاحتجاجات، وعدت قطر بتوفير “كل ما يلزم” لمساعدة الخرطوم في تجاوز هذه الأزمة. وعلى الجانب الآخر، كان التحالف الإماراتي السعودي المصري، والذي تشكل لمواجهة جماعة الإخوان المسلمين، أقل إقدامًا على دعم نظام البشير، وربما في هذا إشارة إلى شعور تلك الدول بالسخط من النفاق الذي يمارسه البشير، ووسيلة للضغط عليه لتغيير سلوكه.

ورغم ذلك، من الأرجح أن الاحتجاجات المستمرة ستقرب الداخل السوداني أكثر من التحالف القطري التركي، وذلك لأن هذه الخطوة كانت في طور التنفيذ قبل اندلاع التظاهرات بفترة طويلة، كما أنها تلائم الميول السياسية لنظام البشير. وهنا لا بد من معرفة عواقب هذه الخطوة على المنطقة. ولأنها دولة يبلغ تعداد سكانها “40” مليون نسمة، وتطل على البحر الأحمر، وتصل الشرق الأوسط بالقرن الأفريقي وما بعده، فإن المسار الجيوسياسي للسودان ذو أهمية كبيرة لدرجة أنه لا يمكن تجاهله.

AFP PHOTO/ASHRAF SHAZLY