لا يمكن للشرق الأوسط تجاهُل علامات التغير المناخي

ريم تينا غزال

AFP photo: Karim Sahib

“برد العجوز”، هذا المصطلح يصف الانخفاض الشديد في درجات الحرارة، والذي يؤدي إلى إصابة عظام الإنسان بالبرد، وتبدأ نوبة البرد في الأيام الأخيرة من شهر فبراير وتنتهي في منتصف شهر مارس، وتأتي معها في بدايتها رياح شمالية قوية، وهذا النمط من المناخ كان متوقعًا في منطقة الخليج لعشرات السنين، وحتى السنوات القليلة الماضية على الأقل.

وحتى يومنا هذا، ومع وجود الأقمار الصناعية التي تراقب المناخ، والأجهزة المتطورة، فإن تلك الحكمة التقليدية لا تزال نافعة حتى اليوم، وبينما لا يتعارض الفعل مع العلاقة السببية لتلك الظاهرة، فإن عملية رصد المناخ أسفرت عن تدعيم الأفكار الموجودة لدينا مسبقًا، وقد باتت آثار التغير المناخي محسوسة بشكل متصاعد على مستوى العالم، وبالنسبة لمنطقة الخليج التي تتسم بالجفاف؛ فهي من بين المناطق سريعة التأثُر بالتغيرات التي تصيب المناخ وهطول الأمطار، ونتائج تلك العملية لا يمكن تجاهلها ببساطة.

أما التقويم القديم الخاص بمنطقة الخليج والمسمى “الدرور”، والذي يعود إلى أسطورة الملّاح العربي “أحمد بن ماجد”، وعُمر هذا التقويم يبلُغ 500 عام، وقد كان بمثابة تقويم للاشخاص الذين يعانون من العيش في بيئة قاسية، وقد كان هذا التقويم دليلًا للأشخاص يساعدهم على تحديد أفضل الأوقات لزراعة المحاصيل، وحتى تحديد أفضل المواسم لصيد السمك والغوص من أجل الحصول على اللؤلؤ، وقد تم تقسيم الدورة التي تبلُغ 365 يومًا إلى أربعة مواسم، ثلاثة من تلك المواسم تبلُغ 100 يوم (بما فيها فصلين للصيف، وتلك هي طبيعة منطقة الخليج)، وهناك موسمًا واحدًا يتألف من 60 يومًا، بالإضافة إلى خمسة أيام يُطلق عليها (الخمس المسروقة).

لكن ما هي قيمة “الدرور” اليوم في ظل تطور تكنولوجيا التوقعات الخاصة بالمناخ بسرعة غير عادية؟، المشايخ في الإمارات العربية المتحدة لديهم إجابة هامة لهذا السؤال: لفهم التغير المناخي.

ويقول أحد أعضاء قبيلة الرميثي، وهي قبيلة ساحلية أعتمد أسلافها على البحر وتقويم الدرور من أجل العيش: “الواقع أن الطقس العادي يتسم بالتغير، فقد بات أكثر حرارة ورطوبة، لكن الأشخاص لا يلاحظون ذلك، تمامًا كما لا يتذكرونما حدث في  العام الماضي، وتقويم “الدرور” يساعدك على تحديد ماذا يجب أن يكون عليه الطقس خلال فترة محددة ومدة تلك الفترة، وتلك العملية تتسم بالتغير الآن أكثر من اي وقت مضى”، “على سبيل المثال تحديد أوقات نضوج أشجار النخيل على مستويات مختلفة الآن على الرغم من صعوبة توقع الرياح كما كان في السابق”.

والواقع أنه من المفاجئ أن كبار السن يدركون تمامًا العلامات المحتملة للتغير المناخي والتحولات التي أصابت أنماط المناخ على مدار عشرات السنين، عوضًا عن التحولات التي تصيب الطقس المتقلب على المدى القصير، واعتمادًا على الحكمة التي يبلُغ عمرها مئات السنين، فقد توصّل هؤلاء الشيوخ إلى ذات الاستنتاجات التي توصّل إليها العلماء الكبار، حيث خلصت الغالبية العظمى منهم إلى أن عملية التغير المناخي تشهد تطورًا بسرعة غير عادية، وما لتلك العملية من نتائج مدمرة لا يمكن تفاديها.

تلك الآثار تهدد حياة الحيوانات والنباتات كما أنها تؤدي إلى موجات شديدة من الحرارة وحرائق الغابات المتكررة، كما تؤدي إلى موجات طويلة من الجفاف في بعض المناطق، فضلًا عن زيادة عدد وطول مدة وشدة العواصف الاستوائية.

وهناك الكثير من العمل الضروري الذي يجب القيام به فيما يخُص الجانب العلمي بمنطقة الشرق الأوسط، والإجماع على تلك الجزئية لا ريب فيه، وبالطبع فإن تلك المسألة تتاثر بسبب الأجندات السياسية، وحملات التضليل التي يقوم بها هؤلاء الذين لديهم مصالح راسخة والذين يتربحون من الصناعات القديمة التي تسبب التلوث، وعمليات توليد الطاقة.

وفي منتصف شهر مارس، كانت هناك حاجة ماسة إلى التوضيح، حيث أن هناك مليون ونصف المليون شاب من 123 دولة قاموا بالتحرك، حيث امتنعوا عن الذهاب إلى المدارس وطالبوا باتباع سياسات اكثر صرامة تخُص المناخ، وقد تم هذا خلال أكبر مظاهرة تتعلّق بالبيئة على مدار التاريخ، وقد حازت قائدة الحركة، وهي ناشطة سويدية تبلُغ من العمر 16 عامًا وتُدعى غريتا ثونبرغ، على إعجاب العالم في وقت مبكر من العام الحالي، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة “دافوس”، وقد قالت مخاطبة قادة العالم:”علينا ان نعترف بالفشل في مواجهة ظاهرة التغير المناخي”.

وقد كان لتلك الرسالة صدى هائل خاصة بين الشباب، حيث تضخمت مظاهرات “جمعة المستقبل”، وتحولت من مظاهرة منفردة يقوم بها المراهقين يوم الجمعة أمام البرلمان السويدي إلى احتجاجات عالمية في الخامس عشر من مارس.

وقد قالت الفتاة “جريتا شونبرج” في تصريحات صحفية:”إن تلك الحركة يجب عليها أن تستمر، ليس لدينا خيار آخر، نحن نعلم أن هناك أزمة فيما يخُص المناخ، ونحن نعلم ذلك لأن كل ما نقرأه ونشاهده يصرخ في وجوهنا بأن هناك شيئًا خاطئًا للغاية يحدث“.

وحالة الفتاة شونبرج تعُد مثالًا مدهشًا للشباب الذين ينتزعون عباءة القيادة من الأجيال القديمة، ومن جهتي فإنني أدعمها من أجل الحصول على جائزة نوبل للسلام للعام الحالي، ولو أنها فازت بتلك الجائزة؛ فسوف تكون أصغر الفتيات اللاتي يحصلن عليها منذ حصلت عليها الفتاة الأفغانية  “ملالا يوسفزي” وكانت تبلُغ حينها من العُمر 17 عامًا، وقد شهدت المظاهرات الحالية خروج الشباب إلى الشوارع في الدول على مستوى العالم، لكن الشباب العربي كان غائبًا بوضوح عن تلك الفعاليات.

ومن غير المفاجئ أن هناك رغبة ضعيفة في التظاهر، لما في ذلك من خطر على المتظاهرين خاصة في دول المنطقة التي تتميز بعدم الاستقرار، خاصة بعد سنوات من الفوضى السياسية التي غالبًا ما تنتهي باندلاع أعمال العنف، وربما لا يتم النظر لمسألة التغير المناخي على أنها بذات الضرورة، فإن الجغرافيا الفريدة التي تتمتع بها المنطقة وكذا البيئة، تعكسان ان تلك المنطقة على وجه الخصوص باتت عُرضة لنقص المياه وانعدام الأمن الغذائي والجفاف وموجات الحرارة وانتشار الأمراض والعديد من العواقب التي تتسم بالأهمية.

وفي العام 2018، حذرت “جمعية الإمارات للطبيعة” من التعرُض لموجات حرارة خلال فصل الصيف مع تصاعد العواصف الرملية ونسبة أعلى من الرطوبة، والمزيد من الأمطار التي قد تتسبب في السيول التي تنجرف بسرعة هائلة، وجميع تلك الآثار تعُد نتاجًا للتغير المناخي، وسوف يؤثر ذلك على إنتاجية العمال الذين يعملون في المناطق المفتوحة، كما سيؤدي إلى زيادة الأخطار الصحية التي يتعرض لها السكان، فضلًا عن الضغط على موارد الطاقة حيث يزيد الطلب على أجهزة تكييف الهواء.

وفي ذات الوقت، ووفقًا لمؤشر الأداء الخاص بالتغير المناخي للعام 2019، فإن المملكة العربية السعودية تليها الإمارات العربية المتحدة تقبعان في ذيل التصنيف فيما يخُص الحد من التغير المناخي من ضمن 56 دولة تسهم بنسبة 90% من زيادة حرارة الأرض الناتجة عن غازات الاحتباس الحراري.

وكما يبدو، يجب علينا معالجة أنفسنا، وذلك يشمل علاج منازلنا والمحاصيل التي عشنا لسنوات نتعامل معها على أنها مضمونة، وهناك فتاة تبلُغ من العمر 16 عامًا قدمت الوحي للعالم، فما هو عذرنا؟.