يجب على أمريكا أن تواجه التحدي الصيني، لكن ليس بالطريقة التي يتصورها دونالد ترامب

روبن ميلز

AFP Photo: Aamir Qureshi

 في الغالب لا يحدث أي اجماع في السياسة الامريكية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري– سوى في الاتفاق على مواجهة مع الصين، وعلى الرغم من اختلاف الأساليب والرؤى الدولية بين دونالد ترامب وأقطاب الحزب الديمقراطي؛ فقد تحولت الحكمة التقليدية في واشنطن إلى التقارب لمواجهة التهديد القادم عبر المنافس الصيني الذي بات بمثابة قوة عظمى، وتلك المنافسة سيكون لها تبعات تطال التجارة العالمية والطاقة وحركة الملاحة في شرق آسيا وربما تصل تلك التبعات إلى منطقة الخليج، ومهما يكن الفائز في الانتخابات الأمريكية المقرر لها نوفمبر القادم، فقد بات من المحتوم أن يتصاعد القلق في واشنطن بينما تعي الصين تلك اللحظة، وهي مستمرة في محاولات استغلال الفرصة والانقضاض على الولايات المتحدة.

وبالطبع فإن الاقتصاد الصيني اليوم لا يعُد في الوضع الأفضل، وقد كان يعاني من التباطؤ حتى قبل ظهور أزمة فيروس كورونا (كوفيد-19) ومع اندلاع الحرب التجارية بات هناك نقصًا في الشباب في سن العمل وأصبحت المؤسسات تعاني بسبب تراكم الديون، وستعاني الصين في المستقبل من تراجع الصادرات التي تذهب لزبائنها الرئيسيين: وقد شكّلت صادرات الصين لأمريكا الشمالية العام الماضي 20% من إجمالي الصادرات الصينية، وذهبت 20% من الصادرات إلى أوربا و10% للدول المنتجة للنفط. وعلى جانب آخر فإن الأحلام الأمريكية الخاصة “بالسيطرة على الطاقة” تلاشت بسبب انخفاض أسعار الطاقة، وليس من الواضح لماذا تريد الولايات المتحدة تعزيز دورها كمورد للمواد الخام – النفط والغاز وفول الصويا – في ظل حالة المنافسة المستقبلية على الوصول للتكنولوجيا الحديثة.

وفي مواجهة تلك الحقائق التي لا تنذر بخير؛ انخرطت الإدارة الأمريكية في قتال من أجل صرف نظر ناخبي نوفمبر عن سوء أداء البيت الأبيض خلال أزمة انتشار فيروس كورونا، وهناك ديون مستحقة للصين على الحكومة الأمريكية تبلُغ 1.1 تريليون دولار، ويقال أن المسؤولين الأمريكيين طالبوا بإلغاء جزء من تلك الديون بسبب الأضرار التي نتجت عن انتشار فيروس كورونا، لذا فإن الأدوات المالية الأسرع على مستوى العالم باتت مصدرًا للخطر، وبات الأمر مفتوحًا للتدخُل السياسي كما يحدث مع اي دولة من دول العالم الثالث، وستنهار السيطرة على الدولار الأمريكي، وينصح مسؤولون آخرون بمصادرة الأصول الصينية، بما أن الولايات المتحدة لا تمتلك أصولًا خارج حدود البلاد ولم ترتكب في السابق أية جرائم، ومحاولة فرض عقوبات على الشركات الصينية ستجعل بيكين مجبرة على تطوير كيان مالي لا يعتمد على الولايات المتحدة (بالمصادفة تلك كانت نهاية العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران ودول أخرى).

وقيام أمريكا بشيطنة بيكين ومحاولات الصين انتزاع قيادة العالم من واشنطن، أدّت إلى ظهور شبح الخوف من فوضى دولية بطريقة لم يكن أحد يتوقعها. والواقع أن المواجهات بين القوى العظمى وضعف التجارة الدولية والروابط الاقتصادية وتراجع الديمقراطية من واشنطن إلى بودابست وأنقرة، وازدياد الفقر وانعدام الأمن الغذائي وازدياد خطر التغير المناخي، كل تلك العوامل تعُد بمثابة وصفة لانهيار الدول واندلاع الحروب بالوكالة في المناطق الهشة.

والمعروف أن التواجد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يهدف إلى حماية وتأمين إمدادات واشنطن من النفط والغاز ضد أية تهديدات، بما فيها الاتحاد السوفيتي القديم وصدام حسين وإيران والجماعات الإرهابية، واليوم فإن ظهور الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين يمثل تهديدًا قويًا للصين، وهو إعادة تأكيد على أن الولايات المتحدة تسيطر على 45% من وارداتها من النفط و16% من الغاز المسال الذي تستورده واشنطن.

أما الصين من جانبها فقد قامت بتنفيذ عدة عمليات لمكافحة القرصنة، وذلك انطلاقًا من القاعدة التي تملكها في جيبوتي على الأبواب الجنوبية للبحر الأحمر، كما قامت ببناء ميناء جاوادار في باكستان بالقرب من مضيق هرمز، ولا يوجد تواجد عسكري للصين (حتى الآن) في ميناء جاوادار، كما أن بيكين لم تشارك في العمليات البحرية التي تقودها كل من الولايات المتحدة وأوروبا في منطقة الخليج، ولم تقم بتسيير دوريات مستقلة كما فعلت كل من اليابان والهند وكوريا الجنوبية، التي أقدمت على تسيير تلك الدوريات عقب سلسلة الهجمات التي استهدفت الملاحة خلال العام الماضي وتم توجيه أصابع الاتهام لإيران، ولكن مع نمو المصالح والاستثمارات الصينية في منطقة الخليج فإن الدول الساحلية ربما تقع تحت ضغوط متنامية من أجل الاصطفاف مع أي من الطرفين (واشنطن وبيكين).

وهناك اثنين من أنابيب النفط، الأول هو خط أنابيب نفط سيبريا الشرقية الذي يمر عبر المحيط الهادي، وخط أنابيب صربيا لنقل الغاز الطبيعي، وهذان الخطان يعتبران مفتاحًا لتنويع صادرات موسكو بعيدًا عن السوق الأوروبية التقليدية، وهذا الأمر إلى جانب الطرق الجديدة التي تم فتحها وسط آسيا يعُد أيضًا بمثابة تأمين للسياسة الصينية ضد العوائق التي تقف بوجه الملاحة البحرية، ومن الواضح أن الصين تفكر بطريقة استراتيجية على المدى الطويل.

والحقيقة أن رد الفعل الصيني على مسألة كونها عُرضة بسبب الحاجة للنفط، تمثّل في محاولات السيطرة على صناعات الطاقة المستقبلية: الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية والمعادن الأرضية النادرة والشبكات الكهربائية عالية الجهد، وتلك تعُد أيضًا مصدرًا للمنافع الاقتصادية والبيئية في المستقبل.

وقامت الصين أيضًا على نحو مثير للدهشة بتخصيص استثمارات لإنتاج النفط، وذلك على الرغم من التكلفة المرتفعة التي لن تؤدي في الغالب إلى تحقيق مكاسب، والواقع أن مسألة وجود النفط في بحر الصين الجنوبي هو أمر مبالغ فيه، وقد قامت الصين بتصعيد حملة اعتراض السفن الخاصة بمسح الزلازل والحفارات في المناطق الاقتصادية التابعة لكل من ماليزيا وفيتنام، حتى أن التهديد الصيني طال المشروعات التي تقودها شركات عملاقة للنفط أمريكية وروسية مثل إكسون موبيل و”روسنفت”.

والأهداف الصينية هنا ربما تتعلق بالسيطرة على الممرات الملاحية والجُزُر أكثر مما تتعلق بالموارد الموجودة تحت سطح الماء، لذا فإن الأمر يعُد تحديًا للإصرار الأمريكي على ضمان حرية الملاحة في تلك المنطقة.

ولو أن الإدارة الأمريكية باتت تحت إمرة جو بايدن ستكون أكثر اهتمامًا ونظرة استراتيجية وأكثر كفاءة وتنوعًا في مواجهة التحدي الصيني المتصاعد، لكن السياسة الداخلية وحقيقة الاصطدام بين القوى ستجعل مواجهة المتطرفين من الجانبين أمر بالغ الصعوبة.

وإن لم يتحول الأمر عن هذا السيناريو فسيكون نذير شؤم للسياسة العالمية وإمدادات الطاقة والاقتصاد والبيئة على مستوى العالم.

 

روبن ميلز هو المدير التنفيذي لشركة قمر للطاقة، وهو مؤلف كتاب خرافة أزمة النفط