صفقة القرن الأمريكية الخاصة بفلسطين هي مجرد استمرار للوضع الراهن مع تغيير المسميات

جوزيف دانا

AFP Photo: Said Khatib

 الصراع العربي الإسرائيلي لا يتعلّق بالأرض أو الدين أو حتى الأمن فقط، بل أنه يتعلّق بالسيطرة واقتصادات الهيمنة في عصر التكنولوجيا، وتعود جذور الصراع إلى خليط سام من القناعات الدينية والحسابات في زمن الحرب والمخاوف الأمنية، لكن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة على مدار نحو خمسة عقود أدّى إلى تغيير الحسابات، والآن يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على استعداد لأن يعكس تلك التغييرات من خلال السياسة الرسمية الأمريكية عبر ما يُسمّى “صفقة القرن”.

والمُلفِت للنظر في خطة ترامب حسبما ظهر حتى الآن هو أنها لا تعني تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية وإنما تحولًا في الأسلوب، وعلى الرغم من الدور الرسمي الذي تقوم به كوسيط، إلا أن الولايات المتحدة طالما ساندت إسرائيل فيما يخص المستوطنات والهيمنة على حياة الفلسطينيين والسياسة العدوانية لتل أبيب على المستوى الإقليمي، ورؤساء الولايات المتحدة السابقين كانوا ببساطة مؤمنين بتحقيق السلام العادل بين إسرائيل والفلسطينيين، لكنهم لم يفعلوا شيئًا لتحقيق ذلك.

وحينما أصبح ترامب رئيسًا فقد تحرك بسرعة للوفاء بالوعود التي أطلقها خلال الحملة الانتخابية، لإرضاء أقطاب الجهات المانحة من أبناء الحزب الجمهوري مثل شيلدون أديلسون، ومن ثم قام ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وقد أدّى اعتراف واشنطن بادعاءات إسرائيل بالسيادة على القدس إلى صدمة انتشرت على مستوى العالم، ولكن هل كان الأمر بمثابة صدمة للجميع؟، فقد سمحت الولايات المتحدة لإسرائيل بل وموّلت بطريقة غير مباشرة المشروعات الإسرائيلية التي ترمي إلى ضم القدس والتي تمّت بوتيرة بطيئة على مدار العقود الخمسة الماضية، كما ان الانتهاكات المتكررة التي قامت بها إسرائيل لاتفاقات أوسلو فيما يتعلّق بالقدس قابلها رد فعل قوي على مستوى تصريحات المسؤولين الأمريكيين، لكن على مستوى الأفعال كانت المحصلة لا شيء.

وبعد أن قام ترامب بخلع قناع النزاهة؛ رأى ترامب الفلسطينيين بلا حماية، ويعانون من العزلة، وليس لديهم ملاذًا قانونيًا للوقوف بوجه الهيمنة الإسرائيلية، وتلك التقديرات ليست صحيحة بشكل كامل، لكن تمرير خطة فورية للسلام في ظل المشهد الحالي سيكون بمثابة تجاهُل للواقع المرير للصراع العربي الإسرائيلي قديم الأزل، وفيما يخُص الخطاب المباشر والأفعال التي تقوم بها إدارة ترامب، فإن ورشة العمل الاقتصادية المقترحة والمقرر إقامتها في البحرين الشهر القادم تبدو وكأنها صفحة في الكتاب الأمريكي القديم.

وطمعًا في مليارات الدولارات من الاستثمارات؛ فإدارة ترامب تأمل في الحصول على دعم أقطاب رجال الأعمال الفلسطينيين، واتفاقات أوسلوا طالما تحدثت عن تمكين الفلسطينيين اقتصاديًا، ومع الوصول إلى اتفاق سلام من الممكن أن يصبح قطاع غزة مركزًا للنشاط الاقتصادي في العالم العربي كما قيل، ويمكن إنشاء مطار دولي جديد يكون بمثابة منافس لمطارات الخليج، أما الضفة الغربية بما تملكه من موارد طبيعية مختلفة من الممكن أن تجلب مبالغ ضخمة من الاستثمارات.

لكن من الواضح أن أيًا من تلك الادعاءات لم يثبت صحتها، وطالما كان الاقتصاد الفلسطيني بمثابة رهينة في يد السلطات الإسرائيلية. حيث تتحكم تل أبيب في كل ما يدخل إلى أو يخرج من الأراضي الفلسطينية، كما ان السلطات الإسرائيلية هي من يقوم بالإشراف بشكل عملي على النشاط الاقتصادي الفلسطيني، حتى أن تل أبيب منعت دخول الأجهزة الخلوية عالية السرعة إلى أراضي الضفة الغربية، على الرغم من أن البنية التحتية بالضفة الغربية يستفيد منها المستوطنون أيضًا.

ويعُد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة بمثابة المشروع الأكبر بالنسبة لدولة إسرائيل على مدار تاريخها، وقامت تل أبيب بتخصيص المزيد من الموارد لأجل تأمين تواجدها عسكريًا ومدنيًا على تلك الأراضي، وتمامًا مثل المغامرات العسكرية فإن الاستثمار في مجال الاحتلال جلب أرباحًا طائلة للاقتصاد الإسرائيلي، ولك أن تنظر فقط للصادرات الإسرائيلية ذات القيمة سواء من ناحية الخبرات العسكرية والمعدات والتكنولوجيا.

وعلى سبيل المثال فإن العديد من مشاهير قطاع التكنولوجيا في إسرائيل يدينون بالفضل في بداياتهم لوحدة النخبة 8200، وطالما استخدمت تلك الوحدة الضفة الغربية كمعمل ضخم لتكنولوجيا المراقبة، وقامت الوحدة بابتكار أساليب جديدة رائعة لمراقبة وتعقُب الفلسطينيين والسيطرة عليهم، وقد قام بعض الشباب الإسرائيليين بعد أن انتهت خدمتهم في تلك الوحدة بعمل تطبيقات خاصة بكل منهم على شبكة الإنترنت مثل “ويز” Waze”” وهو تطبيق لرسم الخرائط تم بيعه لاحقًا لشركة جوجل، حتى أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والمعدات والخبرات تم إعدادها في الضفة الغربية ليتم تصديرها إلى العالم.

والاحتلال أتى لإسرائيل بمنافع اقتصادية لن تتخلّى عنها بسهولة، وأقطاب الاقتصاد والسياسة الفلسطينيين أدركوا تلك الحقيقة جيدًا، ولهذا رفضوا العروض السخية التي قد يحصلون عليها في البحرين، ومسألة حصول الفلسطينيين على الاستثمارات؛ حتى ولو كانت بالمليارات ستكون فقط بمثابة شريط لاصق يتم وضعه على جرح غائر تسبّب فيه الاحتلال والهيمنة، وبدون وجود اتفاقية سلام عادلة تعترف بالحقوق الفلسطينية وتحميها وتعطي الفلسطينيين حق العيش في دولتهم المستقلة، وأن يقوموا على إدارة اقتصادهم بأنفسهم، فانه لا يمكن لأي مبلغ من الاستثمارات أن يساعد في إنهاء الصراع.

وخلال المواقف السابقة الخاصة بالاستعمار أو الاستيطان قامت الأنظمة الحاكمة بتقسيم السكان، ومن ثم إغداق المكافآت على النخبة الراقية في مقابل إدارة أملاكهم، والفلسطينيون اليوم مقسمين حسب الجغرافيا (قطاع غزة والضفة الغربية) وحسب الأيديولوجية السياسية (حماس وفتح)، وظهرت طبقة حاكمة خاصة في الضفة الغربية تستمتع بدعم مالي هائل من إسرائيل وحلفائها الغربيين، وتلك الطبقة الاقتصادية هي التي تقف وراء استمرار الحالة الراهنة، التي تسمح لإسرائيل بالاستمتاع للأبد بمنافع الاحتلال.

والورشة الاقتصادية بالبحرين هي مجرد محاولة أخرى لترسيخ هذا الوضع والتأكيد على وجود الموارد الكافية للاستمرار في الحياة، وتلك النخبة الفلسطينية رفضت بشكل قاطع العروض التي تفضي لتحولات تؤدي بدورها إلى تغيير على الأرض، وسواء تحولت تلك التغييرات إلى تمرد هائل أم لا، فإنه كما يتوقع الجميع ستسقط تلك المنظومة، والتاريخ شاهد على حدوث ذلك بشكل مستمر في المواقف المشابهة.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.