“نفاق” واشنطن وشماتة أعداء أمريكا

عمر العمراني

AFP Photo: Jose Luis Magana

 أثار تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام القوة العسكرية لقمع الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد شماتة خصوم أمريكا الأيديولوجيين وابتهاجهم. وبدءًا من موسكو إلى طهران وصولاً إلى بكين إلى بيونغيانغ، تتزايد الاتهامات الموجهة إلى واشنطن بالنفاق.

وتسائل المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية “تشاو ليجان” قائلا، “كيف للسياسيين الأمريكيين الثناء على مثيري الشغب في هونغ كونغ، واصفين إياهم “بالأبطال”، ثم إذا ما حدث هذا الشغب في أمريكا، فإنهم ينعتون مثيري الشغب “بالمجرمين؟”،. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، “ماريا زاخاروفا” لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية مطلقًا أن تطالب الدول الأخرى بأي مطالب في السنوات القادمة”.

ولكن الانتقادات التي طالت “ترامب” – وتراجع عنها البيت الأبيض – جاءت أيضًا من أكثر الدوائر المقربة له في الحكم: من داخل وزارة الدفاع، ومن الرجل الذي عينه “ترامب” في منصب وزير الدفاع، إنه “مارك إسبر”. وفي الثالث “3” من يونيو/حزيران، نشب خلاف علني بين وزير الدفاع وقائده العام للقوات المسلحة “ترامب”، بعدما أعلن وزير الدفاع أنه يعارض تفعيل “قانون الانتفاضة” – وهي الآلية التي تسمح بنشر القوات الأمريكية العاملة لأداء واجبات إنفاذ القانون. (وبصرف النظر مطلقًا عن حقيقة أن دورهم في الخارج يظهر أن تلك القوات ستكون حازمة في تطبيق القانون المحلي.)، فقد ذهب سلف “إسبر”، وهو الجنرال “جيم ماتيس”، إلى أبعد من ذلك، حيث أخلف وعده بعدم انتقاد الرئيس “ترامب” في العلن مطلقًا، وشجبه لأنه جعل الأمريكيين يواجهون بعضهم بعضًا.

وجاءت معارضة القيادة العسكرية الحالية والسابقة لتصرفات ترامب مخافة منها أن يكون في تسييس الجيش تهديدًا لتماسك وزارة الدفاع، بل ومستقبلها كمؤسسة. وهناك عوامل عديدة تؤكد تلك المخاوف.

فالأول يتعلق بسمعة الجيش ومكانته، حيث يُصنف الجيش الأمريكي دومًا على أنه المؤسسة العامة الأكثر ثقة في أمريكا. وفي يوليو/تموز، أظهر استطلاع أجراه مركز “بيو للأبحاث” أن “83%” ممن شملهم الاستطلاع يثقون في الجيش بصورة كبيرة. ومن سمات هذا الخلاف السياسي أن يمكن استغلاله كوسيلة واضحة ومؤكدة للقضاء نهائيًا على ثقة نصف الأمريكيين على الأقل في تلك المؤسسة العسكرية.

والعامل الثاني، هو أن ابتعاد الجيش عن السياسية أمرًا محوريًا لكي تؤدي القيادات دورها بكفاءة، والمحافظة على تمويل الجيش. وهذا يعني أن الجيش يبقى مدينًا للقيادة المدنية المنتخبة، بغض النظر عن الحزب الذي يتولى تلك القيادة، وهذا بدوره يحمي الجيش من تداعيات الانتقام السياسي. وتحصل وزارة الدفاع على تمويلها من الكونجرس. ولو قًدر أن وزارة الدفاع مؤسسة حزبية، لكانت عرضة لخطر فقدان جزء كبير من تمويلها أو جميعه لو أن حزبًا معارضًا أتى إلى سدة الحكم.

والعامل الثالث، هو أن القوات المسلحة – وبالرغم من تجنيد المزيد من تركيبات سكانية بعينها – مكونة في نهاية المطاف من الشعب الأمريكية بأكمله وتمثله. وإن إقحام الجيش في مخاطر قضية اجتماعية متفجرة وتثير نفس القدر من التوترات بين جنوده، هو ما يعرض تماسك الجيش للخطر. وهذا بالتحديد أمرٌ واقع لأن الاحتجاجات تدور حول التصدي للعنصرية، وهناك “43%” من الموظفين والنساء ينتمون إلى أقليات عرقية وإثنية، منهم “16%” من العرق الأسود.

وأخيرًا، يعي الجيش الأمريكي جيدًا أن قواته، بصراحة، تطبق القانون بقسوة. ويتم تدريب القوات المسلحة على استخدام العنف وليس منعه. لقد تصرفت الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل بقسوة خلال حملات مكافحة التمرد وحفظ السلام في العراق وأفغانستان. وإن نشر القوات في مهمة محلية واسعة النطاق لإنفاذ القانون، حيث يتطلب الأمر المزيد من ضبط النفس، سيكون بمثابة كارثة ذات تداعيات خطيرة.

وبالإضافة إلى تلك الأسباب الجوهرية لعدم نشر الجيش الأمريكي على أرض الوطن إلا للإغاثة من الكوارث، هناك أيضًا بعض الاعتبارات العملية والهامة بنفس القدر.

أولها، هو أن الدفع بالقوات للسيطرة على الحشود سيزيد بشكل كبير من خطر انتشار فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” في صفوف الرتب العسكرية. وقد أدى الفيروس بالفعل إلى تهميش حاملة طائرات واحدة في غوام، وقد بذلت القوات المسلحة جهودا كبيرة منذ ذلك الحين لتقليل خطر العدوى. وستؤدي مهمة إنفاذ القانون المحلي إلى تآكل العديد من هذه الحواجز أمام الوحدات المنتشرة لتنفيذ هذه المهمة.

ومع ذلك، من غير المرجح أن يشكل نشر القوات داخليًا خطرًا على العمليات الخارجية – على الأقل على المدى القصير. وإن القوات التي من المرجح أن يتم تكليفها بالمهمة المحلية ليست، على الاجرح، نفس القوات التي سيتم استدعاؤها للتعامل الفوري مع أي عدو في الخارج والرد عليه. ومع ذلك، كان توقيت الأزمة غير ملائمًا جدًا، حيث يواجه الجيش الأمريكي بالفعل قرارات صعبة بشأن التزاماته الخارجية، وتطور هيكل قوته. وقد تكون الأزمة المحلية الكبرى تشتيتًا غير مرحب به عن تلك المداولات المهمة.

وكما يتضح من تلك التعليقات الشائكة الصادرة من بعض الدول، فإن نشر الجيش الأمريكي في مواجهة مواطنه الأمريكي قد يضر بمصداقية أمريكا في مجال حقوق الإنسان أشد الضرر، ولا يترك للولايات المتحدة الأمريكية أي وسيلة لدحض اتهامات النفاق والكيل بمكيالين عند نقدها للصين أو إيران بسبب قمعهما الاحتجاجات.

وبالنظر إلى كل تلك الأسباب، فليس مفاجئًا أن تكون معارضة “ترامب” بهذه الدرجة الملحوظة.

 

عمر لامراني ، محلل جيوسياسي متخصص في تحليل النزاعات والقضايا العسكرية. عمل قبل ذلك محللًا عسكريًا بارزًا في شركة “ستراتفور” للتحليل الجيوسياسي.