السياسة الأمريكية السامة تجعل منها شريكًا لا يمكن الاعتماد عليه

دنيانيش كامات

Image courtesy of Saul Loeb / AFP

خلال رحلته الأخيرة التي استغرقت خمسة أيام إلى آسيا، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن عن إطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ (IPEF)، وهي مبادرة من 12 دولة تسعى إلى المواءمة التنظيمية، ويرجع الهدف من ذلك إلى تعميق المشاركة الاقتصادية عبر أربع ركائز، وهي الاقتصاد المتصل (البيانات، والقوة العاملة، والمعايير البيئية)، والاقتصاد المرن (سلاسل التوريد)، والاقتصاد النظيف (إزالة الكربون)، والاقتصاد العادل (الضرائب ومكافحة غسيل الأموال).

وتُعَد هذه المبادرة بديلًا ضعيفًا للشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) التي تتزعمها الصين وطُرِحت في يناير؛ وذلك لأن الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة تتيح للبلدان إمكانية الوصول إلى أسواق بعضها البعض بينما لا يوفر إطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ ذلك. وأكبر عامل يمكن أن تغري به الولايات المتحدة الدول المراوغة لإقناعها بالانضمام إلى نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة هو منح هذه الدول إمكانية الوصول إلى أسواقها، ولكن الوضع السام للسياسات الداخلية الأمريكية يحول دون ذلك. وهذا لن يؤثر فقط على النجاح النهائي لإطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، بل على مجموعة كاملة من الخطط والالتزامات الأمريكية الأخرى في جميع أنحاء العالم.

وليس من المستغرب أن الإطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ لا يتيح للدول الأعضاء فيه إمكانية الوصول إلى السوق الأمريكية؛ فنزعة الحماية لدى أمريكا تسفر عن نتائج عكسية. وحقيقة أن هناك إجماعًا من الحزبين حول إطار العمل لا يشير إلى أنه قد تم التفكير في المسألة جيدًا؛ فالديمقراطيون في عهد بايدن يخشون عودة دونالد ترامب إلى الساحة مستعينًا في ذلك بالتجارة الحرة كسلاح سياسي ضد الحزب الحاكم. وقد أثار مشروع قانون “إعادة البناء الأفضل”، الذي أصدرته حكومة بايدن ولم يحصل على موافقة الكونغرس، غضب صانعي السياسات الكنديين لأن أحكامه ستضر بصناعة السيارات الكهربائية في كندا. وفي النهاية، قُضي على مشروع القانون على يدّ سيناتور من حزب بايدن نفسه، ولكن هذا الصراع أوضح كيف أن السياسة الخارجية الأمريكية التي تعثرت بسبب سياساتها السامة لا يمكنها تقديم استثناءات لأحد أقرب حلفاء أمريكا. ويؤثر هذا التفكير أيضًا على إطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ؛ فهو يشير فقط إلى النية لبدء المفاوضات حول مواءمة المعايير التنظيمية، ولا يتيح الوصول إلى الأسواق بالطريقة التي تتيحها الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة.

وكل الأعضاء الآخرين في إطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ أعضاء أيضًا في الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، باستثناء الولايات المتحدة والهند وفيجي. ويشير ذلك إلى أن حتى بعض حلفاء أمريكا يتحوطون بين أمريكا من جهة والمحور الصيني الروسي من جهة أخرى؛ فالبيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في نهاية رحلة بايدن إلى سيول لم يذكر الصين على الإطلاق، الأمر الذي يرجع على الأرجح إلى رغبة كوريا الجنوبية في عدم الإساءة إلى أكبر شريك تجاري لها.

وأحد الأسباب الرئيسية وراء قيام دول العالم بالتحوط بين الولايات المتحدة والصين هو أنه من غير المرجح أن تكون أمريكا حليفًا موثوقًا به بغض النظر عمن يهيمن على البيت الأبيض.  ففي حين أن ترامب ربما يكون قد أخرج الولايات المتحدة من شراكة المحيط الهادئ (TPP) واتفاقية باريس والاتفاق النووي الإيراني، فإن السياسة الخارجية لجو بايدن لم تكن نموذجًا للموثوقية أيضًا؛ فقبل بضعة أشهر فقط، ندد وزير الخارجية الفرنسي بما أسماه “طعنة في الظهر” من قبل الولايات المتحدة بشأن اتفاقية أوكوس.

أما فيما يتعلق بروسيا، فليس هناك ما يضمن استمرار سياسة البيت الأبيض الحالية في حال عودة ترامب إلى الرئاسة عام 2024؛ فقد وصف ترامب بالفعل غزو روسيا لأوكرانيا بالخطوة “العبقرية“. وفيما يخص الاتفاق النووي الإيراني أيضًا، يبدو أن النقطة الشائكة تتمثل في إصرار طهران على إزالة الحرس الثوري الإسلامي من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، التي وضعتها حكومة ترامب عليها، على الرغم من نصائح المسؤولين العسكريين الأمريكيين آنذاك بأن تلك الخطوة ستكون لها نتائج عكسية. وفي مواجهة الهجوم المحتمل على حزبه الديمقراطي في انتخابات منتصف المدة المقرر عقدها في نوفمبر من هذا العام، اعترضت حكومة بايدن على مسألة إدراج الحرس الثوري الإسلامي على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وقد أدى التأخير في إبرام الاتفاق النووي إلى أنه، حتى لو تم إبرام اتفاق نووي، فإن التأخير يعني أن إيران صارت على وشك استخدام قنبلة نووية، وهذا يفسر سبب تصاعد الحرب بالوكالة عبر الطائرات بدون طيار بين إيران وإسرائيل في الأشهر القليلة الماضية، والتي من المرجح أن تستمر، سواء أتم إبرام الاتفاق أم لا.

وتعتبر أمريكا اليوم مثالاً بارزًا على الطريقة التي تقضي بها الديمقراطيات على نفسها؛ فالمؤسسات المستقلة ظاهريًا مثل السلطة القضائية أصبحت الآن مسيّسة تمامًا. وأدى الجمود السياسي في البلاد إلى منع اتخاذ إجراء هادف بشأن القضايا المحلية، مثل مكافحة الأسلحة والهجرة، في حين أن السياسة ما تزال مفعمة بالحيوية في الحروب الثقافية التي لا تنتهي حول العنصرية، وقضايا المثليين، والإجهاض. وعلاوة على ذلك، تواجه السياسة الخارجية معاناة أيضًا لأن مجلس الشيوخ الأمريكي لم يؤكد بعد العديد من المناصب المهمة بالسفارات، وثمة رسالة وراء عدم وجود سفراء مؤكدون حتى الآن في الهند ورابطة أمم جنوب شرق آسيا، وهي الدول التي من المفترض أن تكون في إطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ (الهند عضو أيضًا في الحوار الأمني الرباعي). وتفتقر السياسة الخارجية الأمريكية إلى الاتساق حيث تفرض عقوبات على كتيبة العمل السريع في بنجلاديش بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، لكنها ترفض معاقبة قوات الأمن الإسرائيلية على أفعالها، مثل مقتل صحفية فلسطينية-أمريكية في وقت سابق من هذا الشهر.

إن برنامج “إعادة البناء الأفضل” الأمريكي لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية لم يحقق أي نجاح، في حين تم تأجيل صفقة الضرائب العالمية “التاريخية” التي توسطت فيها الولايات المتحدة على الشركات متعددة الجنسيات حتى عام 2024 بسبب المعارضة المحتملة في الكونجرس الأمريكي. ونظرًا لأن أمريكا ما يزال لها هذا التأثير الضخم على العالم، فإن عدم اتساقها يجعل العالم أقل أمانًا وازدهارًا، ولذا على الرغم من الإعلان عن إطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن أقرب أصدقاء أمريكا وحلفاءها محقون في التحوط والتخطيط وفقًا لذلك.

 

دنيانيش كامات محلل سياسي يركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويقدم استشارات كذلك في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للهيئات الحكومية والقطاع الخاص.