رحيل القوات الأمريكية عن سوريا قد يحسن العلاقة بين تركيا والأكراد

عمر تاسبينار

هل استغلت أمريكا الأكراد في سوريا ثم تتخلى عنهم الآن؟ وكما هو متوقع، يخشى المراقبون، المؤمنون بفكرة الديون المعنوية أكثر من إيمانهم بالمنطق القاسي للسياسة الواقعية، من التداعيات التي سيتعرض لها الأكراد بعد الانسحاب الأمريكي العاجل من سوريا. وبعد الاستعانة بهم كجنود في الجهود العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، تعرض الأكراد – وهكذا يعتقد الكثيرون – للخيانة مرة أخرى، وأصبحوا الآن وحدهم في مواجهة العدوان التركي، وتلك هي الفكرة السائدة على الأقل.

وتكمن المشكلة في هذا السيناريو أنه تصرف خاطئ. وبمعنى آخر، تحسنت العلاقات بين تركيا وأكراد العراق بشكل كبير بعد رحيل الولايات المتحدة عن العراق، وتابعت تركيا القرار الذي أصدرته إدارة أوباما بعد رحيلها عن العراق والذي يقضي بمنح أكراد العراق الحق في المشاركة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، واعترفت أنقرة بإقليم كردستان، بل أنها افتتحت سفارة لها في العاصمة “أربيل” في العام 2010.

والآن، إذا كان التاريخ فيه من العبر، فإن رحيل القوات الأمريكية عن سوريا سيمهد الطريق أمام التعاون التركي مع أكراد سوريا على الصعيد السياسي والدبلوماسي. هناك من يقول بأن تعاون أنقرة مع أكراد العراق كان سلسًا لأنهم لم يكونوا إرهابيين من وجهة نظر أنقرة، رغم أن أنقرة ظلت لعقود تنتقد أبرز مجموعتين من الأكراد في العراق بسبب دعمهم للإرهابيين وتوفير الدعم لأعضاء حزب العمال الكردستاني الموجود في تركيا أو كما يُطلق عليه “بي كيه كيه”.

ومما لا شك فيه، هناك اختلافات هامة بين الفصائل الكردية المعنية في شمال سوريا وشمال العراق. وبغض النظر عن هذا، فمن شأن رحيل القوات الأمريكية عن سوريا أن يساعد كثيرًا في الحد من مخاوف الأتراك من وجود تحالف عسكري دائم بين الأكراد وأمريكا. ومن وجهة نظر أنقرة، هناك شيء أكثر خطورة من إنشاء وطن للأكراد، وهو أن يأتي هذا الوطن بدعم من قوة عظمى. ولا غرابة في أن الأتراك كانوا دومًا يفضلون التفاوض مع الأكراد وقتما كان الأكراد وحدهم ومحاصرين. وبفضل قرار ترامب غير المتوقع، سيكون لأنقرة اليد العليا.

وفي القرن العشرين كان الاستعمار الأوروبي يدعم النزعة الانفصالية على أساس العرق داخل الإمبراطورية العثمانية. وماتزال ذكريات تفكك الأقاليم العثمانية تؤجج وقود نظريات المؤامرة داخل تركيا الحديثة بشأن الدعم الأمريكي للأكراد لكي ينفصلوا عن تركيا. ويعتقد أغلبية الأتراك أن الحركة القومية التركية تحظى بدعم من واشنطن، رغم تصنيف واشنطن لحزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية. لا يمكن القضاء على المؤامرات بسهولة لما لها من قدرة على الاستمرار رغم وضوح الحقائق – فها هي تركيا لم تغير فكرها رغم تأييد المخابرات المركزية الأمريكية لعملية اعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني “عبدالله أوجلان” في العام 1999.

ولذلك بعد أن أبرمت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” شراكة عسكرية مع أكراد سوريا الممثلين في حزب الاتحاد الديمقراطي، تحولت الشكوك التركية بخصوص المؤامرات إلى نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها. ومع إقدام وزارة الدفاع على هذا الأمر، فإنه بات واضحا ان الولايات المتحدة تدعم أكراد سوريا دعمًا فاعلاً وصريحًا. والحقيقة أن أمريكا رأت في أكراد سوريا القوى التي تقاتل ببسالة ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ولم يصدق الاتراك الزعم بانه لا توجد نية لدى الولايات المتحدة الامريكية في دعم إنشاء وطن للأكراد.

ومن المحتمل أن يؤدي قرار إدارة ترامب الخاص برحيل القوات الأمريكية عن سوريا إلى تغيير موازين القوى لصالح تركيا، فضلاً عن سيطرة أنقرة على المناطق الشمالية. وهناك علاقات جيدة تربط روسيا، اللاعب العسكري الرئيسي الآخر في الشمال السوري، بالأكراد، غير أن علاقة روسيا المتميزة مع أنقرة على المحك. وترى موسكو في الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” الحلقة الأضعف في التحالف عبر الأطلسي – ومن المعروف أن تركيا هي البلد الوحيد في حلف الناتو التي تبتاع أنظمة دفاع صاروخية من روسيا. وفي حقيقة الأمر، يشكل انقسام حلف الناتو أهمية بالغة لروسيا أكثر من الأكراد حتى تتمكن روسيا من تحقيق إستراتيجيتها الكبرى.

وفي سبيل هذا، سيختار أردوغان سياسة البرجماتية والدبلوماسية بدلاً من الخيار العسكري، وبإمكان أردوغان تحمل هذا الخيار لأنه بعد إجراء الانتخابات المحلية في مارس، سيكون حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أردوغان في غنى عن دعم الحزب القومي الكردي العدائي المناوئ له. كما يدرك أردوغان أن اجتياح الشمال السوري لن يخدم مصالح تركيا، لأنه سيؤدي إلى تدهور الاقتصاد والاستقرار السياسي في البلاد. وفي الواقع، لم يتبقى للاقتصاد التركي الضعيف سوى سلسلة هجمات إرهابية يشنها حزب العمال الكردستاني قبل بدء موسم السياحة القادم.

وفي مطلع هذا العقد، عقد أردوغان مفاوضات مع حزب العمال الكردستاني، غير أن الشراكة الأمريكية مع أكراد سوريا، والتي بدأت في العام 2014، قوضت تلك المحادثات من خلال تغذية الإحساس بعدم الأمن لدى تركيا. ويمثل انتهاء التحالف بين الأكراد وأمريكا فرصة حاسمة لتركيا حتى تتمكن من التحاور مرة أخرى مع حزب العمال الكردستاني من موقف القوة الذي اكتسبته تركيا مؤخرًا.

وفي الوقت ذاته يتعين على أكراد سوريا اتخاذ القرار الأصعب وهو المفاضلة بين دمشق وأنقرة. وإذ يسيطر نظام بشار الأسد في الوقت الراهن على معظم البلاد، ولن ينسى نظامه الوحشي مطلقًا خيانة الأكراد عندما دعموا الولايات المتحدة الأمريكية، فلن يمنح بشار حكمًا مستقلاً للأكراد. ومن ثم، يمكن لأنقرة إنشاء علاقات دبلوماسية مع الأكراد بعد رحيل القوات الأمريكية عن سوريا ويتم ذلك في ضوء محادثات السلام المتجددة بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني.

وما كان فكرة مرجوة منذ شهر مضى، أصبح الآن بعيد المنال. فلو استطاعت حكومة إقليم كردستان الرجوع إلى عباءة تركيا بعد رحيل أمريكا كما كان عهدها منذ عشر سنوات مضت، فسيكون تطبيق السيناريو نفسه في الشمال السوري منفعة لجميع الأطراف، أي السلام الذي سينعم به الأتراك والأكراد معا، ورحيل القوات الأمريكية عن سوريا.

AFP PHOTO