في ظل التوترات في غرب ليبيا، خطاب جديد بدأ يثبت نجاعته

جلال حرشاوي

مع حلول الذكرى السابعة للثورة المناهضة للقذافي، تعج ليبيا بالمناطق المعرضة لارتفاع حدة أعمال العنف. ومع ذلك، تبرز منطقة طرابلس الكبرى وسط كل هذا الاحتقان. فطرابلس موطن لأربعين بالمائة من ساكنة البلاد البالغة 6.5 مليون نسمة، كما أن كافة أطياف المجتمع الليبي ممثلة في تشكيل طرابلس المتنوع. إضافة إلى ذلك، فإنها موطن لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، ولميناء مياه عميقة وقاعدة بحرية ومطارين (رغم أن واحداً منهما فقط ما يزال يعمل في الوقت الحالي، في وقت يكاد فيه الميناء البحري يكون متوقفاً عن العمل). وتضم طرابلس كذلك البنك المركزي ومقر المؤسسة الوطنية للنفط. فمن الناحية الاستراتيجية والرمزية والمؤسساتية وحتى الاقتصادية، يعتبر إيجاد موطئ قدم في العاصمة خطوة ضرورية لأي فاعل رئيسي له طموحات في البلاد.

إن الاشتباكات المدمرة التي شهدها مطار معيتيقة في طرابلس الشهر الماضي بين جماعات مسلحة موالية لحكومة الوفاق الوطني كانت بمثابة تذكير بأن العاصمة الليبية ليست بمعزل حتى هذه اللحظة عن الفوضى التي تعم البلاد. وبينما تُظهر الآن قوات الميليشيا في المنطقة إشارات على تحضيرها للتكملة الحتمية لحادث 15 يناير، فإن الخطابات والتصورات دخلت بدورها في تنافس شرس. هذا الأمر ستكون له تداعيات أوسع على الحرب الأهلية.

وعلى بعد 1000 كلم شرقاً، تتمركز قوات الجيش الوطني الليبي المعلن عنه ذاتياً بقيادة خليفة حفتر. وقد قال ملازمون للقائد المناهض للإسلاميين مؤخراً أنه على استعداد “للزحف نحو طرابلس” بهدف “إنهاء الأزمة”. لكن في ظل توفرهم على ما يقل عن 25 ألف جندي، فإن الجيش الوطني الليبي ليس بالحركية أو التماسك أو القوة اللازمة لدخول غمار حملة مفتوحة كهذه. إضافة إلى ذلك، فإن داعمي حفتر الخارجيين، بقيادة الإمارات العربية المتحدة ومصر، قد أبدوا في الأشهر الأخيرة قابلية أقل لدعم هذا النوع من المغامرات. بالمقابل، أصبحت دول أخرى أكثر حرصاً على ألا يصبح إقليم طرابلس، شمال غرب ليبيا، مسرحاً لحرب طويلة الأمد في مدن المنطقة. هذا وتتواصل أعمال العنف في بنغازي، وذلك بعد بضعة أشهر من إعلان الجيش الوطني الليبي تحقيق الانتصار في المدينة، وهو ما يزيد من تلك المخاوف. وقد بذلت إيطاليا والجزائر وغيرهما من الفاعلين جهوداً دبلوماسية حثيثة في الآونة الأخيرة لإيصال شكوكهم بشأن أساليب حفتر لواشنطن والقاهرة وموسكو وغيرها من العواصم.

وبدلاً من أن يتم اجتياح منطقة طرابلس من الخارج عن طريق “زحف” الجيش الوطني الليبي، يرجح أن تشهد المنطقة استمرار دينامية بدأت تظهر فعلاً في محيط العاصمة الأوسع. فمنذ أواخر الصيف، شهدت المنطقة أربع معارك: صبراتة (70 كلم غرب طرابلس) في سبتمبر-أكتوبر؛ ورشفانة (بالقرب من الجزء الجنوبي الغربي من العاصمة) في نوفمبر؛ أبو كماش (بمحاذاة الحدود التونسية قرب زوارة) في أوائل يناير؛ ومطار معيتيقة (شرق طرابلس) في أواسط يناير. وشارك في كل منها جماعات تتمركز في إقليم طرابلس تزعم أنها قوات “لمكافحة الجريمة” تابعة لحكومة الوفاق الوطني. هذه الجماعات، التي تتحكم فعلاً في معظم أجزاء طرابلس، تتبع خطاباً مختلفاً عن خطاب حفتر، والذي لم يعترض على أي من المعارك الأربع. ولعل فهم هذا الأمر يساعد على تحديد ما ينتظر المنطقة الشمالية الغربية في ليبيا خلال هذه السنة.

حين اندلعت الحرب الأهلية الليبية في 2014، كانت توصف في غالب الأحيان على أنها صراع قطبي؛ ائتلاف “علماني” يأمل في فرض “الاستقرار” في البلاد الواقعة في شمال إفريقيا، في مواجهة تحالف يهيمن عليه الإسلاميون وتسرب إليه الجهاديون. ورغم أنه ليس دقيقاً تماماً، فإن هذا الوصف كان صحيحاً كفاية في الشهور الأولى من الصراع، قبل أن يبدأ هذا الخطاب في فقدان صحته. ومنذ ذلك الحين، بدأت حكاية جديدة عنوانها “مكافحة الجريمة”.

وبحلول النصف الثاني من عام 2015، كان الصراع قد استنزف العديد من الليبيين العاديين، وأصبحت شبكات تهريب السلع والبشر تغطي مساحات شاسعة من البلاد، في وقت انتشر فيه الفساد والاختطافات والتخاذل في التعامل مع الجماعات الجهادية، بل والتواطؤ الفعلي معها. وقد رأى بعض قادة الجماعات الإسلامية حالة الإرهاق التي أصابت الرأي العام الليبي فرصة لاكتساب الشرعية وقلب موازين القوى لصالحهم. ورغم أن الحركة مدفوعة جزئياً برغبة حقيقية في مكافحة الجريمة، إلا أنها في جوهرها مجرد تجسيد لشكل من أشكال الانتهازية المغرضة. فأغلب الجماعات المسلحة في ليبيا تنتهك حقوق الإنسان وتعارض سيادة القانون وترتكب الجرائم، لكن ليس بنفس القدر من الوقاحة.

وكان عبد الرؤوف كارة في شرق طرابلس، وهو لحام سابق وُلد سنة 1980، أول قائد ميليشيا يتبنى خطاب “مكافحة الجريمة”. وقد زعم في مقابلات عديدة أنه حمل السلاح لأول مرة في 2011 في مواجهة قوات القذافي. وعقب انتهاء تلك الحرب، ركز هذا السلفي الموالي للسعودية على توفير الأمن المحلي ومصادرة المشروبات الكحولية وتفكيك شبكات الاتجار في المخدرات وشن حملات على المثلية الجنسية وإدارة سجن خارج نطاق القضاء. لكن في صيف 2014، أصبح المطار الرئيسي في طرابلس غير صالح للعمل نتيجة المواجهات، وأصبح مطار معيتيقة، حيث تتمركز “قوة الردع الخاصة” التابعة لكارة، المطار الوحيد الذي يعمل في العاصمة، الأمر الذي عزز نفوذ كارة بشكل أكبر.

وفي أواخر سنة 2015، أعلن كارة الذي صرح بكونه عدواً لجماعة “الإخوان المسلمين” أنه سيضيف محاربة تنظيم “داعش” إلى برنامجه، إلا أنه لم يرسل سوى حفنة من رجاله ضمن الجهود المدعومة دولياً سنة 2016، والتي قادتها جماعات أغلبها من مصراتة، لاجتثاث “داعش” من مدينة سرت. بالمقابل، ضاعف كارة التزامه بموقف “مكافحة الجريمة”. وقد حاربت بعض الجماعات المتواجدة في منطقة طرابلس قوات “داعش” سنة 2016، بما في ذلك بعض الميليشيات المتواجدة في الضواحي الشرقية والتي هاجمت معيتيقة الشهر الماضي. إلا أن حسابات العديد من الميليشيات الأخرى، سواء السلفية أو العلمانية، كانت مماثلة لحسابات كارة. فالموقف الذي تبنته هذه الميليشيات، بتسامحها مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، والتشكيك المتحفظ تجاه حفتر، والمعارضة الشديدة للإسلام السياسي، والإصرار على خطابات مكافحة الجريمة، قد أثبت نجاحه، حيث اتضح أن سكان طرابلس كانوا أكثر تخوفاً من العصابات المحلية مقارنة بتواجد “داعش” في سرت التي تبعد عن المدينة بـ400 كلم. أما على المستوى الدولي، لم تقم مصر ودولة الإمارات وغيرها من الدول الناشطة عسكرياً في ليبيا بدعم الحملة المناهضة لـ”داعش” في سرت، ما يُظهر أن السياسة قد تفوقت على محاربة الإرهاب.

وتشكل ميليشيات “مكافحة الجريمة” المزعومة في طرابلس تجمعاً قوياً عندما تنسق أنشطتها في مواجهة عدو مشترك، كما اتضح في السنة الماضية عندما قامت بطرد العديد من الشخصيات الإسلامية والمصراتية المتشددة من العاصمة. واليوم، تستمر جاذبية موقف “مكافحة الجريمة” في نظر البراغماتيين، كونه يمكن أولئك الذين كانوا مرتبطين بالإسلاميين من النأي بأنفسهم عن هؤلاء دون إعلان ولائهم للمشير حفتر، الرجل القوي ذو الشخصية الاستقطابية، الذي ما يزال غير واثق من شعبيته على الصعيد الوطني.

وكان آخر الملتحقين بهذا الركب هو أسامة الجويلي، رئيس المجلس العسكري بالزنتان، فقد قام القائد ذو الـ57 عاماً، الموالي لحكومة الوفاق الوطني والمتمركز على بعد 160 كلم جنوب غرب طرابلس، بالهجوم على ورشفانة ومحاولة السيطرة على معبر حدودي مهم مع تونس. وفي كلتا الحالتين، أكد الجويلي على ضرورة مكافحة الجريمة في هذه المناطق. ومع اقتراب رجاله من طرابلس في نوفمبر، تبنى هيثم التاجوري، وهو أحد الشخصيات “المناهضة للجريمة” والذي يتولى قيادة إحدى أقوى الجماعات في طرابلس، نفس هذا الموقف.

هذا ومن الممكن السعي إلى تنفيذ مقاربة مماثلة لتضييق الخناق على تاجورة، الواقعة شرق طرابلس، حيث تملك الميليشيات صلات بالإسلاميين والمصراتيين المتشددين وغيرهم من العناصر المشاركة في الصراع ضد حفتر. وإذا نجحت هذه الخطوة، من المرجح أن تتكرر إلى أن يتم عزل جميع معاقل الإسلاميين والمصراتيين المتشددين في منطقة طرابلس الكبرى أو اجتثاثهم. عندها، سيُطرح التساؤل التالي في العواصم الأجنبية: إذا كانت “مكافحة الجريمة” ناجحة في إقليم طرابلس، فما الحاجة إلى وجود حفتر هناك؟

يُدرس جلال حرشاوي الجغرافيا السياسية في “جامعة فيرساي” و”جامعة شرق باريس”، كما أنه يدرس المخاطر السياسية في “مدرسة باريس للأعمال”. حرشاوي مرشح لنيل الدكتوراه في الجغرافيا السياسية بـ”جامعة باريس 8″، وتركز أطروحته على البعد الدولي للصراع الليبي.

AFP PHOTO / MAHMUD TURKIA