المنطقة التجارية الإفريقية الحرة والروابط الإفريقية الشرق أوسطية المتنامية هي مفتاح الرخاء

أفشين مولافي

AFP photo: Pius Utomi Ekpei

إذا وددت أن تدرك مستقبلنا المشترك فانظر أمامك إلى إفريقيا. لنبدأ بما هو واضح، أي الخصائص السكانية لإفريقيا. طبقًا لتقديرات الأمم المتحدة، يُنتظر أن يتضاعف التعداد السكاني الإفريقي بحلول العام 2050 ليبلغ 2.4 مليار نسمة. بالنظر إلى أبعد من ذلك، وتحديدًا العام 2100، فمن المُتوقع أن يصل التعداد السكاني الإفريقي فيه إلى 4.3 مليار نسمة، وبحلول ذاك الوقت سيصبح حوالي ثلث تعداد البشرية يقطنون القارة السمراء. في خضم كل هذا الحديث عن كون القرن الحادي والعشرين قرنًا آسيويًا، فإن إفريقيا في طريقها للاقتراب من اللحاق بآسيا مع نهاية القرن الحالي؛ فهل يصبح القرن الثاني والعشرين قرنًا إفريقيًا؟

لكن، قبل أن نذهب إلى هذا المدي البعيد، دعْنا نتجه بأنظارنا صوب أحد أكبر التحديات التي تواجه إفريقيا اليوم وفي المستقبل القريب؛ أي الوظائف. حين يبلغ تعداد إفريقيا 2.4 مليار شخص فإن حوالي ثلث هذا العدد سيكون من الشباب، بحسب بنك التنمية الإفريقي. ذلك يعني أننا سنصبح بحاجة إلى 800 مليون وظيفة حينئذ.

أشار بنك التنمية الإفريقي إلى النمو السكاني للقارة خلال العقود الثلاثة القادمة بوصفه “قنبلة موقوتة”. لهذا فالاتفاقية القارية الإفريقية الجديدة للتجارة الحرة AfCFTAبالغة الأهمية. كان قد تم توقيع الاتفاقية من قِبل كل أمة إفريقية فعليًا، وبدأ سريانها في 30 مايو الماضي، وهي تخلق أضخم منطقة للتجارة الحرة في العالم منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية في 1995. كثيرًا ما يشكو المستثمرون الأجانب قلة الحركة التجارية فيما بين البلدان الإفريقية، مما يزيد من صعوبة الاستثمار في البلدان الأصغر. بينما يكون الاستثمار في بلد كنيجيريا (ذات التعداد الذي يقارب 200 مليون نسمة) مثيرًا للاهتمام، لا يكون الأمر كذلك في بلد كالنيجر (ذات التعداد الذي لا يزيد عن 20 مليون نسمة).

تعدّ الاتفاقية القارية الإفريقية للتجارة الحرة بداية جيدة؛ ولكن علينا ألا ننتظر طفرةً تحدث بين ليلة وضحاها. لا تزال هنالك عقبات هائلة، كما أن الاتفاقيات بهذا الحجم وذاك المدى بين دول نامية في أغلبها ستتطلب أعوامًا – بل وربما عقودًا كاملة – كي تنتج ثمرة مقبولة وعملية ومفيدة. لكن، وسط التصورات السلبية الحالية المُبالغ فيها عن العولمة، والتي تتنامى في بعض أنحاء أوروبا والولايات المتحدة، تمثل الاتفاقية القارية الإفريقية للتجارة الحرة تيارًا قويًا مضادًا ثمّة حاجة شديدة الإلحاح إليه.

متوسط الأعمار في إفريقيا اليوم 20 عامًا. على النقيض، فمتوسط أعمار بالدول المتقدمة اقتصاديًا، أي الدول الأوروبية والولايات المتحدة واليابان، يبلغ 42 عامًا. ومع وجود مثل هذه الكثافة السكانية الإفريقية من الشباب، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن دول القارة سيلزمها خلق 18 مليون وظيفة سنويًا خلال العام 2035.

من أين تأتي تلك الوظائف إذن؟ في عصر آلية التصنيع، تُسنَد الوظائف المتطلبة مهارات دنيا أو متوسطة إلى الروبوتات. ما يضاعف المشكلة في أنحاء إفريقيا، على المدي القريب على الأقل، هو الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، والتي يُحتمل أن تحطم ما وصلت إليه كلتاهما من علياء اقتصادي. بالنظر إلى الدور الخطير الذي تلعبه الصين كمستورد رئيسي للسلع الإفريقية ومستثمر في البنية التحتية، ودور أمريكا كمستثمر أجنبي رئيسي ومباشر، فسيكون للصراع التجاري آثاره الجانبية على القارة.

بيد أنه يوجد جانب آخر للقصة الإفريقية دون شك. إنها قصة التحول الاقتصادي حيث رواد الأعمال الشباب يبدعون ويبتكرون، وحيث المشروعات الكبرى تتوسع على المستوي الإقليمي، والدولي في بعض الأحيان، وحيث الطبقات الوسطي المتنامية تقود ازدهارًا استهلاكيًا في المدن الكبرى. لعل رواية “أفريقيا الصاعدة” قد انطلقت بحماسة زائدة، لكن لعلها – على أية حال – قد أجرت تصحيحًا نافعًا لرواية “القارة الميؤوس منها” التي رددتها مجلة “الإيكونوميست” في موضوع غلافها لعدد العام 2000. مع ذلك، فقد حان الوقت اليوم للكفّ عن القلق بشأن الروايات، وبدء توجيه الجهود والهمم إلى الأعمال، نعم؛ الأعمال. بينما تلعب المعونات دورًا مهمًا، فإن ما تحتاجه الدول الإفريقية الكبرى (شأنها كشأن أية دولة أخري) هو نمو يقوده القطاع الخاص.

هذا ما انتهت إليه مدن مثل دبي وأبو ظبي، ودول كالمملكة العربية السعودية وتركيا ومصر والمغرب. إحدى السمات المميِّزة لعصرنا اليوم هي النمو الهائل في التجارة والاستثمار ما بين دول نصف الكرة الأرضية الجنوبي. لم تعُد الدول الواقعة بأنحاء “جنوب الأرض” تنتظر دول الغرب حتى “تنقذها” بالمساعدات أو تستثمر بأسواقها؛ بل تنخرط بدورها بشكل متزايد في الأسواق النامية الأخرى.

أصبحت دبي تؤدي دورًا في إفريقيا كدور ميامي الأمريكية، لتصير مركزًا رئيسيًا للأعمال والتجارة والماليات والسياحة في القارة الإفريقية، في حين تعمل الكيانات الإماراتية كمستثمرين رئيسيين في أرجاء القارة. أصبحت شركات مثل (اتصالات) ومقرها إمارة أبو ظبي، و(طيران الإمارات) ومقرها إمارة دبي، أسماءً تجارية مألوفة في أنحاء القارة، وعوامل مساعِدة رئيسية في حركة التجارة والاتصال. هناك أيضًا شركة (دي بي وورلد DP World) العاملة في تشغيل الموانئ ومقرها إمارة دبي، والتي تشغّل ثماني محطات بحرية وبرية في القارة. كما أن هناك 12.000 شركة تجارية إفريقية مسجلة بالغرفة التجارية في دبي؛ وهو عدد استثنائي.

أعلنت السعودية مؤخرًا عن استثمار كبير في البتروكيماويات ومعامل التكرير في جنوب إفريقيا، ضمن خطة استثمارات يبلغ حجمها 10 مليار دولار أمريكي. معرفة المملكة العربية السعودية ببناء مشروعات صناعية واسعة النطاق – وهو النوع الذي يوفر الكثير من فرص العمل – مثل شركة (سعودي أرامكو Saudi Aramco) وشركة البتروكيماويات (سابك SABIC)، تنبغي مشاركتها على نطاق واسع في أنحاء القارة. تواصل تركيا الاستثمار على نطاق كبير في الأسواق الإفريقية، وتؤدي الخطوط الجوية التركية دورًا يضاعف قوة الاتصال. كذلك أسس المغرب لنفسه موضعًا جيدًا كمركز للطيران والماليات والتعليم بجنوب الصحراء الإفريقية الكبرى، وتسعى مصر إلى استغلال مواهبها التقنية حتى تصبح مركزًا للأعمال الرقمية.

كل هذه الأمور إيجابية، لكن الأمر لن يستقيم باتجاه أحادي. يمكن لرواد الأعمال والكيانات التجارية جنوبي الصحراء الإفريقية الكبرى أن يثروا النطاق الأوسع لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحركتهم وقدرتهم على تحقيق قفزات وطفرات في ظروف غالبًا ما تكون صعبة. تجدر الإشارة هنا إلى الصناعات الإفريقية المبتكرة. تلاحظ “أوبري هروبي”، وهي مراقبة فطنة لكل ما له صلة بالشأن الإفريقي، أن “السينما والموسيقي والموضة الإفريقية تحدِث ضجة في الساحة العالمية”، وأن صناعة السينما النيجيرية وقطاع الفنون البصرية بجنوب إفريقيا لا يزالان بعدُ في بداية نموهما. تلك دروس يمكن استخلاصها ومشاركتها.

تستضيف إمارة دبي في كل عام القمة العالمية للحكومات، والتي تجمع البارزين ممن يسعون للتصدي لأكبر التحديات التي تواجه عالمنا. من المفيد الاستماع إلى حديث المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي؛ لكن لا شيء يثلج صدر محافظ مدينة مدينة إفريقية أو شرق أوسطية أكثر من الجلوس مع نظير له وتبادل الأفكار. بالتأكيد تملك مدن مثل زيورخ أو باريس حلًا مبتكرًا لمشكلة إحدى المدن، لكن حين يجلس مسئول في بلدية بالقاهرة ليتعلم شيئًا مفيدًا من مسئول في بلدية بمدينة لاغوس بنيجيريا فإنهما يتشاركان لغةً واحدة بشكلٍ ما.

في هذا الصدد، يمكن لتدفق التجارة والاستثمار العابريْن للحدود، الذي يربط الشرق الأوسط بإفريقيا، أن يثري كلا الجانبين. لكن الأمر لا يقتصر على الأرقام، بل يجب أن تكون أواصر الحوار أكثر متانةً بكثير؛ فأمام دبي الكثير لتتعلمه من داكار، وهنالك الكثير مما يمكن لأبو ظبي أن تتشاركه مع أديس أبابا.

“أفشين مولوي” من كبار الزملاء بمعهد السياسة الخارجية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة “جونز هوبكينز”، ومحرر ومؤسس المدونة الإلكترونية “نيو سيلك رود مونيتور”.