القلق المتزايد من الإسلام يعمي الغرب عن حقيقة المشكلات في الشرق الأوسط

عمر تاسبينار

AFP photo/Bulent Kilic

بدءًا من خطاب دونالد ترامب الباعث على القلق في عام 2017 والذي ألقاه في بولندا، وأعلن فيه أن “كل شبرٍ في الحضارة الغربية يستحق التضحية بالنفس”، وصولاً إلى تأجيج الخوف مؤخرًا من “شعوب الشرق الأوسط” القابعين داخل أمريكا اللاتينية وكانوا على وشك “غزو” الولايات المتحدة الأمريكية، هناك شيء واحد ثابت في وجهة نظر الرئيس الأمريكي بشأن هذا العالم وهي: انتشار شبح الإسلام الراديكالي، واستعداده للسيطرة على الغرب. وبالطبع، لم يكن ترامب وحده الذي استغل هذا الخوف من الإسلام. ففي أوروبا، تعارض الأحزاب الشعوبية المناهضة للهجرة الأسلمة باستمرار، والشاهد على ذلك دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا ، حيث تعيش أقليات مسلمة كبيرة. لكن حتى بولندا وهنغاريا، والتي لا يكاد يذكر فيهما أية مسائل خاصة بالهجرة،، تبدو قلقة للغاية بشأن غزو يلوح في الأفق.

ومن السهل إلقاء اللوم على سياسات مكافحة الهجرة والعنصرية في ظهور الإسلاموفوبيا. ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشكلة في السياسة الشعبوية، كما يتحمل المثقفون الغربيون نفس القدر من اللوم. ومع نهاية الحرب الباردة ، أصبح الميل إلى المبالغة في الإسلام شائعًا على المستوى الفكري، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى “صامويل هنتنغتون”، والذي حذر من سرعة اقتراب “صراع الحضارات”.

ولسوء الحظ، أثبت أستاذ جامعة هارفارد الراحل أنه صاحب بصيرة ورؤية، حيث تحولت توقعاته القاتمة إلى نبوءة تتحقق ذاتيا بعد هجمات الحادي عشر “11” من سبتمبر الإرهابية. وظهرت عبارتي “الجهاد” و”الحملة الصليبية” في المعجم الشعبي بعد ردة الفعل الأمريكية على هجمات الحادي عشر “11” من سبتمبر بغزو أفغانستان والعراق. واليوم، لا يمثل الإسلام، في نظر الأغلبية الكبيرة في الغرب، تهديدًا أمنيًا وجوديًا فحسب، بل يمثل أيضًا عقبة لا يمكن التغلب عليها فيما يبدو أمام الحرية والديمقراطية والعلمانية والمساواة بين الجنسين – وباختصار، يشكل الإسلام تهديدًا إلى جميع القيم التقدمية المرتبطة بالحداثة.

وكما لو أن هجمات الحادي عشر “11” من أيلول / سبتمبر لم تكن كافية لإثارة صدام حضاري، فقد أدت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 إلى تفاقم سياسة الهوية، كما عجلت الفترات الاقتصادية الصعبة من البحث عن كبش فداء، وأطلق هذا الركود المطول العنان للأحزاب السياسية المعادية للهجرة لاتخاذ ردة فعل مضادة للمؤسسة المؤيدة للعولمة. وقد أدى هذا المنحى من القومية الغاضبة في الغرب إلى جعل الإسلام، والتعددية الثقافية، والهجرة، واللاجئين أهدافًا سهلة. وتعتلي الآن الأحزاب السياسية المناهضة لهجرة المسلمين السلطة في النمسا وإيطاليا وبولندا والمجر، كما تحدد تلك الأحزاب ملامح النقاش العام في بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وللأسف، فشلت الثورات العربية في العام 2011 في تغيير صورة الإسلام. ويمكن القول، أنها جعلت الأمور أسوأ. ففي مصر، اعتلى الإخوان المسلمون السلطة، قبل أن يزيحها الانقلاب العسكري، وساهمت الحروب الأهلية الدموية في ليبيا واليمن وسوريا، إلى جانب صعود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، في تكوين تلك الفكرة القاتمة لدى الغرب عن للإسلام.

وكانت النتيجة هي تعزيز الميل في الغرب للنظر إلى الشرق الأوسط من خلال منظور الدين. وانطلاقاً من تحول تركيا في ظل حكم “رجب طيب أردوغان” وصولاً إلى ما سمي بالنزاع الطائفي السني الشيعي، يبقى التركيز دائمًا على الإسلام، وذلك على حساب جميع الدوافع الاقتصادية والسياسية الأخرى للصراع، والحكم على الإسلام من هذا المنظور بهذه الطريقة لا يبشر بخير، حيث يُنظر إلى الإسلام على أنه غير متوافق مع الديمقراطية والعلمانية والحداثة والعديد من الإنجازات التقدمية الأخرى، وأنه دين استبدادي، متعصب، عنيف وعدواني.

وللأسف، نادرًا ما يُنظر إلى تلك التعميمات الكاسحة على أنها تأكيدات سطحية مستندة إلى إحساس زائف بالحتمية الدينية والثقافية. وبدلاً من ذلك، تخضع تلك التعميمات لتشخيص سياسي قاطع، وتجد رواجًا كبيرًا بعد كل هجوم إرهابي. وتزيد تلك الديناميكيات من قلق الغرب من الإسلام، كما تؤدي إلى زيادة الاستقطاب والإحباط المتبادل بين المسلمين – الذين يستاءون من تشويه صورة دينهم – والشعوب الغربية – الذين يطالبون بمستويات أعلى من النقد الذاتي ومطالعة النفس في العالم الإسلامي.

فهل ثمة نهاية لهذا الأمر؟ ومن أحد الأمور المهمة التي يمكن أن يقوم بها الغرب لتحسين فهمه للشرق الأوسط هو التعمق في المشاكل بعيدًا عن الواجهة الإسلامية. ومن تركيا إلى داعش، فإن معظم التطورات المزعجة في المنطقة لها دوافع سياسية تشبه في الواقع التحديات التي يواجهها الغرب. ومع ذلك، وعلى الرغم من صعود القومية في أمريكا وأوروبا، فإن الغرب غافل بطريقة غريبة عن صعود القومية والقضايا الاجتماعية والاقتصادية في الشرق الأوسط. وفي الواقع، يشكل صعود القومية وانهيار الحكم الدافعين الباعثين على للصراع في الشرق الأوسط أكثر من الإسلام.

ولنأخذ الحروب الطائفية السنية الشيعية، على سبيل المثال. فبدلا من التنافس الإسلامي القديم المتأصل في العقيدة الإسلامية، نجد أن الصراعات الطائفية في سوريا والعراق واليمن ولبنان هي نتاج التنافس الجيواستراتيجي بين إيران والمملكة العربية السعودية. ويتعلق الصراع في المقام الأول بالتنافس حول القومية العربية أو الفارسية، وليس الدين، ويحدث هذا الصراع بصورة مدمرة جدًا في الدول الفاشلة والأخرى المقبلة على الفشل، حيث انهار الحكم أو تضررت سمعته بشكل بالغ.

وتنطبق نفس الديناميكيات على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. غير أن هذا الانحراف الهمجي لم يظهر، لأن بعض أهل السنة قرروا فجأة أن يتبنوا رؤية عقائدية كارثية. ومع ذلك، فإن معظم المؤلفات عن “داعش” في المكتبات الغربية تدعي ذلك بالتحديد. وبدلا من ذلك، فمن الممكن تحقيق أقصى استفادة من خلال الالتفات إلى ما هو واضح: وهو أن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” نشأ في البقاع السورية والعراقية حيث انهارت مؤسسات الدولة، وظهرت القومية الدينية السنية ضد الشيعة على أنها عميلة لإيران. وهناك حقيقة أخرى ذات دلالة هامة وهي أن ضباط حزب البعث السابقين – ذوي الخلفية السياسية العلمانية – هم من أسسوا العمود الفقري العسكري لهذا التنظيم.

إن الاستبداد والتطرف والطائفية في الشرق الأوسط ترتبط في الغالب بالعلاقة السياسة القديمة البسيطة والفشل المؤسسي. ومن ثم، إذا كان الغرب يريد حقاً فهم منطقة الشرق الأوسط، فهناك شعار سياسي جديد قد يساعد على تفهم الأمور أكثر، وهو: إنها القومية والحكم الفاشل، والغباء، وليس الإسلام.