عدم الحياد الاعلامي في تغطية مؤامرات الاغتيال الإيرانية كما حدث في تغطية قضية مقتل خاشقجي

مارتن نيولاند

في وقت مبكر من هذا الشهر، أعلن الاتحاد الأوروبي عن فرض عقوبات محدودة على عدد من الوكالات والأفراد الإيرانيين، وذلك بعد ادعاءات بقيام النظام الإيراني بمحاولات اغتيال أو القيام باغتيالات فعلًا على الأرض، تم ارتكابها على أراضي بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لكن هناك جريمة مختلفة، ارتكبها عملاء من السعودية، وراح ضحيتها الصحفي جمال خاشقجي، وظلت تلك العملية محل نقاش بين صناع القرار ورجال السياسة في الغرب، ولكن لماذا؟.

وقد ادّعت كل من الدنمارك وهولندا وفرنسا تورط إيران في عملية استهداف جماعات وأفراد المعارضة، وقد ارتكزت إحدى تلك الادعاءات على مؤامرة لتفجير تجمع للمعارضين في باريس، كان من المقرر أن يحضره عدد من المسؤولين الأمريكيين البارزين، وقد نفت إيران من جانبها تلك الادعاءات، بل واتهمت الاتحاد الأوروبي بإيواء “الإرهابيين”.

والحقيقة أن فكرة اللجوء إلى أسلوب محاولات الاغتيال، أو ارتكاب جريمة القتل  التي ترتكبها دولة أجنبية على الأراضي الأوروبية تعُد قصة ليست بالهيّنة، وتستحق أن تتصدر عناوين وسائل الإعلام الدولية، خاصة في ظل إدانة الرئيس الإيراني حسن روحاني التي أعلنها بشكل عام، لجريمة قتل خاشقجي التي وصفها روحاني بال”مشينة”، حيث قال: “لا يمكن لأحد أن يتصور ارتكاب مثل تلك الجريمة المنظمة اليوم، ونحن في بدايات قرن جديد”، لكن حتى الاتحاد الأوروبي، الذي تم الكشف عن ادعاءات بمؤامرات اغتيال إيرانية على أراضيه، ظهر أنه غير منزعج، وظل الاتحاد الأوروبي مصممًا على التحايل من أجل الوقوف بوجه خطط دونالد ترمب التي تقضي بإعادة فرض العقوبات على طهران بسبب برنامجها النووي.

وقد سيطرت جريمة قتل خاشقجي على الأجندتين الدبلوماسية والإعلامية، وأدّى ذلك إلى انتشار عمليات إدانة السعودية، وباتت العلاقة بين المملكة والحلفاء الغربيين تواجه اختبارًا حقيقيًا، وأسباب ذلك يمكن الوصول إليها بسهولة، والسبب الأول والذي يبدو بديهيا، هو ان خاشقجي كان صحفيًا، والأخوة تحتم على وسائل الإعلام تسليط الضوء بشكل خاص على مقتل أحد الصحفيين، وقد كان الرجل صادقًا، ويفعل ما يمليه عليه ضميره، وعلى الرغم من ميوله للإسلام السياسي، إلا أنه كان مؤيدًا قويًا لحرية الإعلام، في عالم بات أقل حرية من ذي قبل، وأصبح خاشقجي أقرب إلى لقب شهيد كشخص علماني، وأحيانًا كان  يعمل ككاتب ساخر.

والثاني: هو طبيعة الجريمة، والتفاصيل التي اطلع عليها العامة لحبك رواية مقنعة، وقد كانت تلك العملية في جزء منها مثل شُرطة كي ستون، أو ما يُطلق عليها “كي ستون كوبس”، أو روايات التجسس التي قام بتأليفها “جون لو كاريه”، وقد كانت تلك الجريمة فظيعة ورهيبة، وقامت المنصات الإعلامية التركية بتسريبها على مراحل، تلك الوسائل التي أعادت اكتشاف براعتها بشكل مفاجئ، في ظل الرقابة المحلية المفروضة على تلك الوسائل، وقد انطوت تلك القصة على القهر، كما احتوت على العناصر الضرورية لجذب انتباه العامة، الذين عادة لا يهتمون بمعرفة موقع الرياض أو اسطنبول على الخريطة.

والسبب الثالث والأكثر أهمية: هو أن الجريمة جاءت مثل عود ثقاب تم إشعاله في برميل للبارود، في منطقة تعاني من التمزق بسبب الضغائن التي تتدخل فيها الجغرافيا السياسية، وكذا فيما يخُص إيران؛ وقطر التي تعاني من العزلة، والتي تمتلك شبكة متطورة من مستشاري العلاقات العامة، والانتماءات، والأصول الإعلامية، وكذا بالنسبة للإسلاميين المعارضين للأنظمة الملكية في منطقة الخليج العربي، وأيضًا لمنتقدي إسرائيل والحرب في اليمن، وهؤلاء الذين يريدون إرباك الولايات المتحدة، وهؤلاء الذين يريدون زعزعة الاستقرار والإجماع بين القوى السنية، فقد كانت جريمة قتل خاشقجي بمثابة هدية لكل هؤلاء.

وقد أسهمت تلك الجريمة في ظهور العديد من أصحاب الراي  بمنطقة الشرق الأوسط، والذين قاموا بتحوير الرواية وذلك بوصم هؤلاء بالأشرار، بينما ساهمت في فرض غطاء من السرية على أنشطة وطموحات أطراف أخرى، أما الآلة الحربية في اليمن، والتي باتت أكثر نشاطًا بعد مقتل خاشقجي، وقد أدى هذا إلى التوقف عن لفت الأنظار بعيدا عن أنشطة ايران التي تتدخل في المنطقة بطولها وعرضها، وأنشطة وكلاء طهران في المنطقة من اليمن وحتى لبنان.

والواقع أن المملكة العربية السعودية، وبدرجة أقل حلفائها في منطقة الخليج، تحتاج الآن إلى تجديد حجتها، وألا تقتصر دوافع الدعم الاستراتيجي الغربي لها على المنافع الاقتصادية، وفي لندن على الأقل، وهي المركز الحيوي للدبلوماسية ووسائل الإعلام والمشروعات الاقتصادية التي تسيطر على العقول، فإن الرسائل قد تصبح مشوشة، وتلك الرسائل باتت تنتشر بين مجموعة من رجال الدبلوماسية، ورجال الفكر ومصادر العلاقات العامة، التي يتحكم فيها أو تتلقى تعليمات من مجموعة من الوزراء وجماعات الضغط والهيئات الأخرى على مستوى بريطانيا.

وخلال مرحلة ما بعد خاشقجي، فقد بات على المملكة العربية السعودية وحلفائها تأسيس صورة جديدة وصادقة، فيما يخُص التهديدات والطموحات في المنطقة، وعلى أقل التقديرات يمكن لتلك العملية أن تعمل على المساواة بين الرياض ومعارضيها في أذهان هؤلاء الذين باتوا يشككون على الدوام في مصداقية الرياض وحلفائها.

AFP PHOTO/ANDREW CABALLERO-REYNOLDS