البلدان العربية والتخلص من وصمة العار المرتبطة بحوادث الاغتصاب

ريم تينا غزال

“ساعدوني! لقد تعرضت للاغتصاب!”، بتلك الكلمات استجدت “منال عيسى” وبشدة المارة حولها في أحد شوارع بيروت بينما كانت تخطو خطى غير متزنة. ووفقًا لأحد التقارير الصحفية على موقع قناة “CNN” الإخبارية، تجمع المارة وطالبو “‘منال” بأن تهدأ من روعها وتخفض من صوتها، وهناك من المارة من وبخها بشدة بسبب ارتدائها ملابس قصيرة، واتهمها آخر بأنها مدمنة مخدرات، ورغم ذلك لم يستدعي أحد الشرطة.

ومن حسن الحظ أن منال عيسى لم تتعرض للاغتصاب – وكان هذا الاستجداء العام تجربة لمجموعة حقوق السيدات اللبنانيات “أبعاد”، وتسلط المجموعة من خلال تلك التجربة على التجاهل الذي يصيب الشعب اللبناني عندما يتعلق الأمر بالاغتصاب والاعتداء الجنسي. ونظمت مجموعة حقوق السيدات حملة لمدة أسبوع وأطلقت عليها “عار عليك”، وتواجه تلك الحملة العار الاجتماعي والاتهامات التي توجه للضحية غالبًا بأنها “مخطئة” وأنها المسؤولة عن الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها. وقالت مؤسسة المجموعة “غيدا عناني” لوكالة “CNN” الإخبارية، نحاول تشجيع السيدات الناجيات من الاغتصاب على الدفاع عن أنفسهن، والخروج من الدائرة والثقافة التي تلقي باللوم على الضحية.

ولما كانت تلك الحادثة مشهدًا تمثيليًا، فإن “غيدا” قد رأت حادثة حقيقية من قبل، فعندما كانت “غيدا” تعمل مراسلة وتقيم في “بيروت” منذ عشر سنوات مضت، رأت “غيدا” إحدى السيدات تركض في شوارع بيروت المزدحمة في منتصف الليل وتصرخ قائلة بأنها تعرضت للسرقة والاعتداء الجنسي.

وخارج أحد المطاعم كانت مجموعة من الناس، غير أنهم لم يكترثوا للأمر واكتفى البعض منهم بهز رأسه والالتفات بعيدًا، بينما صاحت سيدتان في وجه المرأة وطلبتا منها الهدوء لوجود أطفال في المنطقة. وفي تلك الأثناء، كانت “غيدا” برفقة مجموعة من الصحفيين وهرعت إلى المرأة لمساعدتها، بينما كان أحد زملائها يستدعي الشرطة ويخبرها بأن ثمة امرأة في محنة وحاول إقناع الشرطة بأن تأتي إلى مسرح الحادثة.

وقال هذا الزميل بأن السيدة كانت تسير في الشارع ومتزنة غير أنها كانت بحاجة إلى المساعدة وبخاصة الإسعاف وتحرير بلاغ لدى الشرطة على الفور؟”، وبعد كل هذا لم تأتي الشرطة. وعندما عرضنا على المرأة الذهاب إلى قسم الشرطة، رفضت المرأة وطلبت منا الذهاب بها إلى منزلها وعدم تحرير محضر بالاعتداء. ولأنها لم تمنحنا أي خيار، فعلنا ما طلبته المرأة وذهبت حادثة الاعتداء طي النسيان.

وفي هذا السياق، لم تحمل الإحصائيات التي أعدتها الأمم المتحدة بخصوص حقوق المرأة في البلدان العربية وشمال أفريقيا أي مفاجئات، إذ أظهرت تلك الإحصائيات أن ست من كل عشر سيدات نجت من العنف يفضلن الصمت ولا يطلبن الدعم أو الحماية، وأظهرت الإحصائيات أيضًا أن سيدة من كل ثلاث سيدات تتعرض للعنف البدني أو الجنسي مرة واحدة على الأقل في حياتها – والجاني في الغالب هم الآباء.

وفي الصيف الماضي، أصدرت مؤسسة تومسون رويترز استفتاء ولخص هذا الاستفتاء إلى أن الهند من الدول الأكثر خطورة للمرأة بسبب العنف الجنسي والاتجار بالبشر لتنفيذ أعمال محلية والإجبار على العمل والزواج والاستغلال الجنسي وعوامل أخرى. وبخصوص تصنيف الدول من حيث “العنف الجنسي” – والذي يتضمن الاغتصاب كأحد أسلحة الحروب، والاغتصاب المحلي، والاغتصاب من الأجانب، وتعذر التقاضي في قضايا الاغتصاب والتحرش الجنسي والإكراه على ممارسة الجنس باعتباره أحد أشكال الفساد – تحتل الهند المركز الأول، ويتبعها جمهورية الكونجو الديمقراطية وسوريا، وتأتي مصر في المرتبة العاشرة في هذا التصنيف.

ومن حسن الحظ أن ثمة تطور في هذا الشأن. ومن المشاكل الموجودة في الوطن العربي أن المغتصب الذي يتزوج ضحيته يتم التسامح معه أو حتى تبرئته. ويختلف هذا الأمر في بعض الدول كالمغرب على سبيل المثال والتي ألغت في العام 2014 المادة “475” من قانون العقوبات، والتي تُجنب المغتصب الملاحقة القضائية بشرط الزواج من ضحيته، وذلك بعد أن أقدمت إحدى الضحايا على الانتحار بعد إجبارها على الزواج ممن اغتصبها. وفي العام 2017، عدلت دولتا لبنان والأردن التشريعات القانونية فيهما.

كما حفزت الجرائم الأخرى ضد المرأة الدول على إدخال إصلاحات على التشريعات القانونية، ففي دولة الأردن، على سبيل المثال، أبلغت الحكومة في العام 2017 عن وقوع “36” جريمة قتل “بدافع” الشرف، وهو ما دفع الحكومة إلى تعديل قانون العقوبات والذي نص على تخفيف العقوبات عن الجرائم التي تُرتكب في “حالة غضب” – وذلك عندما يقتل الرجل أخته أو ابنته لأنها جلبت “العار” للعائلة. وهناك الإصلاح التشريعي الذي أقرته تونس العام الماضي ويشكل الإصلاح الأكثر تقدمًا في المنطقة، ويقضي هذا التشريع بتعويض الناجيات ودعمهن، والاعتراف أيضًا بأن الرجال والأطفال قد يقعن أيضًا ضحية للاغتصاب.

وفي بعض الدول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، قد يواجه المغتصب عقوبة الإعدام، غير أن ممارسة الجنس خارج إطار الزواج أو ما يُسمى بالزنا جريمة أيضًا خطيرة، وهناك سيدات قد أبلغن عن تعرضهن إلى اعتداء جنسي وتم القبض عليهن بعد ذلك.

واتضح أن التعامل مع هذا الأمر في الماضي كان يتم بطريقة حاسمة. فهناك القصة المتواترة بشأن المرأة التي تعرضت للاغتصاب في عهد النبي “صل الله عليه وسلم” بعد خروجها من منزلها لأداء الصلاة، وبعد أن أعلنت عن تعرضها للاغتصاب، أحضر الناس المغتصب وقدموه إلى النبي “صل الله عليه وسلم” والذي حكم عليه بالموت، ورغم ذلك لم تشعر المرأة بالعار أو تحملت المسؤولية لكونها الضحية.

وفي الوقت الراهن، نعلم أن هناك من الضحايا من يعرفن الجاني، والذي ربما يكون أحد أفراد العائلة. وفي تلك الحالات، هناك ضغط اجتماعي تمارسه عائلة المغتصب لحماية المغتصب واسم العائلة. ويبقى إن عدم الإبلاغ عن الجريمة، ولاسيما عندما تكون تلك الجريمة مرتبطة بالعار ومعاقبة الضحية، الطريقة الخاطئة للتعامل مع هذا النوع من الجرائم، وتكون النتيجة المزيد من الاعتداءات الجنسية.

Marwan Tahtah/Abaad/AFP-Services