دراسة حول التوجهات الدينية العربية تثير المزيد من الاسئلة عِوضًا عن تقديم إجابات

جوناثان جرونال

AFP Photo: Mohamed El-Shahed

“العرب أصبحوا أقل اهتمامًا بالدين”؛ عنوان لصحيفة تايمز أوف إسرائيل، “العرب أداروا ظهرهم للدين”؛ توافقها صحيفة جارديان الرأي عبر هذا العنوان، “العرب يفقدون دينهم”؛ عنوان لصحيفة ذا تايمز اللندنية، وعناوين تلك الصحف كانت واضحة ومُفاجِئة في آن واحد، وحين نلقي نظرة فاحصة على البحث الذي أدى إلى تحريض كاتبي تلك العناوين؛ سنجد تلك العناوين تكشف عن تحيُز هؤلاء الكُتّاب، أكثر مما تكشف عمن شملتهم الدراسة.

لكن حُمّى العناوين المشابهة؛ التي اجتاحت وسائل الإعلام على مستوى العالم في الأسبوع الثالث من يونيو؛ دقت ناقوس الخطر حول طبيعة ومصدر تمويل البرنامج البحثي الذي كان بمثابة الدافع لتلك الحملة الإعلامية، كما دقت ناقوس الخطر حول هذا النوع من التطرف الذي كشفت عنه تلك الدراسة.

وقد ارتكزت تلك المقالات على “أكبر وأعمق دراسة بحثية تتناول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، وقد جرت تلك الدراسة بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC، وقامت بها منظمة تسمى “البارومتر العربي” ومقرها جامعة برنستون، وتُعرِّف تلك المنظمة نفسها على أنها “شبكة بحثية مستقلة وغير حزبيّة، تقدم نظرة ثاقبة عن التوجهات والقيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمواطنين العاديين في العالم العربي”.

والمؤسِسة المشارِكة في منظمة البارومتر العربي تُدعى أماني جمال، وهي أستاذ في السياسة بجامعة برنستون، وترتكز أبحاثها حول “الديمقراطية وسياسة المشاركة المدنية على مستوى العالم العربي”، وقد ولدت في الولايات المتحدة لأبوين فلسطينيين، ود. اماني هي التي قامت بتأليف كتاب “حواجز أمام الديمقراطية”، وتدير أيضًا ورشة عمل تتعلق بالتطور السياسي في الدول العربية؛ وهي عبارة عن “مركزًا ثقافيًا يلتزم بعمل التحليلات الشاملة حول العقبات السياسية والفرص التي تواجه العالم العربي المعاصر”.

والديمقراطية دون شك؛ تعُد هدفًا بالنسبة لأحد ممولي منظمة البارومتر العربي البارزين، وهناك عمل مبادرة الشراكة الشرق أوسطية، وهو برنامج تابع لوزارة الخارجية الأمريكية يوصف بأنه “أداة استراتيجية هامة” للدفع بالسياسة الخارجية الأمريكية إلى الأمام، وهو يركز على تعزيز الحوكمة التشاركية” على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومنظمة البارومتر العربي أيضًا تتلقى أموالًا من معهد السلام الأمريكي الذي أسسه الكونجرس من أجل “تعزيز السلام والأمن القومي الأمريكي”، وهناك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAIDالتي يتمثّل أحد أهدافها في “تعزيز وشرح طبيعة القيم الديمقراطية في الخارج”.

ومنذ العام 2006؛ وعبر الاستعانة بمنظمات تتبع البلاد التي يتم فيها الاستطلاع لأجل إتمام الدراسات؛ قامت منظمة البارومتر العربي بإجراء 5 دراسات شملت عددًا من الدول على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وشملت تلك الدراسات موضوعات تراوحت بين الاقتصادية وتلك الخاصة بشؤون الحكم والفساد والقضايا الدينية والعدالة الاجتماعية والمسائل المتعلقة بالجنس (الذكور والنساء)، وجميع تلك الدراسات؛ بما فيها آخرها، تميزت بإقصاء الدول العربية البارزة، بما فيها الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان وقطر، أما المملكة العربية السعودية فقد شملتها تلك الدراسة مرة واحدة، وحدث ذلك خلال العام 2010 – 2011، ولكن المملكة تم أقصائها من الدراسة الحالية، كما تم إقصاء الدول الخمس الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.

وقال المتحدث باسم منظمة البارومتر العربي إن عدة حكومات خليجية، بما فيها الإمارات العربية المتحدة “رفضت المشاركة في الدراسة بشكل كامل”، وأيًا كان السبب في ذلك – وربما مع بعض التبرير؛ فإن تلك الحكومات لديها مخاوف بشأن استغلال تلك الدراسة، كما أن استبعاد تلك الدول من تلك الدراسات يعني فقدان الثقة في قيام تلك الدراسات بتمثيل “العالم العربي” بصورة حقيقية.

وتلك الدراسة، التي تم تصويرها على أنها قامت بالتعبير عن وجهات نظر أكثر من 420 مليون شخص، وأنها قامت باستطلاع رأي 25 ألف شخص على مستوى 10 دول بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية، وستة من تلك الدول – تونس وليبيا والجزائر والمغرب ومصر والسودان – تقع في شمال أفريقيا، ولم يمثل الشرق الأوسط سوى كل من لبنان والأراضي الفلسطينية والأردن والعراق واليمن.

وعلى العكس من المعتقد الغربي الشائع؛ فإن العرب لا يعتبرون كتلة متجانسة، فهناك اختلافات كبرى ثقافية وسياسية وتاريخية، ظهرت بين الدول التي شملتها الدراسة على مستوى شمال أفريقيا وتلك التي شملتها الدراسة على مستوى الشرق الأوسط،  حتى أن تلك الاختلافات ظهرت بين الدول الخمس التي تقع في منطقة الشرق الأوسط، والواقع أن “جميع العرب يعتقدون أن المصادقة على نتائج الدراسة” اعتمادًا على تلك الجماعة المحدودة والمتنوعة (ممن شملتهم الدراسة من العرب)، يشبه المصادقة على نتائج دراسة شملت عينات من مواطني الدنمارك وفرنسا وبريطانيا وبلجيكا، على أنها تمثل جميع طائفة الأنجلو-سكسون.

وهناك مسألة أخرى؛ تتعلق بالمقاييس التي أسفرت عن تلك النتائج، التي أضعفت من فكرة التعميم الشامل في الدراسات اللاحقة، ومنذ العام 2013 فإن عدد الأشخاص الذين أعلنوا أنهم غير متدينين “على مستوى المنطقة” قد ارتفع إلى نسبة 13% بعد كان أن كان سابقًا 8%، وهذا الرقم تم تعزيزه عبر التغيرات الكبرى التي طالت على وجه الخصوص تونس وليبيا (وتلك النسبة بها هامش خطأ يبلغ 3%).

والبيانات المفصلة لم يتم الإفصاح عنها بعد، لكن هناك رسم بياني نشرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC، أظهر ارتفاعًا في عدد الأشخاص الغير متدينين ضمن ثلاث من أربع دول شرق أوسطية شملتها الدراسة، وقد بلغت نسبة تلك الزيادة أقل من 1.5% في المتوسط، بينما شهدت اليمن انخفاضًا في تلك النسبة حيث بلغت 5% بعد أن كانت 12%.

والأكيد أن منظمة البارومتر العربي لم تقم بصياغة تلك العناوين، لكن هيئة الإذاعة البريطانية BBCوهي شريك تلك المنظمة في إجراء تلك الدراسة، كانت ضمن المؤسسات الإخبارية التي تبنّت خطابًا لا لبس فيه مؤداه أن “نسبة متزايدة من العرب باتت تعلن أنها أصبحت غير متدينة”.

وقد كانت هناك نتائج أخرى غير تلك المتعلقة بانخفاض نسبة المتدينين من العرب – وقد قالت هيئة الإذاعة البريطانية BBCإن حوادث القتل المتعلقة بالشرف باتت “أكثر قبولًا من المثلية الجنسية”، وفي كل دولة، كان هناك “على الأقل واحد من كل خمسة أشخاص يعتبر من المهاجرين” – لكن جميع تلك المقاييس غير مدعومة بأدلة على أنها تمثل الرأي العام العربي.

ومثل هذا البحث لو كان يعكس الاتجاهات داخل المجتمعات بصورة دقيقة؛ لكن بالغ الاهمية،لأنه فضلًا عن قيامه بتشكيل الوعي السياسي فهو يعمل على تغيير الحقائق، ولو أن الدين – وهو العمود الفقري للنسيج المجتمعي –في انهيار حقيقي على مستوى أية دولة عربية؛ إذن فإن تماسك تلك المجتمعات قد بات على المحك.

لكن ادعاء منظمة البارومتر العربي؛ بأنها “عبّرت عن احتياجات ومخاوف الشعوب العربية”، يعُد بمثابة جريمة، ليس فقط فيما يتعلق بالتواطؤ مع الأمنيات الغربية، لكن أيضًا فيما يتعلق بوضع صورة نمطية أبدية للعرب وتوجهاتهم.

 جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا بمجلة “تايم”، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.

يمكن لك تنزيل صورة عالية الدقةللمؤلف عبر موقعنا