يجدر على دول الخليج العربي أن تستخلص الدروس من شرق آسيا لدى وضع استراتيجياتها الاستثمارية

جيمس دورسي

تختلف الاستراتيجيات الاستثمارية لدول الخليج العربية اختلافاً جوهرياً عن تلك الخاصة بمعظم الدول الآسيوية. وتتكز أغلبية استثمارات دول الخليج على الجانب الغربي من القارة، أكانت محلية أو غربية أو صينية، تأتي من من الخدمات المالية والتقنية وغيرها من القطاعات الخدماتية، أو صناعة الأسلحة أو من الحكومات. وهي تركز في الغالب على الخدمات والبنية التحتية أو تعزيز قدرات الدولة، عوضاً عن التصنيع والانتاج أو التنمية الصناعية أو تحفيز نمو قطاع خاص مستقل.
وقد سلط اختفاء الصحفي جمال خاشقجي الضوء على المخاطر الكامنة في مثل هذه السياسة حيث قامت مؤسسات وجهات متخصصة بصناعات التكنولوجيا والإعلام والخدمات الأخرى وفي أعقاب اختفاء خاشقجي أثناء زيارته للقنصلية السعودية في اسطنبول، بإلغاء مشاركتها في مؤتمر لكبار المستثمرين والمزمع عقده في الرياض في وقت لاحق من هذا الشهر. وعلى النقيض من ذلك، أثبتت المؤسسات المالية والصناعات العسكرية أن الضرر الناجم عن السمعة لا يقلقها، مؤكدة على أنها ستتواجد في الرياض. وسيعقد المؤتمر برعاية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بهدف جذب الاستثمارات في إطار الرؤية 2030 لإصلاح وتنويع الاقتصاد السعودي.
وباستثناء شركات الطيران التي تديرها الدولة وشركة موانئ دبي العالمية، وهي شركة تشغيل الموانئ العالمية في دبي، فإن الجزء الأكبر من المحافظ الاستثمارية تديرها صناديق الثروة السيادية أو إنها استثمارات تم تصميمها لتعزيز مكانة الدولة وقوتها الناعمة دولياً. في المقابل، استخدمت الدول الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند الاستثمارات لرفع مئات الملايين من الناس من الفقر، وتعزيز طبقة وسطى كبيرة وتطوير قاعدة صناعية.
من المؤكد والمرجح أن العدد المنخفض للسكان في دول الخليج يضمن لها الاستدامة في الخدمات والسياحة ومشتقات النفط والغاز بدلاً من التصنيع والصناعة مما يتطلب ذلك من سياسات تمكينية ونظام تعليمي يشجع على التفكير النقدي وحرية التساؤل والسماح للعقل بالعصف الذهني من دون الخوف من التداعيات، ويمنح حرية الوصول بلا قيود إلى المعلومات.
قد تكون مبادرة الحزام والطريق التي تديرها البنية التحتية في الصين والتي تبلغ قيمتها تريليون دولار أمريكي هي الاستثناء الآسيوي الأقرب إلى بعض استثمارات الخليج الناعمة. ومع ذلك فإن مبادرة الحزام والطريق المصممة للتخفيف على الشركات المحلية المملوكة للدولة والتي لا تدين بالمتطلبات القصيرة الأجل للمساهمين و/ أو المكاسب الجيوسياسية، قد ساهمت في تحقيق نمو اقتصادي إيجابي في الصين نفسها.
وعلاوة على ذلك، فقد تمكنت الدول الآسيوية من إدارة توقعات المستثمرين في بيئة تتسم باستقرار سياسي نسبي. وعلى النقيض من ذلك، فقد تراجعت الثقة في قدرة المملكة العربية السعودية على الإصلاح وعلى تنويع اقتصادها القائم على النفط، وذلك بعد تأجيلها المتكرر ثم تعليقها لأجل غير مسمى خطة إدراج خمسة في المائة من شركة النفط الوطنية، شركة النفط السعودية، أو شركة أرامكو في ما كان يمكن أن يكون أكبر اكتتاب عام أولي في العالم.
تبع تأخر أرامكو – فضلاً عن اختفاء خاشقجي – سلسلة من المبادرات السياسية لم نرى ما يقاربها في أنحاء آسيا. وشملت هذه الحملة العسكرية السعودية الإماراتية في اليمن والحظر الدبلوماسي والاقتصادي المفروض منذ 16 شهراً على قطر من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر بالإضافة إلى الخلاف الدبلوماسي السعودي مع كندا رداً على تغريدة تنتقد سجل حقوق الإنسان في المملكة وأدّت هذه المبادرات إلى انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة العربية السعودية العام الماضي إلى أدنى مستوى يشهده في 14 عامًا.
وهذا كله لا يعني أن الدول الأخرى في آسيا لم تتخذ سياسات مشكوك فيها مثل المطالبات الصينية في بحر الصين الجنوبي أو النزاع الباكستاني الهندي، وممارسات تجارية مشكوك فيها مثل التجسس الصناعي المزعوم للصين. ومع ذلك، وباستثناء القمع الصيني الهائل للمسلمين الأتراك في مقاطعة شينجيانج الشمالية الغربية، فلن يؤدي أي من تلك السياسات على الأرجح إلى تقويض ثقة المستثمر، ولا إلى تعطيل السياسات الاجتماعية والاقتصادية القائمة التي أنتجت أو قد ينتج عنها حالات يصبح فيها تجنب الضرر على السمعة أولوية.
وفي الخلاصة، ما يميز الكثير من الدول الآسيوية من دول الخليج العربي وما يضمن نجاحها الاقتصادي هي السياسات التي تضمن بيئة مستقرة نسبياً وتركز في المقام الأول على تعزيز النمو الاجتماعي والاقتصادي وقد يكون هذا هو دساً يجدر على قادة دول الخليج استخلاصه.

AFP PHOTO/LAURENT FIEVET