يمكن للحوم المصنعة أن تسهم في تقليل الآثار الناجمة عن انبعاث الكربون بمنطقة الخليج

جوناثان جرونال

AFP photo: Charly Triballeau

إذا ما سألت شخص ما عن أكثر المشكلات المُلِحّة التي تواجه البشرية اليوم، فإن معظم الناس سيختارون واحدة من السبع الكبرى – الحرب، الإرهاب، التغير المناخي، الفقر، الجوع، نقص المياه، الحروب التجارية، ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فإن الخطر الحقيقي يكمن في اللحوم، ويأتي ذلك بخلاف أهداف التنمية المستدامة الخاصة بالأمم المتحدة، كما أن تلك المشكلة تعد من أكثر المشكلات إلحاحًا.

وحينما قام برنامج الأمم المتحدة للبيئة بمنح جائزة أبطال الأرض خلال سبتمبر الماضي، تم تكريم شركتين قامتا بإنتاج بدائل من اللحوم المصنعة، وتقول الأمم المتحدة أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن الزراعة الحيوانية تضاهي الانبعاثات الخاصة بكل سيارة وشاحنة وحافلة وسفينة وطائرة ومركبة فضاء مجتمعين، كما أن القوة المدمرة الناتجة عن تلك الزراعات الحيوانية تتخطى تلك الناجمة عن أيًا من أنواع التكنولوجيا على وجه الأرض.

وباختصار، فإن استخدامنا للحيوانات “كتكنولوجيا لإنتاج الطعام” أتى بنا إلى حافة الكارثة، ولا يوجد طريقة للوصول إلى أهداف التغير المناخي دون تقليل الاعتماد على الحيوانات الزراعية بشكل كبير، والتي تعد بمثابة مشكلة حقيقية، وباستثناء الأشخاص النباتيين، فإن البشر يحبون اللحوم، التي يزيد الطلب عليها مع ارتفاع عدد سكان الأرض.

وعلاج تلك المسألة في أيدينا، ويأتي ذلك عبر الثورة والتطور المتسارع الذي يشهده العلم في مجال الطعام، والتي يمكن بدورها أن تصبح قريبًا من أكثر التكنولوجيات المدمرة التي أبدع فيها الإنسان، وهناك أدلة من الآثار تثبت أننا قمنا باستخدام الحيوانات لتحويل النباتات لمنتجات من اللحوم صالحة للاستهلاك البشري، وذلك منذ عصر ما قبل التاريخ، والماشية اليوم ناتجة عن السلالات المنقرضة من الثيران البرية والوحوش الضخمة التي تحولت إلى حيوانات أليفة في منطقة ما بين النهرين (ميزوبوتاميا) والتي تضم حاليًا سوريا والعراق وتركيا، وقد حدث ذلك منذ عشرة آلاف عام.

وحينما كان تعداد البشر يبلُغ ملايين وليس مليارات، فإن تربية الماشية كانت من الأساليب الفعالة لإنتاج الطعام، واليوم، حيث بلغ تعداد سكان العالم سبعة مليارات إنسان، وهناك مسافات شاسعة تفصل بين المنتجين والمستهلكين، والآثار البيئية والاقتصادية لإنتاج اللحوم يمكن الشعور بها على طول خطوط الإمداد، وتلك المسألة تظهر واضحة في منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث أن الظروف لا تساعد على تربية الماشية.

ومنطقة الشرق الأوسط تستورد 90% من استهلاكها من اللحوم، حيث باتت المنطقة من أكثر 10 مناطق مستوردة للحوم، واستوردت منطقة الشرق الأوسط لحومًا بقيمة 8 مليار دولار في العام 2017، وكانت المملكة العربية السعودية في مقدمة المستوردين (1.9 مليار دولار) تليها الإمارات العربية المتحدة (1.7 مليار دولار)،

ومعظم تلك اللحوم تسافر لمسافة نصف الكرة الأرضية حيث توضع في حاويات مبردة وتأتي في سفن من الدول المصدرة الرئيسية مثل الولايات المتحدة والبرازيل وأستراليا، وينتج عن تلك العملية كميات هائلة من غازات الاحتباس الحراري، وفي الطريق من المنبع وحتى مائدة الطعام فإن التكلفة البيئية تكون مذهلة، وقد أشارت دراسة صدرت العام الماضي عن مجلة “توازن نسبة الكربون وادارتها” إلى أن انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن الأبقار تعد من غازات الاحتباس الحراري الأقوى من ثاني أكسيد الكربون، حيث تعُد تلك الانبعاثات أكثر بمقدار 11% من التقديرات التي أشارت إليها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والتابعة للأمم المتحدة.

في ذات الوقت، فقد اكتشف باحثون بجامعة أوكسفورد أن كل 100 جرام من البروتين الحيواني تتسبب في إطلاق 105 كجم من ثاني أكسيد الكربون، كما تؤدي إل خسارة 370 متر مربع من الأرض، كما تؤدي إلى تدمير الأشجار التي تنتج الأوكسجين وتمتص ثاني أكسيد الكربون، والواقع أن تربية الماشية والحيوانات الأخرى من أجل إنتاج اللحوم تأتي مقابل تكلفة عالية، كما أنها تعد وسيلة غير فعالة لتحويل النبات إلى بروتين حيواني.

وللعجب، أن العلماء على مستوى العالم يتسابقون من أجل إنتاج وتسويق اللحوم التي يتم تصنيعها في المعمل، وقد تم الكشف عن أول برجر صناعي في العام 2013، وتلك المسألة تحتاج لتعديلات فيما يتعلق بالمذاق، لكن العقبة الكبرى أمام تلك “اللحوم النظيفة”، والتي ظهرت بقائمة الطعام بمحال مكدونالدز هي صعوبة زيادة الإنتاج، والنموذج المبدأي الذي أنتجته شركة Mosa Meatالتابعة لجامعة ماسترخت أتى بتكلفة تبلُغ 250 ألف دولار للبرجر (دون إضافة البطاطس).

وبعد 6 سنوات، أعلنت شركة Mosa Meatأنها قامت بكشف علمي هائل، يمكن له أن يسفر عن تخفيض السعر بشكل كبير، وتقوم الشركة الآن بالتركيز على زيادة الإنتاج بشكل كبير، كما تهدف إلى إنتاج منتجات تجد طريقها لمحال السوبرماركت، وذلك خلال الأعوام الثلاثة أو الأربعة المقبلة.

وفي الولايات المتحدة، تعمل شركة سان فرانسيسكو لإنتاج الأغذية على قيادة تلك العملية، وقد أعلنت الشركة أنها باتت قريبة من تسويق نوع من الدجاج الغير مذبوح، وتعمل الشركة الآن على حث السلطات الأمريكية المختصة بالغذاء على وضع قوانين من أجل التمهيد لما تتوقع الشركة أنه سيكون ثورة هائلة في مجال المنتجات المماثلة.

وحتى الآن، فإن اللحوم المصنعة لا تتمتع بالجاذبية، وهي تناسب السجق والبرجر أكثر من باقي المنتجات، لكن في شهر ديسمبر؛ كشفت شركة Aleph Farmsالإسرائيلية الناشئة عن أول نموذج مبدأي على مستوى العالم من لحم البقر المُصنّع، بذات البنية والأنسجة الخاصة باللحم الطبيعي، وتأمل الشركة في تسويق تلك المنتجات في غضون 4 سنوات.

وقد تم الإعلان عن آخر تلك الاكتشافات في العشرين من مارس، حين قام مهندسي الأنسجة بجامعة “باث” بالمملكة المتحدة بتنمية خلايا للأنسجة الخاصة باللحم تم أخذها من حيوانات حقيقية، وذلك عبر وضع تلك الخلايا على أوراق النبات.

وتلك الخلايا تتغذى على الجلوكوز والأحماض الأمينية والفيتامينات والمعادن، وهي تنموا في حضانات خاصة تسمى “المفاعل الحيوي”، وتلك العملية تتسم بالتكلفة العالية كما أنها تستهلك الطاقة بشكل كبير، لكن ذلك لا يستمر لفترة طويلة، ويتوقع العلماء أن تتوفر اللحوم المصنعة في محال السوبر ماركت بأسعار معقولة في غضون 5 سنوات.

وكما تقول ماريان اليس كبير المحاضرين في الهندسة البيوكيميائية بقسم الهندسة الكيميائية بجامعة “باث” البريطانية فإن الآثار البيئية والاقتصادية التي تعاني منها الدول المستوردة من المتوقع أن تتعاظم، وأنه يجب علينا مواجهة التحديات الدولية الخاصة بالأمن الغذائي والتغير المناخي.

ومقارنة بالوسائل التقليدية لإنتاج اللحوم، فقد اعربت د. ماريان، ان اللحوم النظيفة ستؤدي إلى تقليل انبعاث الغازات الكربونية بشكل كبير، كما ستؤدي إلى ترشيد استهلاك المياه، فضلًا عن أنها ستؤدي إلى تقليل استهلاك كل من الأرض والطاقة.

وبشكل حاسم، يمكن إنتاج تلك اللحوم في أي مكان على وجه الأرض، سواء كان الطقس حارًا أو باردًا، وأما دول الخليج التي تتميز بالبيئة القاحلة، فهي تستورد الآن الغالبية العظمى من حاجتها من اللحوم، ويمكن لتلك الدول دون شك أن تقوم بإنتاج معظم كميات اللحوم التي تحتاج إليها، وتوفير مليارات الدولارات كل عام، وتقليل انبعاث غازات الاحتباس الحراري.

والواقع أن أفضل الإنجازات التي تتعلق باللحوم المصنعة تتمثل في أن كل شخص سيخرج فائزًا من تلك العملية، بما فيها النباتات، وكل شخص من أصل تسعة أشخاص يعانون من الجوع يوميًا على مستوى العالم وفقًا لتقارير برنامج الغذاء العالمي، فضلًا عن الحيوانات التي لن يكون عليها أن تموت من أجل إطعام هؤلاء.

وعلى الجانب الآخر، فإن مربي الماشية ورعاة البقر ربما يتوقفون عن تربية الماشية.