ازدهار المدن الخليجية وفرصتها لتصدير خبراتها في مجال التخطيط الحضري

جوزيف دانا

تعتبر مظاهرات الربيع العربي في العام 2011 بمثابة اللحظة التي أصبح فيها التحضر المعاصر محط اهتمام بالغ في الشرق الأوسط. ومما لا شك فيه أن الشرق الأوسط هو موطن بعض من أكبر مدن العالم وأقدمها، غير أن الربط بين التحضر والمجتمع ظل منحصرًا لمدة طويلة في نطاق الأكاديميين. وبعدها اندلعت مظاهرات الربيع العربي في شوارع المدن الكبرى في المنطقة، واستفاق العالم على العلاقة بين المدن وسعادة الشعوب.

وكانت القاهرة مركزًا للتحول المجتمعي بعد أن استخدم المتظاهرون ميادينها كنقاط تجمع للتظاهرات، واستغل الشعب تلك الفوضى لإحداث تغييرات فورية في بيئتهم الحضرية. وفي العام 2012، زرت إحدى المناطق المجاورة لمدينة القاهرة وفيها أنشأ السكان طريقًا سريعًا جانبيًا ليمكنوا من الوصول بسهولة إلى قلب القاهرة مستغلين انشغال السلطات بالفوضى الناتجة عن المظاهرات.

وفي الوقت الذي سلط فيه الربيع العربي الضوء على العلاقة بين التحضر والتظاهر، ظهر شكل جديد من التحضر في أرجاء المنطقة. إن التحضر الذي أساسه الإنسان، أو مفهوم إنشاء المدن من خلال تلبية احتياجات السكان وإسعادهم، هو مفهوم يأخذ حيز أكبر من الاهتمام، فضلاً عن كونه المفهوم الشائع في مجال التحضر. وفي حين أن تغيير هذا التوجه قد يبدو سهلاً – وخاصة بعد كل ما تشهده المنطقة، فإن التحضر لا يعتمد كليًا على الإنسان، أليس كذلك؟ – والحقيقة هي أن معظم المدن مازالت قائمة على قوة الردع والاقتصاد.

وحدد المختصون في شئون المدن منذ مدة طويلة وسائل لزيادة فعالية الاقتصاد في المدن عبر التخطيط. وهناك خلاف شديد بين روبرت موسيس، والمعروف بـ”كبير بنائي” مدينة نيويورك في منتصف القرن العشرين، وبين الصحفية والناشطة المقيمة في الحي المجاور له، “جاين جاكوبز”، بخصوص الخطط التي أعدها “موسيس” لتدمير الأحياء الصغيرة لإفساح المجال لإنشاء مشروعات عملاقة للبنية التحتية مثل الطرق السريعة والأنفاق والجسور والتي من شأنها أن تقوي الاقتصاد. واستأنفت “جاكوبز” مسيرتها المهنية لتصبح فيما بعد من أوائل المناصرين للتحضر المستند إلى الإنسان. ودللت “جاكوبز” بصورة مقنعة على وجهة نظرها بقولها أن المدن كانت في أفضل حال عندما كانت تحتفظ بأحيائها ذات التصميم الغريب، وتشجعها على المشاركة المدنية وتستفيد من حيويتها.

والسؤال هنا، ما دلالة هذا الكلام بالنسبة إلى مدن الشرق الأوسط وهي التي مازالت تتحدى القرارات المتعلقة بأفضل السبل للتصميم الحضري وإدارة المدن وتخطيطها؟، إنه شيء واحد، وهو أن مدن الشرق الأوسط أصبحت جميعها أكثر عزلة من أي وقت مضى. وكان ظهور الهواتف الذكية والإنترنت سببًا في ارتفاع العزلة المجتمعية، مما أدى إلى آثار ثانوية ملحوظة على صعيد النمو الصحي والنفسي، وحتى على مستوى معدلات الانتحار. وفي مدن الخليج المزدهرة، أصبحت الأمراض المرتبطة بأسلوب الحياة مثل البدانة والسكري مبعث قلق بالغ. ويشير أحد الأبحاث الحديثة إلى أن الاعتماد على الهواتف الذكية واستخدامها لأوقات طويلة قد يكون السبب الرئيسي في انتشار تلك الأمراض.

إن الحال التي يعيشها شعوب المنطقة من الشباب على المحك، وهو ما يدفع بعض المدن إلى اعتبار التحضر المستند إلى الإنسان أحد وسائل مكافحة تلك الأمراض العصرية. ولهذا نجد أن إمارة دبي، على وجه الخصوص، قد استثمرت موارد طائلة لتحقيق التحضر المستند إلى الإنسان. ومن خلال إنشاء متنزهات جديدة وأحياء يمكن الوصول إليها سيرًا على الأقدام وتنظيم حملات في أنحاء المدينة بهدف تجميع السكان بعيدًا عن شاشات الهاتف، تحاول دبي نشر تلك الحملة في المنطقة من أجل ترسيخ التحضر المستند إلى الإنسان. ورغم أن الطريق مازال طويلاً فضلاً عن العديد من التحديات إلا أن التوجه واضح ومحدد، وهو أن تخطيط الحضر المستند إلى الإنسان والتشجيع على المشاركة المجتمعية الفعالة من خلال التصميم قد يتصدى لمخاطر الفترة الراهنة التي تمر بها منطقتنا.

وفي حين أن مدينة “تل أبيب” قد تبدو مختلفة عن بقية مدن المنطقة، الا اننا نجد أنها انتهجت النهج نفسه، فها هي إنشاءات المدينة تشجع سكانها على الخروج إلى الهواء الطلق، فضلاً عن الشوارع الطويلة والعريضة التي تشق طريقها بين متنزهات الحي الصغير لتشجيع السكان على المشاركة المجتمعية والسير. ورغم الرطوبة وحرارة الصيف، يسير السكان في شوارع المدينة على مدار اليوم. وبالإضافة إلى ذلك، تنظم بلدية تل أبيب عدة فعاليات للياقة البدنية وفيها يتم تشجيع السكان على الجري وركوب الدارجات والسير.

ورغم أن مظاهر هذا التحضر المستند إلى الإنسان تبدو مظاهر واضحة وبسيطة، الا انه تبقى الحقيقة التي تتمثل في أن العديد من مدن العالم لا ترى ببساطة هذا الرابط بين إنتاجية السكان وتصميم المدينة، وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في ضوء النمو السريع للحضر في وقتنا هذا. ويقطن المدن غالبية سكان العالم، وتوفر المدن معظم الناتج القومي الإجمالي العالمي، وتتوقع الأمم المتحدة أن تزداد المدن نموًا على مدار العقدين القادمين. ومع حلول العام 2050، ستحتضن المدن شخصين من كل ثلاثة أشخاص.

فهل يستطيع العالم التغلب على مشكلة الانفجار السكاني في المدن من خلال التحضر المستند إلى الإنسان؟، ورغم أنه لا توجد إجابة واضحة، إلا أن هذا النهج يشكل خطوة في الطريق الصحيح. ومن خلال وضع السكان واحتياجاتهم أساسًا للتحضر، تستطيع المدن تحسين مجتمعها، وإسعاد سكانها وتوطين الإنسانية في عالمنا الآخذ في التحضر بصورة متزايدة.

علاوة على ذلك، ومع أن التحضر الذي تشكل في مدن الغرب والشرق مازال يقدم إسهامات قيمة في مجال التحضر، أصبحت دول العالم الناشئ سريعًا مكانًا للإبداع الحقيقي حيث يمكن تحقيق النمو، والاهتمام العاجل بالمشكلات. وتمتلك دول الخليج فرصة لإنجاز التحضر المستند إلى الإنسان وتصدير خبراتها إلى المدن سريعة النمو في الأسواق الناشئة.

AFP PHOTO/NEZAR BALOUT