مع تفاقم أزمة الغذاء العالمية، الخليج يقدم الحلول

جوزيف دانا

Image courtesy of Jack Guez / AFP

تؤثر أزمة الغذاء العالمية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا على الشرق الأوسط بطرق متفاوتة؛ فقد كانت أشد وطأة على البلدان التي عانت بالفعل من عدم الاستقرار الاقتصادي والصراع قبل بدء الحرب مثل لبنان واليمن، بينما واجهت مصر التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الحبوب والقمح من أوكرانيا وروسيا صعوبة في إدارة الأزمة والحفاظ على استقرار الإمدادات الغذائية.

من ناحية أخرى، صمد الخليج وإسرائيل حتى الآن أمام هذه العاصفة على نحو جيد للغاية؛ فنهج الأمن الغذائي الذي تتبعه هذه البلدان يقدِّم الحلول اللازمة لحل مشكلات الغذاء العالمية، والتي لن تتعمق إلا بعد انتهاء أزمة أوكرانيا الحالية.

تشتهر منطقة الشرق الأوسط بصعوبة زراعة الغذاء. لهذا السبب، كان الأمن الغذائي مصدر استياء طويل الأمد على الصعيد السياسي، وقد كان أحد الأسباب الرئيسية لثورات الربيع العربي عام 2011. فما بين نقص إمدادات المياه وظروف الطقس القاسية، تكاد تكون الزراعة على نطاق واسع مستحيلة باستخدام أساليب الزراعة التقليدية.

وقد دفع ذلك بالعديد من البلدان إلى التعامل مع قضية الغذاء بأساليب مبتكرة للغاية، وكانت إسرائيل أول من استخدم التكنولوجيا للحد من مشكلة ندرة المياه؛ فمن خلال تطوير تقنيات ري متقدمة وجهود تحلية المياه، وصل الإسرائيليون إلى مستوى من الاكتفاء الذاتي من المياه مكَّنهم من الزراعة على نطاق واسع.

واضطرت دول الخليج، مثل الإمارات العربية المتحدة، إلى اتخاذ خطوات مماثلة لتأمين إمدادات الغذاء والمياه.

فتحظى الإمارات بأكبر احتياطي للمياه المحلاة في العالم يتمثّل في طبقة مياه جوفية في صحراء ليوا تحتوي على 26 مليار لتر من المياه واستغرق ملؤها ما يقرب من ثلاث سنوات. ويمكن أن يوفر هذا الاحتياطي، في حالات الطوارئ، ما يصل إلى 100 مليون لتر من المياه يوميًا. وتنتج أبو ظبي وحدها 9 في المئة من إجمالي المياه المحلاة في العالم، أي حوالي 4.13 مليون متر مكعب في اليوم.

أما فيما يتعلق بالزراعة والإمدادات الغذائية، فقد اشترت دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية مساحات كبيرة من الأراضي في جميع أنحاء العالم لإنتاج الغذاء؛ فعلى عكس نهج مصر في استيراد الإمدادات الغذائية من أوكرانيا وروسيا، تمتلك دول الخليج الغنية أراضي في بلدان أخرى وتزرع الغذاء خارج حدودها.

لطالما كانت الإمدادات الغذائية مصدر قلق في المنطقة، لكن الجهود لتأمين الغذاء بدأت تتصاعد بقوة في عام 2009 بعد الأزمة المالية العالمية. ومع انخفاض أسعار الهيدروكربونات وارتفاع تكاليف الاستيراد، اضطرت حكومات الخليج إلى اتخاذ خطوات نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، ما أدى إلى شراء العديد من الأراضي في إفريقيا. وفي صفقة طموحة تعود إلى عام 2015، وافقت شركة الظاهرة الزراعية التي يقع مقرها في أبو ظبي على استثمار مليار دولار في المرحلة الأولى من مشروع زراعي بقيمة 10 مليارات دولار في وادي الهواد الخصيب في السودان.

وحاليًا تستثمر بعض دول الخليج، مثل الإمارات العربية المتحدة، في التكنولوجيا الزراعية لضمان توفير الإمدادات الغذائية الكافية، وقد كان لهذه الاستثمارات فائدة إضافية تتمثَّل في تعزيز المعرفة المحلية في قطاع التكنولوجيا الزراعية. وفي الواقع، يمكن للشركة الناشئة التالية في مجال التكنولوجيا الزراعية التي سيحتضنها مشروع «وادي تكنولوجيا الغذاء» في دبي أن يكون لها تأثير عالمي يشبه إلى حد كبير ما أحدثته شركة تسلا من انقلاب في سوق السيارات الكهربائية.

إذا ألقينا نظرة عامة على ما يحدث، فستظهر بعض الدلائل على ما سيحدث في المستقبل من واقع كيفية تعامل منطقة الخليج مع أزمة الغذاء. سيجبر تغير المناخ المزيد من البلدان على البحث عن أراضٍ خارج حدودها لإنتاج الغذاء. وبالفعل تفرض النظم الاقتصادية القائمة تطورات مماثلة؛ فعلى الرغم من المساحة الهائلة للأراضي الصالحة للزراعة في الولايات المتحدة، يأتي قدر كبير من الإمدادات الغذائية للبلاد من المكسيك، حيث زراعة المحاصيل أرخص. لكن هذا الحل سيف ذو حدين؛ ففي العام الماضي عندما حظرت الولايات المتحدة استيراد الأفوكادو من المكسيك التي تزرع 80 في المئة من الأفوكادو المستهلك في الولايات المتحدة، ارتفعت الأسعار إلى أعلى مستوى وصلت إليه منذ 24 عامًا.

في حين أن شراء الأراضي من أجل الغذاء قد يكون هو المستقبل، فمن المحتمل أن يسفر ذلك عن تأجيج القضايا الجيوسياسية في أجزاء معينة من العالم. فلا شك أن التوترات ستندلع عند زراعة البلدان الأكثر ثراءً أراضي البلدان النامية من أجل الغذاء الذي يُستهلك في الخارج. ويمكننا أن نتذكر هنا كيف أن بلدًا غنيًا بالمعادن مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية ما زال متخلفًا في نموه على نحو يرثى له بينما تجني البلدان والشركات الأكثر ثراءً الملايين من خلال استخراج الموارد الطبيعية لذلك البلد. فاليوم، نتحدث عن استخراج الكوبالت والليثيوم (لاستخدامهما في السيارات الكهربائية والهواتف الذكية)، وغدًا سيكون حديثنا عن إنتاج الغذاء.

لقد أثبت الخليج أن نموذج تصدير الزراعة الغذائية يمكن أن ينجح في معالجة الأمن الغذائي لمجتمع صغير، ولكنه ثري. بيد أننا بحاجة إلى النظر فيما ستكون عليه التداعيات عند اتباع هذا النهج على نطاق واسع.

إنَّ أزمة أوكرانيا ليست سوى نذير لمشكلة أعمق بكثير تتعلق بإنتاج الغذاء (بالإضافة إلى لوجستيات سلاسل الإمداد)، والتي سيؤثر من خلالها تغير المناخ على الاقتصاد العالمي. ومع استمرار الخليج في بناء قطاع التكنولوجيا الزراعية واقتصاد المعرفة لديه، ثمة فرصة سانحة أمام البلدان الأخرى لمشاركة خبراتها في زراعة الأغذية أيضًا.

وخلال السنوات القادمة، سيحتاج المجتمع الدولي إلى توجيهات جديدة للتعامل مع هذه المرحلة الجديدة في الأمن الغذائي، وليس هناك من هو أفضل في قيادة هذه الجهود من بلدان الشرق الأوسط.

 

جوزيف دانا هو رئيس التحرير السابق لـ «إكسبونانشال فيو»، وهي جريدة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع، كما شغل منصب رئيس تحرير «إميريج 85»، وهو مركز يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.