في قلب منطقة الشرق الاوسط؛ بات الفن الإماراتي عالميًا أكثر منه عربيا

Melissa Gronlund

على مدار العقود الماضية، وضعت الإمارات العربية المتحدة نفسها في مركز خاص ينأى بها عن المنطقة العربية المشحونة سياسيًا: بيئة أمنة للاستثمار، عاصمة وتعداد سكان، أو كما يطلق عليها الكثير من باب الدعابة “الإمارات هي الدولة المتفتحة في الشرق الأوسط”، والمشهد فيما يتعلّق بالفن الإماراتي أخذ نفس المنحى، فالصراعات في منطقة الشرق الأوسط منذ حرب الخليج تسببت في ضياع المجموعات الرئيسية للوحات الفنية، ومنذ العام 2008 بيعت الكثير من تلك اللوحات، سواء تم ذلك من خلال مزادات علنية أو من خلال معارض – بمدينة دبي، وقام الزبائن مثل سلطان سعود القاسمي بجمع كميات كبيرة من تلك المجموعات، وتأسيس مقر دائم للفن العربي الحديث داخل البلاد، ومنح للإمارات العربية المتحدة الدور في حماية الثقافة العربية .

لكن مع تبلور المشهد الفني المعاصر، بات من الواضح أن عالم الفن الإماراتي أصبح مرتبطًا بالعالمية وفقا لتركيبتها السكانية – وفي بعض الأحوال بات التوجه للعالمية يرتكز بالكامل على تركيبتها السكانية، وأصبح التركيز الرئيسي من نصيب منطقة جنوب آسيا، وهي المنطقة التي ينحدر منها حوالي 70% من سكان دبي، وذلك على الرغم من العلاقات الثقافية واللغوية القوية مع الدول العربية على مستوى الحكومات، لكن الجذور الشعبية للمشهد الفني تعكس حقيقة أخرى.

وعلى سبيل المثال، في يناير، أعلنت السيدة”سميتا برابهاكار” وهي هندية المولد، وتعيش في دبي منذ أربعة عقود، وتعُد من أقطاب الفن، عن تأسيس جمعية “إشارة” الفنية بمدينة دبي، من أجل عرض وترويج العروض والقطع الفنية القادمة من جنوب آسيا، أما الشيخة “حور القاسمي”، التي تتراس مؤسسة الشارقة للفنون، ستقوم برعاية معرض “بينالي كوتشي  موزيريس” بمدينة “كيرالا”، والذي برز على مدار أربع دورات كمكان رئيسي يجمع الفنانين على مستوى الإمارات، وسوف يستضيف الموقع متعدد الوظائف الذي قام بتصميمه المهندس “ريم كولهاس” في دبي، في مارس القادم معرض الفن البنجلاديشي، الذي قامت “قمة دكا الفنية باختياره”، وهذا يثبت أن الرياح بدأت فعلًا بالهبوب من الشرق.

ولكن ما سبب هذا التحول؟، أولًا يعد السبب وراء هذا التحول  هو تحقق المصلحة الوطنية للإمارات بالتقارب مع جنوب آسيا، وخلال العام الماضي استضافت دبي رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي”، ورحبت بالهند كونها من أكبر الشركاء التجاريين للإمارات العربية المتحدة، وطالما كانت دبي تمثل أيضًا بيئة آمنة للمشروعات الباكستانية، والواقع أن “عارف نقفي”، وهو الرئيس السابق لمجموعة “أبراج”، والذي دخل في معارك واتُهِم بالتربُح، وهو باكستاني الجنسية. علاوة على ذلك فان هناك دافع للاتجاه شرقًا نظرا لاستمرار الصراع في منطقة الخليج، وهو الصراع الذي تتورط فيه دولة قطر بسبب القيود المفروضة، عليها سواء من ناحية التجارة او المعاملات الأخرى، من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى، وقد كانت قطر في السابق أحد الشركاء الرئيسيين في مجال الفن، حيث تمتلك مجموعات فنية ضخمة، تمتلكها جهات حكومية وأخرى خاصة، مما جعل المجتمع الفني يتطلّع إلى توسيع الدائرة والاتجاه للخارج.

وفي ذات الوقت، فإن التركيز الدولي على المؤسسات الفنية الإماراتية بات يعكس حقيقتين متواجدتين منذ زمن، الأولى هي الاتجاه نحو الخارج بشكل ثابت، والثانية هي التنوع السكاني الذي تشهده الإمارات العربية المتحدة، فتلك العروض الفنية المعاصرة في الإمارات العربية المتحدة، مثل “بينالي الشارقة” و”آرت دبي” و”منتدى الفن العالمي”، واجتماعات مؤسسة الشارقة للفنون في شهر مارس، وكلها فعاليات حدبثة موجهة للجمهور الزائر، تتمتع بميزة الموقع الإماراتي الذي يتوسط المسافة بين آسيا وأوروبا، مما يجعلها مركزًا للجذب من جميع أنحاء العالم، وغالبًا ما يتم توفير الميزانية الخاصة برحلات الطيران والإقامة.

والآن، على أي حال، هناك العديد من المؤسسات الفنية التي يتم افتتاحها على مستوى الإمارات، وهي تعكس زيادة عدد الجمهور المهتم بالفن المحلي، والنضج الذي بات يتمتع به الجمهور، وتتراوح تلك المؤسسات، بين المتاحف التي تجذب عناوين الصحف مثل متحف “اللوفر أبو ظبي”، إلى المؤسسات الأصغر التي لا تهدف إلى الربح مثل “مركز جميل للفنون” في دبي ومعرض الفنون التابع لجامعة نيويورك أبو ظبي، أما مؤسسة الشارقة للفنون، والتي تقوم بالإشراف على “بينالي الشارقة” فقد باتت تقوم بالتركيز على وضع البرامج عامًا بعام، كما تقوم ببناء موقعًا دائمًا لعرض المنتجات الفنية الرائعة التي تمتلكها.

والواقع أن تلك المؤسسات الجديدة باتت منبرًا للفنون الناشئة، التي لم تكُن متواجدة من قبل، وبالتركيز بشكل خاص على أشياء يمكن قراءتها من بين السطور: مثل الهوية السياسية، فالفنانين الغير إماراتيين المشتغلين على أراضي الإمارات، وحتى أولئك الذين نشأوا في البلاد، لا يستطيعون الحصول على المواطنة، وغالبًا ما يكونوا مُجبرين على الحصول على فيزا فصيرة الأجل، من أجل العيش في بلد من المفترض أنها وطنهم، وكما أشار الكاتب الهندي “ديباك أوننيكريشنان” خلال مجموعة من القصص القصيرة التي نُشِرت له مؤخرًا، وهو الشخص الذي تربى في أبو ظبي، حيث قال إن الإمارات باتت تعج بالأفراد الذين يقيمون فيها بشكل مؤقت.

وتلك الأسئلة الخاصة بالهوية الوطنية غالبًا ما تحرص على النظر إلى المشهد الفني، وعلى الرغم من أن الشعب الإماراتي دائمًا ما يجد خلفه القوة والدعم والتمويل من الحكومة، إلا أن عالم الفن، خاصة في دبي، غالبًا ما ظهر بمنأى عن التمويل الحكومي، والرواد الأوائل للفن المعاصر ظهروا في الإمارات العربية المتحدة، قبل أن يكملوا دراساتهم بالخارج ويعودوا إلى البلاد مجددًا، والعالم المصغر الخاص بالثقافة الثالثة، بات يطرح أسئلة حول مرحلة ما بعد الاستعمار، والعولمة، وهي التحولات التي باتت تؤثر على عالم الفن بشكل عام.

كما أن التطور المتسارع الذي يشهده المجال الفني يعكس سياسة التعاون الدولي التي باتت تنتهجها الإمارات، وتجاوزت ما وراء منطقة جنوب آسيا، فالواقع أن هناك مؤسسة سعودية تقوم بإدارة “مركز جميل للفنون”، كما يترأس المركز مواطن بريطاني يقيم في دبي منذ فترة طويلة، وقد قامت الشيخة حور بتأسيس معهد إفريقيا، وذلك سعيا  لتنمية العلاقات بين الخليج ومنطقة الشمال الإفريقي، وهناك مشروع المتاحف بمنطقة السعديات، الذي تم برعاية مؤسسة “اللوفر أبو ظبي”، ومتحف الشيخ زايد الوطني، ومتحف “جوجنهايم” بأبو ظبي، وهو المكان الأمثل للاستمتاع بشكل مختلف، وهو يتبع إدارة حكومية، وهو يثبت أهمية الخبرات الدولية فبما يخُص تطوير الفنون على مستوى الإمارات.

وبينما تمر السنوات بدولة الإمارات التي صار عمرها 47 عامًا، ربنا تندهش البلاد من عدد الأشخاص الذين يعتبرونها وطنًا لهم، وليس محبذا سياسيًا أن نقول أن عالم الفن الإماراتي لا ينتمي إلى العرب، لكن المعاهد الثقافية بدأت في التأكيد على هذا القول.

AFP PHOTO/KARIM SAHIB