التنافس بين التيارين الإسلامي والشعبي على مقعد الرئاسة، الديمقراطية التونسية تقف في مفترق طرق

دنيانيش كامات

AFP Photo: Hasna

من المرجح أن يضطر التونسيون إلى الاختيار ما بين مرشح شعبي وآخر إسلامي في الانتخابات الرئاسية المبكرة والمزمع إجراؤها في سبتمبر المقبل، وقد يغير اختيارهم من مسار الديمقراطية الوليدة لبلدهم.

كان من الضروري إجراء تلك الانتخابات غير المتوقعة بعد وفاة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في الشهر الماضي. وللمرة الأولى منذ اندلاع ثورة 2011 يتقدم حزب النهضة الإسلامي بمرشح لرئاسة الجمهورية وهو الأمر الذي أحجم عنه الحزب فيما مضى حتى يتجنب اتهامه باحتكار السلطة. إلا أنه وبعد نقاش حاد دار داخل أروقة الحزب، تقرر أن يكون نائب رئيس الحزب السيد، عبد الفتاح مورو، هو مرشح حزب النهضة..

 بالرغم من أن حزب النهضة قد أحجم عن التزامه السابق بإضفاء الطابع الإسلامي على (أسلمة) المجتمع التونسي، إلا أن سجل عبد الفتاح مورو في هذا الشأن يظل أكثر تباينًا يشمل التضامن سابقًا مع دعاة الراديكالية المتطرفة، وهو الأمر الذي قد عبر عن ندمه تجاهه. وعلى الرغم من ذلك فقد يؤدي فوز عبد الفتاح مورو في انتخابات سبتمبر المقبل                إلى زيادة عمق الصدع القائم في المجتمع التونسي بين العلمانيين والإسلاميين.

يمنح نظام الحكم التونسي المستوحى من النظام الفرنسي لرئيس الجمهورية سلطة التحكم في شئون السياسة الخارجية والدفاع.. وإن كانت تونس حتى الآن قد نأت بنفسها عن الصراعات الإقليمية الدائرة بين قطر وتركيا من ناحية وبين كل من الإمارات ومصر والمملكة العربية السعودية والبحرين من ناحية أخرى، إلا أنه من المرجح أن تنخرط تونس تلك الصراعات فيظل حكم عبد الفتاح مورو وذلك لتعاطف القاعدة العريضة من المُصوتين لحزب النهضة مع الجانب التركي والقطري إلى حد بعيد وذلك كون الحزب يعود بجذوره إلى جماعة الإخوان المسلمين.

وربما كان الصعود السياسي لنبيل القروي هو الدافع الأول وراء قرار دفع حزب النهضة بمرشح رئاسي، فهو قطب إعلامي ثري ويعد شعبويا ومناهضًا بشدة للإسلاميين. وعادة ما يقارن بكل من الإيطالي سيلفيو بيرلسكونى وبالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذين نفذا لأروقة السياسة عبر بوابة الإعلام. ومع ذلك يحب نبيل القروي أن يتشبه بالرئيس البرازيلي السابق، لويس إيناسيو “لولا” دا سيلفا، اليساري الشعبي البارز والذي جعل من إعادة التوزيع الاقتصادي محورًا لسياساته.

وقد تودد القروي خلال العامين الأخيرين للشعب التونسي من خلال برنامج تليفزيوني يقدمه عبر قناة فضائية يملكها. وعرف نفسه كرجل من الشعب وذلك لما يقدمه من طعام وكساء ودواء للفقراء من التونسيين عبر مؤسسته الخيرية التي يزعم بأنه من خلالها قد قدم يد العون لما يزيد على نصف مليون من المواطنين التونسيين. وقد قدم القروي نفسه بطريقة شعبية بوصفه دخيلاً على المجال السياسي ومن ثم سوف يقضي على ما أطلق عليه النخبة السياسية الفاسدة. ويخطط القروي لأن يجوب البلاد على متن حافلة مجهزة لحملته الانتخابية، واتباعًا لمقولة ترامب، يقول القروي بأنه يعتزم أن يدير الدولة التونسية تمامًا كما تدار الأعمال التجارية. وقد أتى هذا بثماره حتى الآن، فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي كانت قد أجريت في يونيو ويوليو الماضيين تصدر القروي قائمة المرشحين على مقعد رئاسة الجمهورية بفارق ثمانية بالمائة على الأقل عن أقرب منافسيه. وقد أطلق حزبه (قلب تونس) حتى يخوض غمار الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في شهر أكتوبر المقبل.

كان الصعود الهائل لاسم نبيل القروي كفيلاً بأن يهز أركان المؤسسة السياسية التونسية بشكل يجعلها تود أن تحبط عملية ترشحه للرئاسة. فقد سعت الحكومة التونسية ممثلة في رئيسها يوسف شاهد – والذي يعد مرشحًا هو الآخر على مقعد رئاسة الجمهورية – للتقدم بتعديلات على قوانين الانتخابات التونسية لإقصاء المرشحين الذين ترتبط أسماؤهم بالمؤسسات الخيرية. كانت تلك التعديلات قد اعترض عليها الرئيس السابق السبسي لاحقًا. وفي وقت سابق من هذا العام كانت هيئة تنظيم الإعلام التونسية قد سعت لحظر القناة الفضائية الخاصة بالقروي مدعية أنها “تتلاعب بالرأي العام “. بعد ذلك وخلال الشهر الماضي، وُضِع القروي وشقيقه قيد التحقيق الرسمي بتهمة غسيل الأموال. ربما على القروي أن يرجو ألا يكون نتيجة ذلك أن يلقى نفس مصير مثله الأعلى “لولا” الذي يواجه حاليا عقوبة السجن لاثنتي عشرة عامًا بتهمة الفساد.

وقد رد القروي على كل ذلك بإبداء عدم اكتراثه. فقد رفض كافة التحقيقات التي أجريت ضده حتى تلك التي أطلقتها بعض المؤسسات المستقلة كنوع من مُطاردة الساحرات (الفاسدين)، ويتش-هنت، والتي أجريت بمعرفة النخبة السياسية التونسية والتي عاملها القروي بازدراء صريح.  كما إنه لا يظهر القدر الكافي من احترام القانون، فبينما لا يُسمح للناخبين بالقيام بأية حملات انتخابية قبل حلول سبتمبر القادم، إلا أن القروي قد تحايل على تلك القاعدة من خلال الاختلاط العلني بالناخبين في مدينتين شماليتين بحجة فتح مكاتب محلية لحزبهوهو ما دفع هيئة مراقبة الانتخابات التونسيةلإصدار تحذيرين للمرشح المحتمل.

بعد أن أنشأ القروي حزب قلب تونس حتى يكون أداة لتحقيق طموحاته السياسية، يمكنه الآن أن يستغل شعبيته الشخصية لمساعدة حزبه في الفوز بالانتخابات البرلمانية القادمة وبالتالي يتجنب الحاجة لعقد أية تحالفات مع أحزاب أخرى. وفيما يعد مؤشرًا على سياسته الخارجية فقد شبه القروي خصومه السياسيين بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، متهمًا حزب النهضة الإسلامي باستخدام “التنكر القانوني” لعرقلة الخصوم.

حتى الآن تشير جميع الدلائل إلى أنه حال انتخاب القروي رئيسًا للبلاد سيكون شأنه شأن أي رجل شعبي قوي في العالم، حيث سيسعى لإضعاف المؤسسات وسيتجاهل القوانين أو يعرقلها عمدًا وسيزرع الفتنة بين الخصوم ليجني الأرباح السياسية. وبينما تستطيع النظم الديمقراطية القوية كتلك التي في الولايات المتحدة الأمريكية أن تتصدى لكل ذلك، إلا أن الديمقراطية في تونس ليست بالنضج الكافي الذي يمكنها من النجاة في ظل نظام حكم كهذا. فمؤسسات الدولة ليست قوية أو حتى مكتملة التشكيل في ظل وضع إقتصادي يعتبر أسوأ مما كان عليه الأمر قبل اندلاع الثورة. وهذا وحده يكفي، من وجهة نظر العديد من التونسيين، للتشكيك في فكرة الديمقراطية كحل لمشاكل البلاد.

 يقف التونسيون أمام خيار صعب في سبتمبر المقبل، فهل سيختارون رئيسًا إسلاميًا قد يمزق النسيج المجتمعي للبلاد ويورطها في صراعات إقليمية؟ أم عليهم أن يختاروا رئيسًا شعبيًا من شأنه أن يجعل الديمقراطية نفسها تتآكل تدريجيا. وإجمالاً فهناك الكثير على المحك بالنسبة لقصة النجاح الوحيدة في الربيع العربي..