ما بين العادات القديمة والتوجهات الحالية يقع المتحف المصري الكبير

نيك ليتش

في شهر مايو يتم الاحتفال بيوم المتحف العالمي، ويجذب هذا الحدث آلاف المشاركين من عدة دول ابتداءً من جزيرة جرينلاند وصولاً إلى جزيرة تاسمانيا، ومن دولة تايوان وصولاً إلى السنغال. وكالعادة، تم تنظيم احتفال هذا العام وفقًا لفكرة أن هذا زمن “المتاحف شديدة الاتصال” صعبة الإدارة: حيث نهج جديدوزائرين جدد: ورغم ذلك، تتماشى تلك الفكرة مع مشروع المتاحف حول العالم. فعلى سبيل المثال، في بعض المدن مثل مدينة أمستردام، قد تستضيف المتاحف حفلات ساهرة تضم بين أحضانها أفراد المجتمع المحلي الراغبين في توطيد الصلة بين المعاهد التاريخية ومعاهد الفنون الجميلة وبين جمهورها الأصلي. ومن المحزن أن تلك الفكرة ليست بالضرورة محل اهتمام هذا الجزء من العالم.

إن إضافة كلمة “كبير” إلى المتحف المصري الكبير خطوة ذكية من شأنها أن تقدم مصطلح “صديق للإنسان”، ومن المتوقع أن يُفتتح “المتحف المصري الكبير” جزئيًا على الأقل في وقت لاحق من هذا العام. وقبل أن يتم هذا الافتتاح، قد يرغب المتحف المصري الكبير في الاسترشاد ببعض نماذج التوجه العالمي الحالي نحو الشمولية باعتبارها مغايرة، لسوء الحظ، للعادات العريقة في المنطقة والتي جعلت من المتاحف ممثلاً للثقافة الحصرية ذات الذوق الرفيع. وبالفعل، قد يرغب المتحف المصري الكبير، تلك المؤسسة التي أعلنت عن سعيها نحو استخدام التكنولوجيا لتكون واحدة من أكثر مراكز التميز التابعة للآثار المصرية  شهرة على مستوى العالم وترابطًا ، أيضًا في التوسع في استخدام التكنولوجيا المتقدمة كوسيلة لتعريف الناس بمدينة “القاهرة” التي تستضيف هذا المتحف المصري الكبير.

من المنظور المعماري والحضري، يعتبر المتحف المصري الكبير نموذجًا إقليميًا، حتى وإن لم يكن في مخيلة أمناء المتحف ومصمميه هذا الأمر. وبدلاً عن ذلك، يعتبر المتحف المصري الكبير في عيون المجتمع الدولي لعلماء المصريات والسياح الحقيقيين معرضًا للترابط المحلي العميق من خلال سلسة الفنادق الفخمة وملاعب الجولف والتطويرات العقارية عالية الكثافة التي تشكلت حول الحدود الشمالية لهضبة الجيزة موطن الأهرامات العظيمة وأبو الهول. يشغل المتحف المصري الكبير الذي يأخذ شكل مروحة ومحاط بمجمع سكني وطريق سريع وسلسلة من فنادق الخمسة نجوم، آخر الأماكن المتاحة للتعرف على عوامل الجذب الرئيسية والتي تبعد “2” كيلومتر جنوبًا.

يتبوأ المتحف موقعًا جغرافياًصعبًا لأسباب ليس أقلها المرور عبر منحدر طوله “50” مترًا والذي يبدأ من الهضبة وصولاً إلى وادي النيل، مع الاستمتاع بإطلالات الهرم الأكبر وهرم خفرع ومنقرع، حيث يمكن رؤية أي منهم في نهاية أحد قاعات المتحف الطويلة.

وخلافًا للمتاحف الجديدة الواقعة في مناطق أخرى في الشرق الأوسط، والتي استُخدمت كمستأجر رئيسي لعمل تجديد أشمل للمناطق الحضرية وتطوير العقارات التجارية، جاء انتقال المتحف المصري الكبير إلى هضبة الجيزة حدثًا متأخرًا. وبالرغم من ذلك، يبدو وكأن المتحف المصري الكبير جاء ليكون نوعًا من حجر الزاوية ليس فقط ضمن الخطط الحكومية الرامية إلى إنعاش الاقتصاد المصري المتركز على السياحة، بل أيضًا ضمن حركة التطوير التي تبشر بعمليات التجديد المتزايدة لهضبة الجيزة.

ومع استمرار توافد السائحين على الأهرامات، فإن المرحلة النهائية في أي رحلة إلى المتاحف تتضمن التفاوض مع أمواج متعاقبة من الباعة الجائلين والمرشدين وأحدثهم سائقي التاكسي، وهو الوضع الذي وصفه المشرف على المرحلة الأخيرة من مشروع تطوير هضبة الجيزة بأنه “حديقة مفتوحة”.

وبناء على خطة التجديد التي تتكلف ملايين الدولارات، طبق مشروع تجديد سلسلة من التدابير منذ العام 2011، تم تنفيذ تلك التدابير تحت مسمى “تحسين التجربة السياحية”، غير أنها طوقت الأماكن العامة بالهضبة وخصخصتها بصورة فعالة، وكانت النتيجة إطلالة خلابة للأهرامات والقاهرة يبرزها نوافذ الفنادق واحتياجات الاقتصاد السياحي في بلد ومنطقة يُنظر فيها إلى الأماكن العامة نظرة ريبة منذ أحداث الربيع العربي.

كانت مقابر الجيزة دومًا ذلك المكان الذي يطلق فيه السائحون العنان لتخيلاتهم. غير أن المكان الآن محاط بالسياج ومحمي بالبوابات ومراقب بأحدث أنظمة الأمان، والآن وصلنا إلى مرحلة يبدو فيها أن العديد من المواطنين المصريين غير مرحبين بهذا الأمر فضلاً عن كونها إجراءات لا طائل منها.

في الوقت الذي يحفز فيه المجلس الدولي للمتاحف أعضائه على جذب انتباه جمهور ومجتمعات محلية جديدة، نجد أن مشروع تطوير هضبة الجيزة وضع المتحف المصري الكبير في موقف غير منصف. أضف إلى ذلك، أن هناك خطة لطرح أسطول من المركبات الإلكترونية لنقل الزائرين من محيط المتحف إلى المناطق حوله ومن شأن هذا الأمر أن يحول المتحف الجديد إلى نقطة تفتيش ويأتي هذا تحديدًا في الوقت الذي يُنادَى فيه بفتح أبواب المتحف. ويتعين علينا إذًا الانتظار لنرى كيف يتعامل المتحف المصري الكبير مع هذا التناقض بين خدمة الاقتصاد السياحي ومنح المصريين فرصة للتعرف على تراثهم. غير أنه من الواضح بمكان أن المشكلة سيتم التعامل معها في القريب العاجل على الوجه الأمثل قبل أن يفتح المتحف جميع أبوابه.

KHALED DESOUKI / AFP