بين الهند وباكستان، هل تحدد كشمير القائد الجديد للعالم الإسلامي؟

حسن الحسن

AFP photo: Bandar Aldandani

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، موطن أقدس الأماكن الإسلامية، فإن الأزمة الراهنة في كشمير ذات الغالبية المسلمة تتعدى بكثير مسألة ما إذا كانت المملكة العربية السعودية في جانب الهند أم باكستان. أصبحت كشمير ساحة لسباق محموم مثير للنزاعات، وجائزته هي الزعامة الرمزية للعالم الإسلامي. وفي الوقت الذي تبسط فيه إيران نفوذها بين الشيعة في كشمير، هناك تركيا التي تلقي بثقلها الدبلوماسي خلف باكستان. وفي ظل رؤية التحديث التي يتبناها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أصبحت القومية السعودية الآن أكثر أهمية من دور المملكة الإسلامي. وقد يترتب على هذه الأمر حدوث فراغ قد تسعى لشغله القوى الإسلامية المنافسة مثل إيران أو تركيا.

وفي ذروة الحرب الباردة، نصبت المملكة العربية السعودية نفسها كزعيم للعالم الإسلامي. وفي عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، والذي حكم البلاد خلال الفترة من عام 1964 إلى عام 1975، روجت المملكة العربية السعودية لرؤية إسلامية شاملة، من خلال تمويل الجمعيات الخيرية والمساجد والمدارس والمشاريع التنموية لتعزيز الإسلام السلفي في جميع أنحاء العالم، ومواجهة الإيديولوجيات العربية والبعثية المؤيدة للاتحاد السوفيتي، وخصوم الحرب الباردة، بما في ذلك مصر والعراق.

لقد تغيرت الأمور في ظل نفوذ ولي العهد السعودي الشاب. ومنذ عام 2015، كبحت الحكومة السعودية جماح رابطة العالم الإسلامي، وأعلنت جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وتخلت عن سيطرتها على العديد من المؤسسات الدينية في أوروبا، وغيرها من الأمور. وبالفعل فقد تخلى ولي العهد عن المظاهر التي كانت تتسم به بلاده فيما مضى، ووعد بإعادة المملكة إلى طريق الإسلام المعتدل.

ومع ذلك، تواصل المملكة التأكيد على زعامتها للعالم الإسلامي. ففي ديسمبر العام 2015، كونت المملكة العربية السعودية تحالفًا عسكريًا إسلاميًا لمكافحة الإرهاب، بهدف مكافحة ما تسمى بالدولة الإسلامية. وبعد عامين، عقدت المملكة العربية السعودية قمة عربية إسلامية أمريكية في الرياض، وحضرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة الدول العربية والإسلامية.

ورغم ذلك، هناك دول أخرى ذات غالبية مسلمة تدعى أحقيتها في زعامة العالم الإسلامي. ومنذ الإطاحة بالشاه “محمد رضا بهلوي”، والتحول إلى جمهورية إسلامية في عهد آية الله روح الله الخميني في عام 1979، حاولت إيران تصدير نموذجها الثوري إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي. ومع ذلك، اقتصر نجاحها على الطائفة الشيعية، والتي تشكل من “10%” إلى “15%” فقط من مسلمي العالم.

وفي الآونة الأخيرة، سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تغيير بوصلة السياسة الخارجية لبلاده بعيدا عن ماضيها العلماني الراسخ بقوة، نحو دور عثماني جديد. وفي سبيل هذه الغاية، دافعت تركيا عن مجموعة متنوعة من القضايا الإسلامية، بدءًا من القدس وغزة وصولاً إلى الروهينجيا في ميانمار. وعلاوة على ذلك، وفقًا لتقرير صادر عن معهد بروكينغز، وسعت تركيا نشاط مؤسسة ديانت (رئاسة الشئون الدينية التركية)، لتشمل توفير التعليم، وتمويل المساجد والنشاط الثقافي الديني في أوروبا والبلقان والشرق الأوسط وأفريقيا، وبالتالي شغل الفراغ الجزئي الذي خلفته المملكة العربية السعودية.

لقد برزت تركيا، بإرثها الإمبراطوري العثماني والممتد في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي السني، كمنافس رئيسي للزعامة الدينية للمملكة العربية السعودية. وفي زيارته إلى أنقرة في يوليو، وافق رئيس الوزراء الماليزي “مهاتير محمد” والرئيس التركي أردوغان، ومعهم دولة باكستان، على ضرورة أن تتعاون الدول الإسلامية الثلاث معًا” لدعم القضايا الإسلامية في جميع أنحاء العالم. ورداً على هذه الدعوة، رحب وزير الخارجية الباكستاني، شاه محمود قريشي، بالمقترح الذي يدعو إلى “”بدء نهضة إسلامية، وتوحيد العالم الإسلامي”، وهو الأمر الذي أثار فعليًا استياء المملكة العربية السعودية.

إن التنافس على تلك الزعامة الرمزية للعالم الإسلامي يتصاعد تدريجيًا في جنوب آسيا. وخير دليل على ذلك، هو الداعية المسلم الهندي النشط، الدكتور ذاكر نايك. وجردت الهند الدكتور “نايك”، والذي يدير قناة تلفزيونية فضائية مثيرة للجدل تسمى “Peace TV”، من جنسيته الهندية، وأصبح مطلوبًا لديها بسبب العديد من التهم الجنائية، بما في ذلك غسيل الأموال، والتحريض على الإرهاب، وهي اتهامات ينكرها الدكتور “نايك”.

ورغم ذلك، تنظر البلدان ذات الأغلبية المسلمة إلى “نايك” نظرة البطل، ونال ” نايك” العديد من الجوائز تقديرًا لنشاطه الديني ابتداءً في دبي والشارقة وماليزيا والسعودية. وفي زيارة له إلى تركيا عام 2017، أثنى “زاكر” على الرئيس أردوغان، معتبرًا إياه “أحد الزعماء المسلمين القلائل الذين لديهم الشجاعة لدعم الإسلام بشكل علني”. ويعيش “زاكر” حاليًا في ماليزيا، وتشير التقارير إلى أن ماليزيا منحت “زاكر” إقامة دائمة.

إن احتضان الداعية المسلم الهندي المثير للجدل هو مجرد مثال على الطريقة التي تتفوق بها الدول الإسلامية على بعضها بعضًا في تأكيد دعمها للإسلام، ودعم وادي كشمير ذي الأغلبية المسلمة، والذي يشتكي فيه المسلمين عادة من اضطهاد الدولة الهندية، ما هو الا انتهاج لذات الطريقة. ويتركز نفوذ المملكة العربية السعودية في كشمير بشكل تقليدي على أهل الحديث، وهو فصيل سني تشبه عقيدته العقيدة الرسمية للسعودية. ورغم تفاوت التقديرات، هناك اعتقاد بأن المملكة العربية السعودية مولت بناء مئات المدارس الدينية والجمعيات الخيرية والمساجد في كشمير، والتي اعتاد سكانها ممارسة العقيدة الصوفية التوفيقية.

ويبدو أيضًا أن إيران كانت قد أولت اهتمامًا بالغًا بالمسلمين الشيعة في كشمير خلال الأعوام الأخيرة. ووفقًا لرواية قصصية كتبها محلل هندي لصحيفة “هارتس”، يقبل الشيعة في كشمير بصورة متزايدة على تبني أيديولوجية المقاومة الإسلامية التي تطبقها إيران. ومن الواضح انتشار صور المرشد الأعلى علي خامنئي في أماكن العبادة، في الوقت الذي يظهر فيه المتظاهرون في كثير من الأحيان وهم يلوحون بأعلام حزب الله اللبناني.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن الحكومة التركية قد تبنت نهجًا دبلوماسيًا، من خلال مكالمة هاتفية أجراها الرئيس “أردوغان” مع رئيس وزراء باكستان، عمران خان، وعده خلالها بدعم تركيا الثابت لباكستان. علاوة على ذلك، تستطيع تركيا من خلال مكانتها البارزة استغلال تقاليدها الصوفية كوسيلة لزيادة نفوذها في كشمير، ولاسيما من خلال مخاطبة أولئك الذين قد يرغبون في إحياء الثقافة الكشميرية، وتراث الوادي والذي يجمع بين التناغم الديني والثقافي.

وأصبح وادي كشمير مسرحًا لمعركة عالمية ملحمية على الزعامة الإسلامية. وتواجه المملكة العربية السعودية، وهي التي لطالما ادعت لنفسها هذه المسؤولية، مخاطر خسارة أشياء كثيرة. على عكس الإمارات العربية المتحدة، والتي وقفت إلى جانب الهند، ولا تستطيع المملكة العربية السعودية أن تخسر أمام إيران أو تركيا في المنافسة على قلوب المسلمين وعقولهم. وفي الوقت نفسه، تحجم المملكة العربية السعودية عن تدمير علاقتها مع الهند، لأنها الشريك الاقتصادي الرئيسي لها. وستعد الطريقة التي تحددها المملكة العربية السعودية لحل هذه المعضلة بمثابة المؤشر الرئيسي على توجه السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية.

يعمل “حسن الحسن” باحثًا في معهد الهند في كلية “كجنز” في لندن، وزميل مشارك لدى المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية. وعمل “حسن” سابقًا كبيرًا المحللين لدى مكتب النائب الأول لرئيس الوزراء البحريني.