إدارة بايدن تسعى لتغيير الأسلوب وليس جوهر التعامل مع السياسة الصينية

كريستيان لامير

AFP Photo: Paul J. RICHARDS

تم انتخاب الرئيس جو بايدن بناء على برنامج يرمي إلى التخلُص من خطاب الانقسام والعشوائية التي ميّزت صنع السياسة خلال فترة حكم إدارة ترامب، وكذا بناء على وعد برؤية أمريكا جديدة، لكن من المرجح ألا تشهد جميع مجالات السياسة الأمريكية تغييرًا جوهريًا، والواقع يقول أنه فيما يتعلّق بإحدى أهم القضايا المُلِحّة الخاصة بالسياسة الخارجية – العلاقة بين الولايات المتحدة والصين – من المرجح أن تنتهج إدارة بايدن نهج الاستمرارية عوضًا عن التغيير، وبينما ستكون هناك محاولات للسعي من أجل التعاون في مجالات مثل التغير المناخي ومنع انتشار الأسلحة النووية؛ فإن التحول في السياسة الأمريكية من المرجح أن يقتصر على الأسلوب وليس الجوهر.

وقد اعترف وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن بهذا الأمر بشكل مباشر خلال مقابلة مع شبكة سي إن إن، وقال بلينكن خلال المقابلة إن :”من الإنصاف أن نعترف أن الرئيس ترامب كان على حق حين انتهج سياسة صارمة مع الصين.. وأنا أرى أسلوبه كان خاطئًا فيما يخص جميع القضايا، لكن المبدأ الأساسي فيما يخص التعامل مع الصين كان صحيحًا“.

وقد جاءت تصريحات بلينكن لتعكس واقعًا يقول إن هناك إجماعًا قويًا بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على انتهاج سياسة أكثر تشدُدًا مع الصين، ويتفق قطبي السياسة الأمريكية الآن على ضرورة فرض قيود على التجارة الصينية، وأن الردع العسكري بات أمرًا أساسيًا، وأن هناك حاجة لمزيد من الاستثمارات لمواجهة الطموحات الصينية على المستويين الإقليمي والدولي.

وكي يؤكد بايدن على موقفه؛ أمر بمراجعة استراتيجية ووضع القوات الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ؛ وذلك بغرض تحديد الخطوط العريضة لكيفية “مواجهة الولايات المتحدة للتحدي الصيني”.

وتلك المراجعة سوف تكتمل في غضون 4 أشهُر، لكن وبالنظر للخطاب الذي تتبناه الإدارة الأمريكية تجاه الصين حتى الآن فإنها ربما تهدف إلى ضمان توزيع وربط القوات الأمريكية عبر المحيطين الهندي والهادئ؛ بغرض إكمال الخطة الدفاعية وضمان القدرة على الردع والرد على أي اعتداءات صينية.

لذا فإنه وعلى المستوى الاستراتيجي؛ من المرجح أن تكون هناك اختلافات بسيطة بين سياسات كل من إدارتي ترمب وبايدن تجاه الصين، ومن غير المرجح أن تكون المراجعة الدفاعية بمثابة إشارة على ضعف الوجود الأمريكي – خلال هذا الشهر، وقد قامت الولايات المتحدة بإجراء تدريبات بمشاركة مجموعتين من حاملات الطائرات في بحر الصين الجنوبي؛ وذلك في استعراض واضح للقوة في تلك المياه المتنازع عليها، وتعد تلك ثاني التدريبات في بحر الصين الجنوبي التي تقام في غضون ستة أشهر بمشاركة مجموعتين من حاملات الطائرات، وقبل ذلك لم تقوم الولايات المتحدة بتلك التدريبات الضخمة في بحر الصين الجنوبي سوى في العام 2014.

وفيما يتعلّق بالقضايا الرئيسية مثل تايوان وهونج كونج وشينجيانج فإن الأمر متشابه، حيث تسعى إدارة بايدن لإثبات موقفها المتشدد، وأيضًا شهد هذا الشهر القيام بأول عملية لحرية الملاحة تحت قيادة الحكومة الجديدة، حيث عبرت مدمرة الصواريخ الموجهة “يو إس إس جون ماكين” وشاركت في تدريبات بالقرب من جزر باراسيل في بحر الصين الجنوبي، وكان مسؤولو إدارة بايدن قد قاموا بتوجيه انتقادات شديدة لسياسات الصين في كل من هونج كونج وشينجيانج، واستخدم بلينكن مصطلح “الإبادة الجماعية” في إشارة إلى علاقة بيكين بأقلية الإيجور.

علاوة على ذلك، فإن إدارة بايدن التي تواجه قيودًا بسبب الرأي العام والتكتل الديمقراطي باتت غير راغبة في إبرام صفقات تجارية ضخمة جديدة، وأغلب الظن أن إدارة بايدن ستكون غير قادرة أو راغبة في إنهاء حرب التعريفات الجمركية مع الصين.

ورغم ذلك لا تزال هناك اختلافات جوهرية مع سياسة إدارة ترامب، أولها التركيز على الحلفاء والتحالفات، وقد أكّد بايدن وكبار قادته مرارًا وتكرارًا على أنه سيكون هناك تأكيد مستمر على التواصل مع الحلفاء والشركاء الرئيسيين للولايات المتحدة، وذلك في محاولة لإصلاح الضرر الناتج عن إصرار ترامب على الحصول على أموال مقابل نشر القوات الأمريكية، وكذا الأضرار الناتجة عن الحروب التجارية والشك في نوايا الولايات المتحدة.

وقد أشار مستشار الأمن القومي جيك سوليفان إلى أن الولايات المتحدة ستحاول تعزيز مسألة “الإجماع” في مواجهة الصين، بينما أشار بايدن في أول خطاب له يتعلّق بالسياسة الخارجية في الرابع من فبراير إلى أن “التحالفات الأمريكية تعُد بمثابة ثروتنا الكبرى”.

وثانيًا؛ تعمل إدارة بايدن بنشاط على البحث عن أوجه للتعاون مع الصين، بدءًا من ملف التغير المناخي وحتى منع انتشار الأسلحة النووية، ويبدو أن الصين تدرك تلك الحقيقة – حيث قامت بتعيين المفاوض البارز في مجال التغير المناخي سي جينوا كمستشار ومنسق في شؤون المناخ، وقد أدار سي جينوا سابقًا مفاوضات انضمام الصين لاتفاقية باريس للمناخ والقبول بوقف الانبعاثات، تلك العملية التي قادها أيضًا جون كيري الذي كان يشغل حينها منصب وزير الخارجية ويشغل الآن منصب المبعوث الرئاسي الخاص لشؤون المناخ، وفيما يتعلّق بمسألة منع انتشار الأسلحة النووية هناك فرصة ضئيلة لإجراء مفاوضات حول خفض الترسانة النووية الصينية، لكن فيما يتعلّق بمواجهة الطموحات النووية لكوريا الشمالية، فان هناك أمل في التنسيق بين واشنطن وبيكين، ومن المرجح أن تحتل تلك القضية الأولوية في النقاشات الثنائية بين البلدين.

وأخيرًا؛ سيسعى بايدن إلى تخفيف التوتر في العلاقات مع الصين عبر تفادي التغريدات المطولة على موقع تويتر واللغة الغير دبلوماسية التي ميّزت في وقت ما العلاقات بين إدارة ترمب والصين، وستكون هناك المزيد من الدبلوماسية وصنع السياسة وراء الأبواب المغلقة، وستكون هناك القليل من الأحداث الهامة التي تغضب بيكين؛ مثل زيارة وزير الصحة في إدارة ترامب أليكس عازار إلى تايوان في أغسطس من العام الماضي.

وبشكل عام؛ فإن مسار العلاقات بين الولايات المتحدة والصين من المرجح أن يبقى دون تغيير – تجاه مزيد من المنافسة الشرسة بين قوتين عظميين، وعلى الرغم من أن الأمر لن يتميّز بالحدة والغضب كما كان في عهد إدارة ترامب؛ فإن حكومة بايدن سوف تستمر في الضغط على بيكينوتحدي الصعود الصيني.

 

كريستيان لو ميير هو مؤسِس Arcipel، وهي مؤسسة للاستشارات الاستراتيجية لها مقرين في لندن ولاهاي، وسابقًا شغل منصب كبير المستشارين في مؤسسة مستقلة بأبو ظبي، وشغل منصب كبير الأساتذة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن @c_lemiere.