إدارة بايدن سوف تناضل من أجل الحصول على الزعامة في منطقة الشرق الاوسط

كريستيان لامير

AFP Photo

بصفته الرئيس القادم للولايات المتحدة، سوف يتسلّم جو بايدن الرئاسة في ظل أجندة مزدحمة فيما يخص السياسة الخارجية، وعلى رأس تلك الأجندة ستكون هناك قضايا مثل إيران والصين وكوريا الشمالية واتفاقية باريس للمناخ، وبغضّ النظر عن طريقة معالجة تلك القضايا؛ فإن أحد المبادئ الإرشادية فيما يخص السياسة الخارجية لبايدن ستتمثّل في استعادة الولايات المتحدة للعلاقات مع الحلفاء الرئيسيين، وسوف تسعى إدارة بايدن لتحسين العلاقات مع الحلفاء، وإقامة تحالفات رسمية وغير رسمية مع التحلي بالمزيد من الإصرار والتناسق.

لكن فيما يخص المنطقتين اللتان تتمتعان بالمزيد من الأهمية الاستراتيجية على مستوى العالم – منطقتي الشرق الأوسط والمحيط الهادئ الهندي؛ فإن الولايات المتحدة تواجه بيئتين مختلفتين للغاية.، فبالنسبة لمنطقة المحيط الهادئ الهندي ستكون هناك خطوات ناجحة؛ تتمثّل في مجهودات دبلوماسية وتصريحات والتوقيع على معاهدات وصفقات أسلحة، وسوف تساعد تلك الأمور الدول المتحالفة مع واشنطن بشكل رسمي على التمسُك بفكرة مقاومة المد الصيني في تلك المنطقة. بينما في الشرق الأوسط فإن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين باتوا في خصومة مع بعضهم البعض، وغالبًا ما يتصارعون من أجل النفوذ وفي بعض الأحيان يقف كل منهم ضد الآخر عبر الحرب بالوكالة.

وفي آسيا فإن مجرى الأحداث في الفترة الأخيرة بات واضحًا، فهناك مجموعة من أربع دول – أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة – أقدمت في الشهور الأخيرة على خطوات حاسمة من أجل تقوية التحالف الذي كان قائمًا مسبقًا.

وفي ذات اليوم الذي تمت فيه الانتخابات الأمريكية في الثالث من نوفمبر؛ أبحرت كل من المدمرة الأمريكية المزودة بصواريخ موجهة يو إس إس جون ماكين والفرقاطة الأسترالية إتش إم أيه إس بارالات والمدمرة اليابانية جيه إس أونامي والغواصة الهندية آي إن إس سيندوراج؛ أبحرت تلك القطع البحرية في تشكيل عبر خليج البنغال، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تشترك فيها الدول الأربع في تدريبات رباعية وهو ما يدل على تطور التحالف الأساسي القائم بين تلك الدول الأربع.

وقد كانت تلك التدريبات بمثابة دليل على ازدهار الحوار الأمني الرباعي والذي يطُلق عليه اختصارًا (كواد)، وهو عبارة عن مجموعة من الدول الديمقراطية التي تقوم بالتركيز على الشؤون الأمنية وتقودها الولايات المتحدة، وأحد أهم الدوافع الأساسية التي أدّت إلى قيام هذا التحالف تتمثّل في الحذر من الصين، وقد أثبت هذا التحالف أنه أحد أنجح السياسات الدبلوماسية للولايات المتحدة في تلك المنطقة.

ولم يكن الأمر يسير بهذا الشكل دومًا: حيث عقد تحالف (كواد) أولى اجتماعاته في شهر مايو من عام 2007، لكن وبخلاف تدريب قصير للدول الأربع بالإضافة إلى سنغافورة التي ستنضم في شهر سبتمبر من نفس العام، لم يتم إنجاز الكثير قبل أن يفشل هذا التحالف، حيث كانت هناك محاولات اتسمت بالشد والجذب للجمع بين تلك الدول المختلفة التي تتبنى كل منها أولويات استراتيجية متباينة وهو ما أدّى إلى الفشل.

إلا أن تحالف (كواد) عاد إلى الواجهة في السنوات القليلة الماضية، وما ساعد على ذلك هو انخراط الدول الأربع بصورة تدريجية وممنهجة على مستوى ثنائي، حيث بدأت الهند اجتماعات “2+2” (بمشاركة وزيري الدفاع والخارجية الهندية مع نظيريهما في الدولة المعنية بالأمر)، وعلى سبيل المثال فقد تمت تلك الاجتماعات مع أستراليا في عام 2017 والولايات المتحدة في عام 2018 واليابان في عام 2019، وبات تحالف (كواد) اليوم في حالة ازدهار.

وبينما أسهمت تقوية نسيج العلاقات الاستراتيجية بين الدول الأربع في إعادة إحياء تحالف (كواد)؛ فقد أثبت عامل واحد على وجه الخصوص أنه الدافع الأهم وراء هذا التطور المتسارع – ألا وهو الصين، وطالما اتسمت نيودلهي بالتردد فيما يخص الانضمام لتحالف (كواد)، لكن وعقب اندلاع أعمال العنف على الحدود الهندية الصينية في شهر يونيو، اشتركت الهند في التحالف بدون تردد.

وبالتالي بالنسبة لقارة آسيا؛ سوف تتولى إدارة بايدن الجديدة الحكم ولديها حلفاء تربطهم علاقات وثيقة، حيث يتشاركون المخاوف الاستراتيجية الناتجة عن ازدهار الصين. إلا أن تلك القصة لها جانب آخر، وذلك يعود إلى محاولات الإدارة الفلبينية برئاسة رودريجو دوتيرتي لإضعاف العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة وإقامة علاقات أقوى مع الصين، لكن يظل تحالف (كواد) بمثابة علامة قوية على رغبة الولايات المتحدة في المنطقة في الانضمام لبعضهم البعض من أجل مواجهة تلك التهديدات الواضحة.

وفي الشرق الأوسط؛ فإن منظومة التحالف الأمريكي تواجه موقفًا مختلفًا للغاية، فحلفاء واشنطن الرئيسيين في المنطقة مثل تركيا ومصر يتبنون علاقات استراتيجية بديلة مع خصوم الولايات المتحدة مثل روسيا، وقد أدّت الخطوة التي أقدمت عليها تركيا باختبار منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس-400 في أواخر شهر أكتوبر إلى قيام أنقرة بخطوة أخرى جعلتها أقرب إلى نشر تلك المنظومة التي قالت واشنطن أنها ستُشكّل تهديدًا للعلاقات بين تركيا من جانب والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي (ناتو) من جانب آخر.

وفي ذات الوقت تنخرط حلفاء الولايات المتحدة مثل تركيا وقطر والسعودية والإمارات في منافسة من أجل النفوذ في عدة مسارح على مستوى المنطقة، بما فيها الحروب بالوكالة الدائرة في ليبيا، حتى منطقة الخليج ذاتها تشهد حصارًا دبلوماسيًا بين قطر من جهة وكل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة أخرى والمستمر منذ عام 2017، ولا تلوح في الأفق أية إمكانية لحل تلك المعضلة.

لكن بينما يرى حلفاء واشنطن في آسيا خطرًا وحيدًا قادمًا من الصين؛ فإن حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط لا تتوافق أفكار كل منهم مع واشنطن فيما يخص أهم سياسة بالمنطقة، ألا وهي المتعلقة بإيران، وكل من تركيا وقطر لديهما علاقات مع طهران أقرب من باقي دول المنطقة.

وبالنسبة لإدارة بايدن حديثة العهد والتي تسعى لتشكيل الأولويات مع حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة؛ فإن التحديات هنا تختلف تمامًا عن الوضع في تلك المنطقتين: ففي قارة آسيا تواجه إدارة بايدن مهمة معقدة لكن يمكن تحقيقها: إعادة الحياة لتحالف (كواد) الناشئ مع احتواء مجموعة من الحلفاء المقربين لديهم هدف استراتيجي واحد.

أما في الشرق الأوسط فإن تلك المهمة أكثر صعوبة، وسيكون على إدارة بايدن إقناع مجموعة متباينة من الحلفاء بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وأن إعادة الانخراط مع طهران ستكون في مصلحتهم، في وقت تحاول فيه واشنطن التأثير على مجموعة من الدول أصبحت معتادة على التصرف دون قيادة الولايات المتحدة.

وبالنظر إلى جميع الأمثلة التي تُحتذى فيما يخص إعادة بناء العلاقات مع الحلفاء؛ وفيما يخص منطقة الشرق الأوسط ربما يكن من الصعب إقناع الدول التي اعتادت على انفصال واشنطن بشكل تام عن النزاعات الإقليمية مثل ليبيا وسوريا واليمن؛ من الصعب إقناع تلك الأطراف بأن واشنطن مصممة على الوصول إلى حل.

 

كريستيان لو ميير هو مؤسِس Arcipel، وهي مؤسسة للاستشارات الاستراتيجية لها مقرين في لندن ولاهاي، وسابقًا شغل منصب كبير المستشارين في مؤسسة مستقلة بأبو ظبي، وشغل منصب زميل كبير في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن @c_lemiere