لن تمنع الجرعات المعزّزة الإصابة بالمتحور التالي لـ كوفيد- 19

جوزيف دانا

AFP photo: Emmanuel Croset

أحدث متحور دلتا لفيروس كوفيد-19 الكثير من الجلبة والذعر في جميع أنحاء العالم، وباشرت الدول الغنية بإعطاء الجرعات المعززة كحماية ضد المتحور الجديد، وقدمت الولايات المتحدة بعُجالة خطة حول جرعة التطعيم الثالثة كمحاولة للحد من انتشارالمتحور الجديد داخل حدودها، وهي ردة فعل متوقعة، ولكن بالنظر إلى عدد البلدان التي لا تزال تجاهد للحصول على جرعة واحدة من اللقاح لتطعيم شريحة كبيرة من سكانها، فإن هذه الخطوة تتجاهل التهديد طويل المدى الناجم عن التباينات العالمية الهائلة في مستوى المناعة، بالإضافة إلى ذلك، فإن ظهور متحور آخر وهو متحور سي وان تو C.1.2  قد أثار المزيد من التساؤل حول المغزى والفائدة من  الجرعات المعززة.

وأفضل إستراتيجية للقضاء على متحور دلتا، والمتحورات الأخرى التي هي في طريقها إلينا، هي من خلال برنامج تطعيم عالمي يغطي أكبر عدد ممكن من البشر، وليس عن طريق الجرعات التعزيزية لشعوب البلدان الغنية. ويجب أن يركز مثل هذا البرنامج على التصنيع المحلي من خلال منح البلدان الفقيرة الإمكانيات لإنتاج تلك اللقاحات.

وقد شبه الدكتور مايك رايان، مدير برنامج الطوارئ الصحية لمنظمة الصحة العالمية، مؤخرا الجرعات المعززة بتوزيع سترات النجاة على من يرتديها، وكانت منظمة الصحة العالمية صريحة على نحو غير مسبوق في معارضتها للجرعة الثالثة، حيث دعت إلى تجميد التطعيم حتى يتم سد الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، ومن اللازم إرسال جرعات التطعيم الموصوفة كمعززات إلى البلدان التي لم يتلقى الشعوب بها أي جرعة، ويعتبر هذا الأمر بالغ الأهمية نظرًا لأن معظم من يتلقى الجرعات المعززة لديهم بالفعل مناعة كافية تحميهم وتقيهم من الحاجة إلى العلاج في المستشفيات والموت.

وقال المسؤولون الأمريكيون إن الجرعات المعززة لن تتعارض مع حملات التطعيم في جميع أنحاء العالم، كما قال منسق استجابة البيت الأبيض لـ كوفيد-19 السيد جيف زينتس: إن الولايات المتحدة تتبرع بضعف جرعات اللقاح التي تستخدمها، ولكنه لم يجب عن سبب عجز الولايات المتحدة التبرع بالمزيد على حساب الجرعات المعززة.

والآن، وبعد أن منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية موافقتها الكاملة على لقاح فايزر، فإن النسبة التي ذكرها السيد جيف زينتس لا بد أن تتغير.

ودفعت تلك الموافقة العديد من المؤسسات الكبيرة، من الجيش الأمريكي إلى حكومة ولاية نيويورك، إلى إلزام موظفيها أخذ التطعيم، إلى جانب أخذ الجرعة المعززة، وتوشك الولايات المتحدة على إطلاق حملة تطعيم ضخمة أخرى ستستمر حتى العام المقبل.

وقامت إسرائيل في 29 أغسطس بتوسيع حملتها الخاصة بالجرعات التعزيزية لتشمل كل شخص يبلغ من العمر 12 عامًا أو أكثر، مع العلم إن إسرائيل هي من ضمن أكثر الدول نجاحاً فيما يخص التطعيم، حيث تم تطعيم أكثر من 60 في المئة من سكانها تطعيماً كاملاً، مقارنة بنسبة 3 في المئة من سكان مصر. ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، وجود الجرعة الثالثة على أنها “امتياز لا تتمتع به أي دولة أخرى” وأصر على إن الحملة تبطئ من زيادة الحالات الخطيرة.

أيا كان ما تقوله الدول الغنية، فإن حملة الجرعة المعززة ستفضي إلى انتكاسة في التطعيم على مستوى العالم، ونظرًا لنمط الطفرات الخاصة بـ كوفيد-19، فإن هذه الفجوات في التطعيم حول العالم ستضمن فعليًا ظهور متحورات جديدة من الفيروس. وتتم مراقبة متحور C.1.2 الجديد عن كثب لأنه يحمل تغييرات أعطت بعض المتحورات السابقة قدرة كبيرة على لانتقال، وقد تم اكتشافه لأول مرة في جنوب إفريقيا في شهر مايو الماضي، كما تم اكتشافه في سبع دول في إفريقيا، وأوروبا، وآسيا، وأوقيانوسيا.

ويمكن تفهم موقف الدول الغربية المتلهفة على تطعيم أفراد شعوبها بالكامل بدلاً من التفكير في شعوب الدول الأخرى، ولكن ذلك التلهف وتلك الاستراتيجية مصيرهما الفشل، فلهزيمة فيروس كوفيد-19 نحتاج إلى تكاتف دولي عالمي ولا يمكن دحر الفيروس من خلال مجهود فردي. ويمكن للبلدان الأكثر ثراء استخدام كافة لقاحات كوفيد-19 المتوفرة لتفاجأ بمتحور جديد من سلالة الفيروس قادم على سبيل المثال من أحدى البلدان الأفريقية التي لم تنل نصيبها من تلك اللقاحات. وبالتالي، قد يكون لتلك الجرعات المعززة تأثير أكبر نظريا، إذا تم إرسالها للدول التي هي في أمس الحاجة إليها.

والطريقة الأكثر فعالية لمكافحة متحور دلتا هي توسيع القدرة التصنيعية لتشمل الدول التي تعاني من مستوى تطعيم منخفض، ويجب التغلب على ضعف الأداء فيما يخص تطعيم شعوب الدول الفقيرة لنرى ما إذا كان بإمكاننا التعامل مع المتحورات الجديدة. وتلك مهمة شاقة، فالجميع ضائعون في غياهب المعلومات المضللة المحيطة بـ كوفيد-19 والمتعلقة بقوانين حقوق الملكية الفكرية واللقاح.

وصرح بيل جيتس في أبريل الماضي، معرباً عن معارضته لتوسيع رقعة تصنيع اللقاح لتشمل الدول النامية، معللاً ذلك بإنه سيعقد من تجارب اللقاح، وبعدم توفر القدرة التقنية لتصنيع اللقاحات المتخصصة في معظم تلك البلدان النامية. ولا يُعد ذلك خطأ في التفكير فحسب، بل إنه يكشف عن أكثر الحقائق المزعجة بشأن اللقاحات، حيث تهتم شركات الأدوية بجني الأرباح أكثر من اهتمامها

بالقضاء على متحورات فيروس كوفيد-19 بصورة جماعية.

ولنتأمل في الأخبار الأخيرة القادمة من جنوب إفريقيا، فبعد إبرام الحكومة لصفقة تاريخية مع شركة جونسون أند جونسون لتصنيع جرعات اللقاح في البلاد، اكتشفت صحيفة نيويورك تايمز إنه تم تصدير العديد من تلك الجرعات المصنعة محليًا إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى مدى عدة أشهر، تلقى الاتحاد الأوروبي ما يصل إلى 32 مليون جرعة مصنوعة في جنوب إفريقيا، على الرغم من   إن الدول في جنوب القارة في أمس الحاجة لتلك الجرعات. وتمكنت شركة جونسون أند جونسون من تصنيع جزء من تلك اللقاحات في جنوب إفريقيا ومن ثم تصديره إلى أوروبا، الأمر الذي في الغالب حقق للشركة هامش ربح جيدًا نظرًا لأن تكاليف التصنيع منخفضة نسبيًا في جنوب إفريقيا، ويمكن للحكومات الأوروبية دفع المزيد من الأموال نظير تلك اللقاحات.

والوضع في بعض المناطق سيء للغاية لدرجة إن دولًا مثل تايوان بدأت في استخدام لقاح مطور محليًا هذا الشهر بدلاً من انتظار اللقاحات العالمية التي لم تصلها بعد، وقد طلبت الحكومة التايوانية 16 مليون جرعة من لقاح أسترازينيكا AstraZeneca  وموديرنا

Moderna في وقت مبكر من هذا العام، لكنها لم تتلق سوى 4 ملايين جرعة حتى الآن.

ولتقديم طرح واضح وصريح، في حال حدوث تحول مفاجئ في سياسة توزيع اللقاحات بحيث تعيد الدول الغربية تركيز جهودها على حملة تطعيم عالمية حقيقية، فلن يكن ذلك كافياً للقضاء على الوباء بمفرده. فحسب معظم الآراء سيتعين على البشرية التعامل مع هذا الفيروس لعدة سنوات قادمة، لكن تسليط الضوء على خارطة توزيع اللقاح غير المتكافئ والتعامل مع الأسباب التي خلقت هذا الوضع المتأزم، يمكن إن تساعد في مكافحة المتحور التالي والتعامل مع الجائحة. وللفوز بالمعركة ضد هذا الفيروس يجب الاعتماد والتعويل على أقوى سلاح في حوزة الإنسانية وهو التعاون. 

جوزيف دانا هو كبير المحررين في اكسبونانشال فيو، وهي نشرة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع، وشغل سابقًا منصب رئيس تحرير “إمريج 85” ، وهو مركز يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.