خليفتي بوتفليقة والبشير في كل من الجزائر والسودان يجب أن يقوما بثورة في مجال الاقتصاد النفطي

روبن ميلز

AFP photo/BP Petroleum Company

في غضون أسبوعين؛ قام الجيش بإجبار 3 من قادة دول بشمال إفريقيا على التنحي عن الحكم بعد احتجاجات واسعة الانتشار: عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، ثم عمر البشير في السودان، ثم خليفة البشير الذي لم يستمر طويلًا “عوض ابن عوف”، وإذا لم يقم خليفتي هذين القائدين (بوتفليقة والبشير) بثورة لإنقاذ قطاع النفط المتهاوي؛ فإنهما سيواجهان موجة واسعة من الغضب الشعبي.

ولم تقتصر شكاوى المحتجين على المال والغذاء، لكن هؤلاء ثاروا من أجل الكرامة وحقوق الإنسان وطموحات الشباب ضد حُكم كبار السن، وبالطبع فإن موقف كل من الجزائريين والسودانيين يشهد اختلافًا جوهريًا، فمستوى الثروة لكل فرد في الجزائر يبلغ ثلاثة أضعاف نظيره في السودان، والديون المستحقة على الجزائر تقل كثيرًا عن تلك المستحقة على السودان، لكن الجزائر تعتمد كثيرًا على عائدات تصدير النفط والغاز،  وعلى أي حال، فإن نظامي الحكم في كل من الدولتين يعتمد على عائدات النفط من أجل البقاء، وكلاهما فشل في الحفاظ على تلك العائدات، أو حتى القيام باستثمارها في مشروعات إنتاجية.

وقد واجه الاقتصاد الجزائري اضطرابات بصورة تدريجية، ومن ذروة الإنتاج التي وصلت إلى حوالي مليوني برميل يوميًا في العام 2005 انخفض إنتاج النفط بنسبة 25%، وذلك بسبب فشل الاستثمارات النفطية الجديدة في الحلول محل حقول البترول التي أصابتها الشيخوخة.

وقد بدأ إنتاج الغاز في مواجهة الصعاب منذ العام 2009، فبينما أدى الدعم الحكومي للأسعار إلى نمو الطلب المحلي بشكل ثابت؛ إلا أنه من حينها شهد تصدير الغاز انهيارًا ملحوظًا، حيث هبطت الصادرات بنسبة الثلث تقريبًا منذ العام 2003، وسيطرت مؤسسة “سوناطراك” الحكومية على تلك العمليات، وشعر الشركاء الأجانب بخيبة الأمل بسبب البيروقراطية التي باتت تصاحب مشروعات التنمية بشكل مستمر، وقد تكيّفت الجزائر بشكل بطيء مع أسواق الغاز المنافِسة على مستوى القارة الأوربية، التي تعد من أهم العملاء بالنسبة للجزائر، كما ظهر تهديد جديد يتمثّل في التوسُع في صادرات الولايات المتحدة من الغاز الأمريكي المسال رخيص الثمن.

ومع انخفاض أسعار المنتجات النفطية بشكل عام والغاز بشكل خاص؛ فقد هبطت العائدات، وكانت الديون الخارجية في أقل مستوى لها، لكن الحكومة لجأت إلى طبع النقود من أجل سد العجز في الميزانية، كما أمرت بمنع استيراد بعض المنتجات مثل أجهزة الهاتف المحمول والأثاث وبعض أنواع الأطعمة، وذلك من أجل حماية العملة الجزائرية، وفشل الاقتصاد الذي تسيطر عليه الحكومة في تنمية الصادرات غير النفطية أو الوظائف الخاصة بالقطاع الخاص.

أما الورطة السودانية فهي أكثر حدة، لكنها حتى الآن أقل رسوخًا، وقد بدأت السودان في إنتاج النفط في العام 1992، وحينما استقلت دولة جنوب السودان الحبيسة في العام 2011؛ فقد أخذت معها حوالي ثلاثة أرباع الإنتاج النفطي الخاص بالسودان الموحدة، لكن خط أنابيب التصدير الخاص بجنوب السودان يأتي عبر ميناء بور سودان على البحر الأحمر، وقد رفضت جنوب السودان تسديد رسوم العبور التي تبلغ 36 دولارًا لكل برميل من البترول، تلك الرسوم التي كان من الممكن لها أن تجعل عائدات الخرطوم النفطية أكثر من جوبا، مما أدى إلى وصول سعر برميل النفط إلى 100 دولار.

وتوقفت الصادرات السودانية، واندلع القتال حول إقليم “أبيي” الغني بالنفط، وبعدها انزلقت دولة جنوب السودان في حرب أهلية، وعاد إنتاج النفط ولكن بصورة قليلة، وارتفع إنتاج السودان من النفط، لكن إنتاج السودان الموحد من النفط؛ والذي بلغ 359 ألف برميل يوميًا في العام 2010 انخفض ليصل إلى 220 ألف برميل يوميًا، نصيب شمال السودان منها 75 ألف برميل يوميًا، كما هبطت أسعار النفط بشكل ملحوظ في العام 2011.

وأصيبت البلاد بالبلاء المتمثل في التمرد والقمع الوحشي، وانحسر الصراع بمنطقة دارفور التي تقع إلى الغرب، لكنه استمر في إقليم كردفان الجنوبي، وتم رفع العقوبات الأمريكية بصورة جزئية، لكن تلك العقوبات استمرت كعقبة أمام الاقتصاد السوداني، وأعلنت كل من منظمات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومعظم البنوك الغربية وقف العقوبات المفروضة على السودان.

واستمر حكم البشير بسبب الحماية التي يوفرها الاقتصاد النفطي، وكان يفضل أن تكون قوات الأمن تحت سيطرته أكثر من الجيش النظامي، وبحث البشير عن الدعم المالي عبر اللجوء إلى كل من تركيا وقطر، وبعدها لجأ إلى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لكن كل منهما ساوره الشكوك حول محاولات البشير من أجل اللعب على جميع الحبال.

وبلغت الديون المستحقة على الحكومة 163% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفعت نسبة التضخم لتصل إلى 70%، وبلغت العملة بالكاد 10% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي مع بداية العام 2018، وانخفضت الإعانات المقدمة من القمح والدقيق في فبراير، أما الإعانات الخاصة بالنفط والقمح فقد توقفت مجددًا في ديسمبر، مما أسفر عن اندلاع الاحتجاجات الأخيرة.

وإذا ما تم اللجوء للإجراءات الصحيحة؛ يمكن لكل من السودان والجزائر تحسين مجال الصناعات الهيدروكربونية على مدار الأعوام القليلة القادمة، وتخطط السودان لتوفير 30 منطقة جديدة للشركات الدولية من أجل التنقيب عن النفط خلال العام الحالي، وقد بدأت الجزائر محادثات مع شركات “إكسون موبيل” و”أناداركو” من أجل اكتشاف الغاز الصخري في الحقول البحرية، والذي لم يتم استغلاله حتى اليوم.

لكن بخلاف مسألة النفط، فإن الدولتين تحتاجان إلى التنويع، ومن ضمن المعادن غير الهيدروكربونية فإن الجزائر تملك الحديد والفوسفات والزنك، والسودان تملك الذهب، لكن النفط يتصدر قائمة الصادرات، وتعد الدولتين من أكثر دول العالم المهيأة لإنتاج الطاقة الشمسية، واكتمال بناء سد النهضة الإثيوبي بالقرب من الحدود السودانية سوف يزيد من نطاق الري، وعلى الرغم من الأراضي الشاسعة التي تملكها السودان إلا أنها تستورد الغذاء بالكامل.

وكلا الدولتين تعانيان – بشكل لا يمكن تفسيره – من النخبة الأمنية والفساد والبيروقراطية الخانقة، والاقتصاد الجزائري الذي تسيطر عليه الحكومة يتعامل بصورة غير ودية مع الاستثمارات الدولية والمشروعات الخاصة، بينما تعاني الخرطوم من العقوبات والمقاطعة بسبب الانتهاكات الخاصة بحقوق الإنسان.

وإذا ما تم تشكيل حكومات مدنية؛ ووضع مسارات لانتخابات حقيقية كما حدث في تونس؛ فإن تلك العملية ستتمتع بالدعم الشعبي أكثر من أي فصيل عسكري آخر، لكن أي قيادة جديدة ستواجه اثنتين من المفارقات الاقتصادية.

الأولى تتمثل في وجوب إنتاج المزيد من النفط والغاز من أجل ضخ الأموال لميزانية الحكومة، لكن هذا النجاح فيما يخص المواد الهيدروكربونية سوف يعطل جهود إقامة إصلاحات دائمة، والثانية هي أنه من أجل إنعاش الاقتصاد والميزانيات الحكومية يجب تقليل الإعانات ووضع قيود عليها، ويجب خصخصة وتنظيم عمل الشركات الحكومية، كما يجب تشجيع الاستثمارات الدولية، لكن الضغط الشعبي على وجه التحديد يدفع إلى اتجاه معاكس: وهو تقليل أسعار الغذاء والوقود، وتوفير المزيد من الوظائف الحكومية، وإلغاء الإصلاحات من أجل حماية الفقراء والأطراف المهمشة، وإيجاد وظائف في القطاع الخاص بوتيرة أسرع من وتيرة تلاشي تلك الوظائف بسبب البيروقراطية الحكومية، وتلك هي الخدعة التي نجحت العديد من الدول في التغلب عليها.

وكل من الجزائر والسودان لا تعدان الدولتين الوحيدتين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تعاني من تناقص عائدات المواد الكربوهيرونية والفشل في التنويع، ويزيد التغير المناخي ونقص المياه من الضغط على الأنظمة التي تعاني أصلًا من الضعف والعجز، وربما كان الجفاف أحد الأسباب التي فاقمت الأمور وأدت إلى تأجيج الثورة السورية، والمعروف أن كل من سوريا واليمن هما من صغار منتجي النفط بصورة نسبية، وقد عانت كل منهما من انخفاض الإنتاج قبل الانهيار الذي أصاب الحكومتين في العام 2011.

وجميع الدول المُصدّرة للنفط والغاز تواجه تحديات على المدى القصير بسبب الغاز المسال الأمريكي الذي يتمتع بأسعار رخيصة بصورة نسبية، كما أن تلك الدول تواجه ضغطًا على المدى الطويل يتمثل في الطاقة المتجددة والمركبات الكهربية والتحرك لمواجهة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كما ان دول الشرق الأوسط معرضة في المستقبل لخطر مزدوج يتمثل في الجفاف والتصحُر، وارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة عدد السكان من الشباب، فضلًا عن الاضطرابات التي تخص الأمن واللاجئين.

لكن المنطقة اليوم لديها ميزة أيضًا: وهي المصادر الضخمة للطاقة المتجددة، وموقع جغرافي حيوي في عالم يتسم بالعولمة، والتوزيع المحتمل  للأرباح على السكان بناء على قدر التعليم الذي حصلوا عليه، وتمكين الشباب من الدخول إلى سوق العمل، وتلك المميزات من الممكن الاستفادة منها عبر محاربة البيروقراطية والفساد، وتشجيع المشروعات المحلية التابعة للقطاع الخاص، وقيام الدولة بدور يعمل على تسهيل عمل القطاع الصناعي بدلًا من القيام بدور الوصي على المشروعات الكبرى، ولو أن كل من الجزائر والسودان (مع اختلاف الطريقة الذي يجب ان يتم فيها البدء في كل من الدولتين) قامت بوضع خارطة طريق لأنظمة جديدة تتسم بالعدل والاستمرارية، فإن ذلك سوف يكون بمثابة درس هام لباقي دول المنطقة.

يشغل روبن ميلز منصب المدير التنفيذي لشركة القمر للطاقة والبنية التحتية، ومؤلف كتاب “أسطورة أزمة النفط”.