خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: استغلال اللاجئين واستعداد المملكة المتحدة للانسحاب من الاتحاد الأوروبي

جوناثان جرونال

من المصادفات الغريبة أن يأتي ذلك الظهور المفاجئ للاجئين الإيرانيين وهم يستقلون قوارب صغيرة قبالة ساحل إنجلترا، وسط حالة الجمود التي أصابت البرلمان البريطاني فيما يتعلق بخطط الحكومة البريطانية بشأن مغادرة الاتحاد الأوربي. وفي الواقع، ليس هناك “مفاجأة” بشأن طلب الإيرانيين حق اللجوء في بريطانيا – فعلى مدار العام الماضي حاول “539” شخص الوصول إلى انجلترا عبر القوارب– وما يدعو للشك هو أن الحكومة البريطانية حاولت استغلال تلك الفرصة الثمينة لتخويف أعضاء البرلمان الرافضين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وفي سياق الاستفتاء الذي جرى في العام 2016 وكانت نتيجته تأييد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أوضحت أحزاب أقصى اليمين أن قضايا الهجرة وتسليم مهام مراقبة الحدود البريطانية إلى الاتحاد الأوربي هي أبرز المخاطر التي تهدد حياة البريطانيين. ويكمن هذا التهديد، والذي يتضح ماهيته في كل وقت، أن المهاجرين من المناطق المضطربة مثل سوريا والعراق وأفغانستان يتدفقون إلى المملكة المتحدة ومعهم الإرهابيين في هيئة لاجئين.

وشكل هذا التهديد، مثل الكثير من الدعاية التي غيرت من نتيجة الاستفتاء، ادعاء كاذب الا انه كان له فوائده. وفي حقيقة الأمر، ورغم أن “36” شخص لقوا حتفهم في المملكة المتحدة بسبب الهجمات التي ضربت البلاد في العام 2017 أي العام الماضي وهو الذي شهد ارتفاع مفاجئ في وتيرة تلك الهجمات الإرهابية، فنجد أن المهاجمين ترعرعوا في بريطانيا، وكان مصدر إلهاهم هو تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أو أي جماعات إرهابية أخرى، دون أن يكون ثمة تواصل معهم. وفي الوقت الذي ينصب فيه خوف الشعب البريطاني المشتبه بهم من المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط، الا اننا نجد أن معظم من تقدموا بطلبات لجوء إلى بريطانيا في العام 2016 و2017 كانوا من إيران وليس سوريا أو العراق أو أفغانستان.

وما لا يلاحظه قطاع عريض من الشعب البريطاني هو أن المملكة المتحدة كانت موطنًا للمجتمع الإيراني منذ الثروة الإيرانية في العام 1979. ومن مجرد بضعة ألاف في بادئ الأمر، أصبح عدد الإيرانيين الذين يعيشون في المملكة المتحدة في العام 2017، وفقًا لأحدث الإحصائيات السكانية في هذا العام، “700,000” إيراني. وعلى مدار العامين الماضيين، قدم الإيرانيون طلبات لجوء إلى بريطانيا أكثر من أي جنسية أخرى، بنسبة “9%” من إجمالي عدد طلبات اللجوء إلى المملكة المتحدة والتي بلغت “26,350” طلب لجوء. وخلال العشر سنوات من العام 2007 إلى 2016، قدم الإيرانيون “25,151” طلب لجوء، ولم تقبل بريطانيا سوى 9,225 طلب لجوء (أي نسبة 37%).

وتعتقد الأمم المتحدة أن معظم الإيرانيين الذين يحاولون الدخول إلى المملكة المتحدة حاليًا هم من الأكراد، وهي جماعة تعاني من خطر دائم في أنحاء المنطقة – ولاسيما سوريا، حيث يضيق الخناق على تلك الجماعة، مع خروج الولايات المتحدة من سوريا، بسب تركيا والقوات الإيرانية الموالية للرئيس السوري بشار الأسد. وفي العام 2017، بدأت جمهورية “صربيا” في منح الإيرانيين فرصة السفر إليها بدون تأشيرة من أجل تعزيز السياحة في البلاد. واستفاد من هذه الفرصة “40,000” إيراني، ورأى معظمهم أنها فرصة لطلب اللجوء إلى أوروبا.

وبغض النظر عن تفسير الموقف الراهن، شعرت الأمم المتحدة بالاندهاش مما وصفته بردة الفعل المبالغ فيها من جانب الحكومة البريطانية، إذ ترى أن ردة الفعل كانت بسبب المخاوف السياسية.

وقبل أسبوعين من احتفالات أعياد الميلاد، اضطرت رئيسة الوزراء البريطانية “تيريزا ماي” إلى تأجيل تصويت البرلمان على الاتفاق الذي أبرمته مع الاتحاد الأوروبي بخصوص خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد أن بدا للعيان أن البرلمان سيرفض تمرير هذه الاتفاقية. وحددت رئيسة الوزراء موعد “14” يناير للتصويت على هذا الاتفاق، ورغم ذلك، من الممكن تأجيل التصويت مرة أخرى. وبأي حال من الأحوال، فانه من المقرر أن تغادر بريطانيا الاتحاد الأوربي في “29” مارس. وتتوقع الحكومة البريطانية أنه إذا حدث هذا الخروج بدون اتفاق فستشهد البلاد جميع أنواع الفوضى، بدءًا من الانهيار الاقتصادي ووصولاً إلى نقص حاد في الأدوية.

وفي هذا الشأن، اكتظت الصحف الإخبارية فجأة بقصص حول اللاجئين الذين يخاطرون بما لديهم للوصول إلى إنجلترا قادمين من فرنسا في قوارب خطيرة وغير ملائمة. واتضح أخيرًا أن موجة المهاجرين التي رست قبالة السواحل الجنوبية في أوروبا خلال الأعوام الأخيرة ستأوي إلى الشواطئ البريطانية.

وسارع وزير الداخلية البريطاني “ساجد جاويد” في إخبار البريطانيين بأن البلاد تشهد “حادث هامًا”، وطرح سؤلاً حول ما إذا كان هؤلاء الذين يخاطرون بأرواحهم هم حقًا يبحثون عن اللجوء.

وتبين أن ما حدث كان مسرحية موسمية صامتة نظمها أعضاء البرلمان المزعجون ويهددون فيها بعرقلة اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكانت أول مظاهر هذا التهديد هو استدعاء سفينتين لقوات حرس الحدود من البحر المتوسط، حيث كانت السفينتان تؤديان عملاً ذي قيمة حقيقية وهو إنقاذ اللاجئين. ومن ثم، طلب “جاويد” الدعم من القوات البحرية والجوية.

ولم يثير هذا التصرف اندهاش المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين. وصرح المتحدث باسم المفوضية، إلى مقر الوكالة في بريطانيا، “بالطبع، كنا قلقين على سلامة هؤلاء الذين يعبرون المياه الخطرة في قوارب صغيرة”، “ونؤكد أيضًا على أن أعدادهم قليلة وهذا لا يشكل أزمة”. ولوضع المسألة في سياقها، حاول “539” شخص عبور قناة المانش خلال العام 2018، مقارنة بـ”114,000″ شخص وصلوا بالفعل إلى أوروبا بعد عبورهم مياه البحر الأبيض المتوسط.

وكشفت تلك الأزمة عن أن الهجرة، ورغم أنها جاءت وسط الجدل الدائر حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ستظل ظاهرة غير مفهومة. ولأنهم احتشدوا لتأييد الخروج من الاتحاد الأوروبي، فمازال المصوتون لصالح الخروج من الاتحاد الأوربي على قناعة بأن حدودهم الهشة مع الاتحاد الأوروبي جعلت المملكة المتحدة مستباحة أمام اللاجئين القادمين من دول يعيث فيها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وغيرها من الميليشيات المتطرفة فسادًا. وفي حقيقة الأمر، هناك “121,755” مهاجرًا قد وصلوا إلى أوربا برًا وبحرًا في العام 2018، منهم “9,839” سوري أي “8%”. وعند جمع المهاجرين القادمين من سوريا، وأفغانستان “7,621”، والعراق “7,333”، نجد أن مجموعهم 24,793 مهاجرًا أي “20%” من إجمالي المهاجرين إلى أوروبا.

وعلى النقيض، بلغت نسبة المهاجرين من ثلاث دول أفريقية في العام 2018 “30%” (36,160)، وذلك بسبب ارتفاع نسبة البطالة والتضخم الجامح الذي تشهده البلدان الثلاثة. وكانت أكبر الدول عددًا من حيث المهاجرين هي “غنيا” بـ”13,068″ مهاجرًا، يليها دولة “المغرب” بـ”12,745″ مهاجرًا، ثم مالي بـ”10,347″ مهاجرًا.

إن حديث “جاويد” عن “الحادث الهام” الذي تشهده بريطانيا كان “زوبعة في فنجان”، وكان الهدف من اختلاقه لهذا الأمر هو الاستهلاك السياسي المحلي. ومع بدء الفصل الثاني من مسرحية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، سيذهب الإيرانيون طي النسيان وذلك بعد أن أدو دور الشيطان الذي حضر لتخويف أعضاء البرلمان من حزب العمل وثنيهم عن دعم اتفاق رئيسة الوزراء.