اهتمام الشرق الأوسط بظهور “جيرمي كوربين” أكثر من اهتمامه بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

مارتن نيولاند

من المستحيل التنبؤ بدقة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوربي هذا العام. ولكن مهما يحدث، فسيكون لهذا الخروج تداعياته على الشرق الأوسط، ومن شأن هذا الأمر أن يمًكن المنطقة من معرفة ما قد تؤول إليه الأحوال فيها.

وستصبح بريطانيا أضعف وأفقر برغم جميع سيناريوهات الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبالتالي ستكون الحكومة المحافظة هي المسؤولة عن هذا الوضع باعتبار أن الشعب يرى أنها تمثل الحزب الذي اتخذ قرار الخروج من الاتحاد الأوربي. ومن المحتمل أن تؤدي تلك السلسلة من التداعيات إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة. وقد يصبح “جيرمي كوربين” رئيس حزب العمال البريطاني رئيسًا للوزراء، وهو الذي وعد بالاهتمام مرة أخرى “بالعدالة الاجتماعية” من خلال إعادة التأميم، وتطبيق نظام الاشتراكية القديمة من خلال زيادة الضرائب للإنفاق على الخدمات العامة. وحتى لو لم يحدث هذا، فالفرصة سانحة لـ”جيرمي كوربين”، لكونه زعيم المعارضة، للفوز بمنصب رئيس الوزراء في الانتخابات العامة المقرر تنظيمها في العام 2022.

وبالنسبة للشرق الأوسط، فمن المحتمل أن يكون صعود “جيرمي كوربين” كأحد نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مسالة اكثر أهمية من عملية الخروج ذاتها. فإذا استمر المحافظون في مناصبهم على المدى القصير، فستضطر حكومات المنطقة ان تواجه بريطانيا أكثر انغلاقًا على الصعيد السياسي بسبب الوضع الاقتصادي السيئ الذي تشهده البلاد، وفي الوقت ذاته ستكون الحكومة البريطانية في أمس الحاجة إلى المحافظة على العلاقات التجارية وتعزيزها لتعويض ما يفوتها من السوق الأوروبية المشتركة.

وبالفعل أظهرت حكومات الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة رغبة شديدة في تحديد خططهم الجيوسياسية والتطلع إلى الشرق دون الغرب لإقامة علاقات تجارية وإنشاء تحالفات إستراتيجية. كما أن الازدواجية التي اتسمت بها فترة أوباما مع التحالفات التقليدية في الشرق الأوسط، ولاسيما دول الخليج والقوى السنية المهيمنة، دفعت بالشرق الأوسط إلى اتخاذ مسار سياسي وعسكري واقتصادي جديد.

ورغم ذلك لاتزال المملكة المتحدة دولة جديرة بالصداقة لما لها من النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي الكبير وبخاصة في بلدان الشرق الأوسط التي تأثرت بماضيها الاستعماري.

والآن، ما هي الطريقة المثلى للتعرف على الفروق الذي يتميز به نهج الحكومة التي يقودها حزب العمال؟ اتسمت فترة بلير/ وكاميرون بعقيدة التدخل في شئون الدول لأسباب إنسانية والولاء الراسخ للتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية. واتضح فشل هذه السياسة لاسيما بعد غزو العراق والتدخل في الشأن الليبي والسوري. ورغم ذلك، كان بلير وكاميرون يؤمنان بأهمية الروابط الإستراتيجية والتجارية الوثيقة مع حلفائهم العرب، ويؤكدان على أن النتائج الاقتصادية والأمنية حدت من مخاوف المنظمات غير الحكومية والساسة المحليون وجماعات الضغط بشأن حكم الفرد المطلق “الأوتوقراطية” وحقوق الإنسان.

ولم يؤيد “كوربين” مطلقًا التدخل الأجنبي، ولكنه مؤيد للعقوبات المحتملة على المملكة العربية السعودية بسبب حرب اليمن. وكان “كوربين” متهمًا بالتعاطف مع حماس وذلك بعد وصفه لممثلي حركة حماس بالإضافة إلى ممثلي “حزب الله” بـ”الأصدقاء”، وظهر على القناة الإخبارية الإيرانية، والتقطت له صورة وهو يرفع شعار “رابعة” الخاص بجماعة الإخوان المسلمين.

وحتى الآن، سيكون من الخطأ الحكم على “كوربين” بأنه متطرف، لأن التوجه الذي يسلكه زعيم حزب العمال ما هو إلا انعكاس للتوجه السائد في المملكة المتحدة. ورغم ذلك، يمثل هذا النهج ابتعاد صارخ عن الأولويات الحالية للحكومة البريطانية.

وينظر اليساريون في بريطانيا إلى العالم وفقًا لرؤيتهم الخاصة وهي أن أمريكا تقع دومًا محل الاشتباه شأنها في ذلك شأن العديد من أفعال السياسة الخارجية لأبرز حلفائها وهي بريطانيا. وأصبحت إسرائيل دولة فصل عنصري ومدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية. وينظر الكثيرون إلى المملكة العربية السعودية، والحلفاء الأقرب إلى أمريكا في دول الخليج، وغيرها من القوى السنية على أنها دمية في يد أمريكا، وتعاني إيران من مشاكلها الخاصة، ويعود كل هذا في مجمله– كما هو متوقع – إلى العدوان الأمريكي. إن الأعمال الإرهابية في الغرب، بحسب ما يدل هذا المفهوم، هي أعمال مروعة وتستحق الإدانة، ولكنها تعود في الغالب إلى تداعيات قرارات السياسة الخارجية الغربية والإمبريالية الجديدة وإرث ما بعد الاستعمار.

ورغم ذلك، يرى معظم منتقدي “كوربين” المتحمسين أنه رجل مبادئ وغير أحمق، ويقر العديد من اصحاب الرأي ممن يعارضون سياسته معارضة شديدة بأن عودته للسلطة تمثل تمهيدًا لسياسة فاصلة بين الحزبين الأساسيين في البلاد.

وقد يتمكن “كوربين” من خلال صعوده إلى السلطة من سلوك نهج أكثر توافقًا مع النهج الذي سلكه أسلافه. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي حظر بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية إلى إنهاء حالة الغضب التي تسود النقابات التي يعتمد عليها الحزب في المال والدعم.

ورغم ذلك، تستند رؤية “كوربين” الشاملة إلى عقيدة الصراع الطبقي التي يتبناها الماركسيون الجدد. وقيل أن كوربين يكون في أسعد أوقاته عندما يشارك الحركات الثورية في أمريكا اللاتينية نضالها. ورغم ذلك، من الصعوبة إدراج الأحداث الأخيرة التي شهدها الشرق الأوسط ضمن الروايات التي تتناولها الثورة العلمانية إلى حد كبير حول ضحايا “الحرب القذرة” في الأرجنتين، على سبيل المثال.

والآن، بات وصف الإسلاميين بالعنف، بخلاف حالة الغضب الناتجة عن مصادرة الملكية وحقوق الأرض والظلم الاجتماعي، هو السبب في تقوية حالة الإرهاب الأسوأ من نوعها في منطقة الشرق الأوسط والغرب. وفيما يتعلق بالإسلاميين، فان ثمة اعتقاد بأن القيم الدينية تسمو على المبادئ العلمانية. وبهذا الشكل، لن يستطيع اليساريون تطبيق الأفكار الاجتماعية المنظمة الخاصة بهم.

وللقبول بهذا الاعتقاد، فينبغي اتخاذ نهجًا أكثر وضوحًا في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط، وإجراء مزيد من المشاورات مع القوى والوكالات التي تسلك نهجًا مخالفًا لكوربين على صعيد السياسة الخارجية.

وفي المقابل، يجب على تلك القوى والوكالات إظهار رغبتها في التعامل مع زعيم حزب العمال. وهناك من يقول في كثير من الأحيان أن “كوربين” لن يبلغ السلطة، وأنه غير مدرك لماهية التطرف، وأنه منجذب إلى الحجج الماهرة التي يقصها اليساريون والإسلاميون المتنكرون. ورغم ذلك، يتفق مع “كوربين” في مواقفه العديد من اصحاب الرأي في المملكة المتحدة، والأنصار القدامى لحزب العمال والشباب الجدد المنضمين إليه، وقطاع كبير من الأكاديميين، وسيكون من الحكمة أيضًا أن يؤيد صانعو القرار في الشرق الأوسط مواقف “كوربين”.

مارتن نيولاند، هو محرر سابق بصحيفة “ديلي تلجراف” اللندنية، وصحيفة “ذا ناشونال” في أبوظبي، ونائب رئيس تحرير “ذا ناشونال بوست” في كندا. ويعمل في تقديم الخدمات الاستشارية حول الإعلام والمخاطر والقضايا المتعلقة بالسمعة.

AFP PHOTO/STANSALL