الحظر البريطاني على حزب الله: لماذا الآن؟

نبراس الكاظمي

AFP photo

اغرب ما في قرار المملكة المتحدة الاخير القاضي بحظر تنظيم حزب الله اللبناني بأكمله واعتباره منظمة ارهابية هو انه لم يتخذ منذ سنوات عديدة. ولكن لا يقل غرابة عن ذلك هو حدوثه في هذا الوقت، مما حذا بمراقبي الشأن الشرق الاوسطي الى اطلاق موجة من التخمينات، تتراوح ما بين تلك التي تعزو الامر الى مجرد تجاذبات سياسية بريطانية موجهة بالضد من زعيم حزب العمال جيريمي كوربين من جانب وزير الداخلية ساجد جاويد، الى تأويلات اكثر شؤماً تنطلق من اوساط استخباراتية بريطانية تتحدث عن استحالة التفاهم بصورة معقولة مع الايرانيين، الذين يسيطرون في نهاية المطاف على حزب الله، وبأن الامور تتجه الى مواجهة اقليمية.

وكانت هذه الدوائر الاستخباراتية البريطانية قد سعت على مدار عامين لإيجاد قناة اتصال خلفية مع القيصر الايراني الصاعد، الجنرال قاسم سليماني، وهو من يوجه تنظيم حزب الله فعليا. وكان الامر باديا بالخصوص في المشهد العراقي حيث حاول الانكليز استثمار صلات امنية ومالية مع اي شخص قد يُحسب مقربا من سليماني. فحينما استردت الدولة المركزية سيطرتها على كركوك من الاكراد في اكتوبر 2017، كان الامر قد دبّر في بعض من جوانبه ما بين سليماني والبريطانيين حسب ما تواتر في بغداد في وقتها. وفي حين ظفر الجنرال الايراني بإمتيازات سياسية واستراتيجية جراء تلك الحركة، بدى بأن الانكليز اكتفوا بجوائز تجارية، مثلا قيام شركة “بي پي” بتولي تشغيل بعض آبار كركوك المرغوبة.

وهنا تبرز ازدواجية في نظرة العديد من سكان الشرق الاوسط الى الدور البريطاني. احد المسؤولين الامريكيين السابقين ممن لديه تعاملات تجارية مع المنطقة يستشيط غضبا كلما سأله محاوروه “ولكن ما هو رأي الانكليز؟” ليصرخ به قائلا إن بريطانيا لم يعد لديها جيش وبأن اهميتها الجيوستراتيجية حالياً تتراوح بنفس منزلة هولندا.

إنه يبالغ ولكن ليس بالكثير. فمن نواح عدة، يبدو وكأن السياسة الخارجية البريطانية قد انحسرت الى اطرها الدارجة في القرنين الاولين من تاريخ “شركة الهند الشرقية”، اي انها تضع المتاجرة فوق الاعتبارات الاستراتيجية العظمى، وبالتالي نجدها مسترزقة في ممارساتها، انتهازية في نظرتها، ومتلاشية في وجودها. ومع ذلك فإن وهج الارث الامبريالي الباهت بات متعلقا بإسم بريطانيا في الاذهان، وما زال هذا الارث يحظى بشيء من الانبهار في الاراضي التي تأثرت به، ولهذا نجد بأن الكثيرين في الشرق الاوسط لا يسعهم الاستخفاف بالبريطانيين على المنوال الذي يطالبهم به رجل الاعمال الامريكي ذاك.

ولكن تبقى امريكا في الصدارة حتى عند من لا يزال يحسب الحساب للإنكيز، لأن اولئك يرون بأن العلاقة الاطلسية مكمّلة لبعضها البعض، حيث يضعون بريطانيا في التابعية لأمريكا كشريكها الاصغر. فإن كان الرئيس الامريكي يشرع في سياسة خارجية تعتبر كل شيء عبارة عن سلعة وصفقة، فإن البريطانيين سيمتثلون الى نفس النهج، وكما وصحفها لي احد اللبنانيين من اصحاب الفطنة واللباقة: “بريطانيا هي (ريتويت) لأمريكا”.

ولذلك يسهل علينا ان نستخلص بأن القرار البريطاني جاء ليتماهى مع خطة امريكا الحالية القاضية بوضع “الضغط الاقصى” على ايران، وبالتالي لندن تستطيع ان تظهر حسن النية من خلال هذا القرار، او على الاقل تضع نفسها في خانة متقدمة على باريس وبرلين في اعين الامريكان. وما يعنيه القرار فعليا هو ان رفع رايات حزب الله الخضراء والصفراء اثناء استعراضات يوم القدس تحت سماء بريطانيا الرمادية قد تضع احدهم في السجن.

كانت هذه ايماءة صغيرة وغير مكلفة بالنسبة للإنكليز، ولكنهم يستطيعون استثماراها من اجل التنسيق مع الامريكان في شتى الميادين. ويذهب بعض المحللين الى ابعد من ذلك بالقول انه ربما وجد البريطانيون استعدادا لدى حزب الله بالاعتدال وبالنأي بنفسه تدريجيا عن الايرانيين لغرض اجتياز العاصفة التي يتوعدهم بها الرئيس دونالد ترمب. فيذهب هؤلاء الى التعقيب بأن الضغط البريطاني قد جاء لدفع الامور الى الكسر ما بين حزب الله وايران والاسراع به، او هكذا يتصورون. فيما يـأخذ محللون آخرون تصوراتهم الى دهاليز اكثر غرابة، مستشهدين ببعض الحركات المبهمة على جبهات اليمن والبحرين والتي توحي بتطورات وشيكة مما قد تكون قد اثرت على القرار.

بعض المصادر ابلغتني بأن حزب الله قد اخذ على حين غرة بالقرار رغم انه كان على دراية بأن الموضوع قد طرح الى النقاش منذ فترة. وهذا القرار سينعكس بصورة مهمة على التنظيم إذ ان تواجده القانوني والعلني في لندن كان فيه فائدة اكبر من مجرد رفع الاعلام في الاستعراضات التذكارية. إن الكثير من الثروة التي تستحصل عليها الجالية اللبنانية الشيعية المهاجرة الى غرب افريقيا تتدفق عبر المصارف البريطانية وبيوت المال اللندنية، مما يوفر ايرادات معتبرة لخزائن حزب الله، فضلا عن تسهيل اخفاء تحويلاته المالية حول العالم.

وعلاوة على ذلك، كانت لندن ملاذا للجماعات الاسلامية الشيعية المعارضة منذ الثمانينات، وبعض تلك الجماعات مثل حزب الدعوة العراقي كان قد طور تواجده في تلك الساحة الى تفاهمات بل تحالفات عميقة مع اوساط استخباراتية بريطانية، جاءت لصالح الطرفين خصوصا من بعد استحواذ عناصر الحزب على كثير من المواقع التنفيذية في العراق ما بعد 2003. وكان حزب الله يأمل في ايجاد مرسى لوجوده العالمي في المياه البريطانية من خلال علاقة مماثلة.

ما يخسرة البريطانيون من بعد طرد حزب الله هي تلك القنوات الامنية التي اثبتت فائدتها اثناء الحرب الاهلية السورية، بدءاً من تبادل المعلومات حول المقاتلين الاجانب لدى الدولة الاسلامية وغيرها، الى عمليات انقاذ الرعايا البريطانيين المختطفين. وكانت اهم القنوات التي تحظى بمقبولية لدى حزب الله تمر من خلال اللواء عباس ابراهيم، المدير العام للأمن العام اللبناني. وهناك قناة اتصال اخرى زُعم ان حزب الله يلتقي من خلالها وجهاً لوجه مع الانكليز في العاصمة الرومانية بوخارست، بعيدا عن الانظار. ولكن مع انحسار المواجهات في سوريا، ونظرا الى ان البريطانيين لم يكونوا ابدا الاصحاب الحصريين لهذه القنوات، اذ كان عليهم الاشتراك بها الى جانب اوروبيين آخرين، فإن قيمتها الامنية قد انخفضت.

ولكن بالرغم من كل ما تقدم فإن السعي الى قطع علاقة حزب الله بإيران هو مجرد وهم. وبالمثل، فإن الايماء نحو الامريكيين هو جهد لا ضرورة له، لأن البريطانيين لا يحتاجون الى فعل الكثير ليبدووا افضل من الاوروبيين في انظار واشنطن. كلا، هذه التفسيرات لا تسعفنا في فهم توقيت القرار، مما يحيلنا الى ما هو غير مرأي: ما هو الدافع لدى البريطانيين في قطع المساعي القائمة منذ سنتين لخطب ود سليماني؟

لربما رأي البريطانيون ما رآه وزير الخارجية الايراني جواد ظريف قبل ان يطرح استقالته البهلوانية مباشرة، وهو ان الكفة قد مالت الى سليماني في تحديد مسار ايران القادم، وسليماني هذا ليس مكترثا بالحديث، وإنما هو ذاهب الى المواجهة.

لذا فإن معاقبة حزب الله قد تستمد دوافعها لدى الانكليز من نفس دوافع ظريف، اي انها اشهار بالاستياء ونوبة غضب من طرف تم تجاهله، وليست اكثر من ذلك. ولكن هذا الاستنتاج ايضا يخبرنا بأن الدوائر الاستخباراتية تلك التي نصحت بالقرار قد تجهل ما بجعبة سليماني من مفاجآت.